البطالة والتهميش..قنابل موقوتة تنذر بانتفاضة جديدة في تونس

البطالة والتهميش..قنابل موقوتة تنذر بانتفاضة جديدة في تونس

تونس- قبل خمسة أعوام،أضرم الشاب التونسي محمد البوعزيزي المحبط من أوضاعه الاجتماعية السيئة النار في جسده،فاشتعل وأشعل معه انتفاضة غضب واحتجاجات على البطالة والمحسوبية في بلده،انتهت بالإطاحة بالرئيس زين العابدين بن علي،ومثلت بداية حلم بتجربة ديمقراطية.

وقبل أيام،انتحر شاب آخر لذات السبب يدعى رضا اليحياوي،مفجرا موجة احتجاجات كبيرة اتسعت رقعتها بسرعة،لتشمل أرجاء البلاد وتهدد بانتفاضة اجتماعية جديدة.

وإذا كانت تونس محل إشادة واسعة على أنها قصة نجاح لانتفاضات الربيع العربي بعد انتقال ديمقراطي هادئ، فقد أصبحت أيضا نموذجا للمخاطر في التعامل مع المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والتهميش والإحباط في صفوف الشبان اليائسين.

وفي القصرين -تلك المدينة المهمشة والفقيرة بوسط البلاد حيث بدأت موجة الاحتجاجات الأخيرة-،حاول شبان يائسون الانتحار بإلقاء أنفسهم من فوق مبنى المحافظة احتجاجا على بطالتهم،ونقل اثنان منهم على الأقل للمستشفى.

وفي أسوأ احتجاجات منذ 2011،انتشرت الاضطرابات والاحتجاجات في وسط وشمال وجنوب البلاد،واقتحم المحتجون الغاضبون مقرات المحافظات وهاجموا وأحرقوا مقرات للشرطة وقتل شرطي في الاحتجاجات،ولحقت عدة أحياء بالعاصمة تونس ببقية المناطق المضطربة بعد أعمال عنف واشتباكات بين الشبان والشرطة.

وخلال الاحتجاجات كان الشبان يرددون شعار ”شغل.. حرية.. كرامة.. وطنية“ في استحضار لذكريات ”ثورة الياسمين“ عام 2011 ،عندما كانوا يطالبون بحريات سياسية حصلوا عليها،وفرص شغل وتنمية يقولون إن الحكومة عجزت عن تحقيقها.

وفي القصرين قال حمزة الحيزي وهو شاب عاطل عن العمل منذ خمس سنوات بعد حصوله على شهادة جامعية ”كنت أعتقد بقوة أن الثورة قبل سنوات أعادت لنا الأمل في الحصول على عمل بكرامة،ولم أكن أتوقع يوما أن نعود بعد خمس سنوات للشارع لنرفع نفس المطالب.“

ومنذ انتفاضة 2011 نجحت تونس في تفادي اضطرابات عنيفة هزت دول أخرى في المنطقة،وأطاحت بزعمائها في مصر واليمن وسوريا وليبيا.

لكن التقدم الديمقراطي في تونس لم تتبعه نهضة اقتصادية،بل بالعكس ارتفعت الأسعار واستمر تهميش المناطق الداخلية وزادت معدلات البطالة،فيما يرى التونسيون أن هذه أبرز الأولويات التي يجب لفت الانتباه إليها.

وتدفع أحيانا مثل هذه الظروف شبانا من الطبقة الوسطى والفقيرة في تونس للالتحاق بصفوف جماعات جهادية رغم تلقيهم تعليما جيدا وهي تسهل تجنيدهم للقتال في العراق وسوريا والآن في ليبيا. وتقول الحكومة إن أكثر من ثلاثة آلاف تونسي التحقوا بساحات القتال في العراق وسوريا.

وبعد الثورة زادت معاناة أهالي القصرين وزاد على هموم البطالة والتهميش خطر المسلحين الإسلاميين الذين يحتمون بجبال الشعانبي في القصرين.

وفي استجابة للاحتجاجات الأخيرة أعلن مكتب رئيس الوزراء الحبيب الصيد أنه سيعود للبلاد من زيارة لسويسرا حيث يحضر اجتماعات المنتدى الاقتصادي العالمي وسيعقد اجتماعا طارئا للحكومة.

وقال الناطق الرسمي باسم الحكومة خالد شوكات إن الحكومة ستسعى لتوظيف أكثر من ستة آلاف شاب من القصرين وتبدأ في تنفيذ مشروعات. وبعد الإعلان تدفق آلاف العاطلين على مقر المحافظة في ساعة مبكرة أمس الخميس لقيد أسمائهم بسجل المرشحين لوظائف لكن حدة التوتر ما زالت مرتفعة ومازال الاحتقان شديدا.

وقال شوكات ”نحن نتفهم طلبات المحتجين وهي شرعية ولكن هناك محاولات للتسلل داخل صفوف المحتجين وتشويه تحركاتهم وبالتالي تشويه صورة النموذج الديمقراطي التونسي.“

ويتهم المعارضون الحكومة بتجاهل مطالب التنمية والتشغيل في المناطق الداخلية،وقال حمة الهمامي زعيم الجبهة الشعبية المعارضة إنه حذر السلطات من خطورة تجاهل ملف التنمية.

وقال عصام الشابي القيادي بالحزب الجمهوري المعارض،“الوضع متفجر وشبيه بالقدر الذي يغلي وقد ينفجر في أي وقت. للأسف الوضع يشبه كثيرا ما حدث في 2011 وقد نجد أنفسنا أمام سيناريو مماثل إذا لم تتحرك الحكومة بسرعة وتعالج الوضع.“

وأضاف أنه يتعين إجراء حوار وطني واسع لتشكيل برنامج وحكومة إنقاذ، تنكب على مخطط واضح يخرج تونس من أزمتها،خصوصا وأن المحتجين أصبحوا لا يثقون في هذه الحكومة ويهاجمون رموز الدولة وفق تعبيره.

وتأتي الاضطرابات والاحتجاجات في وقت حساس،تحاول فيه تونس إنعاش اقتصادها العليل بعد ركود استمر سنوات بسبب تراجع الاستثمارات الأجنبية.

وتلقى قطاع السياحة ضربة قوية،بعد ثلاثة هجمات كبرى لجهاديين استهدفت فندقا في منتجع سوسة ومتحف باردو وحافلة للحرس الرئاسي في العاصمة.

وارتفع معدل البطالة في تونس إلى 15.3% في عام 2015،مقارنة مع 12%في 2010،بسبب ضعف النمو وتراجع الاستثمارات إلى جانب ارتفاع أعداد خريجي الجامعات الذين يشكلون ثلث العاطلين في تونس.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com