”انتفاضة السكاكين“.. هبّة ضد إسرائيل أم السلطة الفلسطينية؟

”انتفاضة السكاكين“.. هبّة ضد إسرائيل أم السلطة الفلسطينية؟

المصدر: إرم – سماح المغوش

السلاح الأبيض، هكذا اختار فتية وفتيات من فلسطين شكل انتفاضتهم الجديدة، كحل يتيم لشعب وجد نفسه يتيماً في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وفي محاولة يائسة للتعبير عن غضب مكتوم.

وفي استطلاع لرويترز، أيّد 67% من الفلسطينيين هذه الهجمات، رغم استنكار العديد منهم مشاركة طالبات فلسطينيات فيها. لكن 66% يرجون أن تتحول إلى انتفاضة مسلحة كحل أكثر فاعلية.

طعنة صامتة

مثل طعنة السكين التي لا يرافقها صوتُ للموت، يدفع فتية وفتيات لا تتجاوز أعمارهم العشرين عاماً، في فلسطين، حياتهم كثمن باهظ في اختيارهم مثل هذه المواجهة.

يحتجون بطريقتهم الخاصة ضد أوضاع شديدة التعقيد وظروف تزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

تذكرنا هذه الانتفاضة بانتفاضة الحجارة التي شهدها الفلسطينيون على مدار سنوات من القرن الماضي. لكن مع وجود اختلاف قد يحوّل مسار الأمور بشكل جذري.

فهذه الانتفاضة، أو ”الهبة الجماهيرية“ بحسب وصف الرئيس عباس، لا تشبه سابقاتها، ذلك أنّ ما يحركها ليس دافعاً من التصميم والعزيمة على غرار الانتفاضات السابقة، بل هذه المرّة كان الإحباط المحرك الرئيسي الأول.

وتكرّس ذلك في مشهد محزن، حيث أقدمت فتاتان فلسطينيتان لا تتجاوزان السادسة عشر من عمرهما على طعن عجوز فلسطيني بالخطأ بعد أن ظنتاه إسرائيلياً، ما يدل على حالة من العمى والقهر تغلي بين صفوف الشباب الفلسطيني دون رؤية واضحة جلية.

واعترف الرئيس الفلسطيني محمود عباس، قائلاً: ”الشباب خرجوا لأسباب عدة أولها أنهم بدأوا يشعرون باليأس من حل الدولتين يتجولون لا يرون أساساً منطقياً لدولتين“.

لكن السؤال، هل يثور هؤلاء حقاً بدافع المقاومة؟

في استبيان لشبكة إرم الإخبارية، ربط كثيرون بين الاحتلال وسوء الأوضاع المعيشية، ورأى 51 في المئة منهم أنّ سوء الأوضاع وضبابية المستقبل وراء تبني فتية وفتيات لأساليب بدائية للتعبير عن احتجاجهم على أوضاعهم الحياتية. خاصة مع تردي أوضاع المنطقة العربية ككل.

وانطلاقاً من تأزم الوضع في المنطقة، عمد الاحتلال الإسرائيلي إلى مزيد من التوسع وتثبيت الجذور، وتنهد ارتياحاً، إذ صار لاعباً وحيداً على الأراضي الفلسطينية.

الفلسطينيون ضحايا

لعلّ الشرارة بدأت مع تعذيب الفتى محمد أبو خضير في رمضان 2015، والتمثيل بجثته.

بعدها دفعت عائلة الدوابشة الفلسطينية من قرية دوما في نابلس، الثمن حرقاً بعد رمي زجاجات حارقة على منزلهم من قبل متطرفين يهود، أدت إلى فناء العائلة بأكملها.

تلاحق ذلك اقتحامات متكررة من قبل المتطرفين للمسجد الأقصى، وأمام هذا كله، انتظر الفلسطينيون أي تحرك يذكر، لكن الصمت لم يكن عربياً فحسب، بل فلسطيني أيضاً. فالسلطة الفلسطينية اكتفت بتكرار الكلام المعسول ذاته عن السلام وضرورة الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، دون حل حقيقي أمام مقتل العشرات من الفتية والفتيات على يد الاحتلال.

المعنيون في فلسطين يريدون أن يرى العالم أن ما يقوم به هؤلاء.. انتفاضة، كي يزيحوا عن عاتقهم مسؤولية دمائهم.

فمقتل 87 فلسطينياً على الأقل منذ أكتوبر 2015، لم يثمر سوى عن رسالة خجولة من الرئيس الفلسطيني إلى وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، بقوله إنّ ”الفلسطينيون ضحايا“ وإنهم فقط يدافعون عن أنفسهم ضد الإجراءات الإسرائيلية.

إذاً لا غرابة أن تنخفض نسبة الرضا عن الرئيس الفلسطيني، من 38 في المئة إلى 35 في المئة خلال ثلاثة أشهر، حيث كانت قبل هذه الفترة 44 في المئة، في استطلاع رأي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية.

ويظل صحيحاً أنّ الفلسطينيون ضحايا، يدفع كثيرُ منهم الثمن في انتفاضة أشبه بانتحار جماعي، بسلاح بالتأكيد لن يفعل شيئاً أمام الرصاص المدجج الذي يحمله الجنود الإسرائيليون.

لكن السؤال، هل هم ضحايا الاحتلال فقط؟

تتحمل السلطة في فلسطين جزءاً كبيراً من مسؤولية تدهور الأوضاع، مع اكتفائها بتوجيه أصابع الاتهام للاحتلال كـ“شماعة“ تجنب تأنيب الضمير.

ليصل عمق الأزمة والتخبط إلى خروج ”حماس“ مع نهاية العام لتعلن تحريمها الاحتفال بليلة ”رأس السنة“ منشغلة بفتاويها الدينية، فيما يجتهد الإسرائيليون بالتوسع والقتل، وفتيان وفتيات فلسطين بالموت.

هكذا فضل فلسطينيون في مقتبل العمر موتاً أبيضَ على مستقبل لا رجاء منه، فحملوا ”سكاكين“ مندفعين بها باتجاه أي إسرائيلي تقع أعينهم عليه.

تحوّلٌ أشد عنفاً

استيقظ الإسرائيليون في اليوم الأول من العام الجديد على عملية تمثل منعطفا هاماً وخطيراً في الوضع الفلسطيني-الإسرائيلي، بعد عملية إطلاق نار قام بها شاب فلسطيني في قلب ”تل أبيب”، ويشتبه بانتمائه لداعش، أدت إلى مقتل إسرائيليَين، فيما نجح بالفرار دون أن يتمكن الأمن الإسرائيلي من إلقاء القبض عليه.

هذه الحادثة زادت من حالة الرعب التي يعيشها الإسرائيليون، وحالة الاحتقان والتوتر بين الطرفين النقيضين الفلسطيني والإسرائيلي، لتحمل بدايات العام الجديد وضعاً أكثر ضبابية وغموضاً وسيراً نحو المزيد من العنف والدماء يدفع ثمنها بالتأكيد الشباب الفلسطيني.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com