فرنجية رئيساً للبنان مع وقف التنفيذ بانتظار “تطويع الداخل”‎

فرنجية رئيساً للبنان مع وقف التنفيذ بانتظار “تطويع الداخل”‎

بيروت- أجمع محللون سياسيون على أن النائب اللبناني سليمان فرنجية، الصديق المقرب من رئيس النظام السوري بشار الأسد، بات الآن “رئيساً للبلاد مع وقف التنفيذ”، مشيرين إلى أن انتخابه رسمياً مؤجل حتى تذليل بعض العقبات.

وقال المحللون إن “توافقاً دولياً إقليمياً بدأته الولايات المتحدة وتدعمه السعودية ولا تعارضه إيران، كرس اختيار فرنجية رئيساً، ويهدف إلى حماية اتفاق الطائف من الانهيار”، ورجحوا انتخابه في الجلسة المقبلة التي يخصصها البرلمان لذلك في 16 كانون الأول/ ديسمبر الجاري، بعد “تطويع الداخل”، في إشارة إلى إقناع القوى السياسية المعترضة على هذا الخيار، بتأييده.

وكان رئيس الحكومة السابق سعد الحريري -رئيس تيار “المستقبل”، الأكثر تمثيلاً لسنّة لبنان، والذي يقود حلف “14 آذار” المحسوب على السعودية- عقد اجتماعاً سرياً في باريس مع خصمه فرنجية المنضوي في تحالف “8 آذار” الذي يقوده “حزب الله”، ليعلن “المستقبل” بعده دعم ترشيح فرنجية للرئاسة، في خطوة فاجأت حلفاء فرنجية أنفسهم كما قوى أخرى في “14 آذار”.

ويعد رئيس “التيار الوطني الحر” النائب ميشال عون، وهو المرشح الرسمي لـ “8 آذار” للرئاسة، أبرز المعترضين، مقابل المرشح الرسمي الثاني لـ “14 آذار”، ورئيس حزب “القوات اللبنانية”، سمير جعجع، الذي يرفض حتى الآن هذا الخيار.

والنائب فرنجية هو حفيد رئيس الجمهورية السابق الذي يحمل اسمه سليمان، وهو يتهم جعجع، بقيادة مجموعة مسلحة اقتحمت قصر آل فرنجية في مدينة اهدن شمال لبنان، واغتالت طوني فرنجية، وهو والد المرشح الحالي، الأمر الذي ينكره جعجع.

وفي هذا السياق، أوضح الكاتب والمحلل السياسي في جريدة “النهار” المقرب من “8 آذار” إبراهيم بيرم، أن “القوى السياسية تنقسم بين داعم ورافض لهذا الخيار”، مشيراً إلى أن “المستقبل والزعيم الدرزي ورئيس الحزب التقديم الاشتراكي وليد جنبلاط، يدعمان هذا الخيار بشكل علني، أما رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس حركة أمل والمحسوب على 8 آذار فيدعمه لكن بصمت”.

وأضاف أن “المعارضين بشكل واضح وصريح هما ميشال عون وسمير جعجع”.

لكنه أشار إلى أن “صمت حزب الله حتى الآن يعود إلى أنه مرتبك ومتوجس لذا يبدو وكأنه يعارض بصمت”، مضيفاً “هو مرتبك لأن عليه أن يختار بين حليفين، هما فرنجية وعون، ومتوجس من هذا العرض لأنه لا يعرف إذا كان مناورة سياسية وهل يتضمن الاتفاق على اسم الرئيس أم على اتفاق سياسي شامل، أي الاتفاق على شكل الحكومة وقانون الانتخابات والسياسة المالية وتقاسم كميات النفط والغاز” التي تم اكتشافها أمام الساحل اللبناني.

وقال بيرم إن “مبادرة انتخاب سليمان فرنجية ليست بالتأكيد إيرانية أو سورية ولم يتم التواصل بين طهران والسعودية حول هذا الموضوع، سواء مباشرة أو غير مباشرة”، مشدداً على أن “هذا الطرح سعودي وليس إيرانياً، على الرغم من أن فرنجية حليف إيران التاريخي”.

وأضاف، لدى سؤاله عن سبب اختيار السعودية لصديق الأسد رئيساً، أن “الرياض تسعى لانتخاب سليمان فرنجية وجوهر قرارها هذا يعود إلى خشيتها من انهيار اتفاق الطائف، وبالتالي الدعوة إلى مؤتمر تأسيسي، ووجدت أن منح 8 آذار نصراً باختيار رئيس جمهورية منها يبقى أقل كلفة من انهيار الطائف”.

يشار إلى أن اتفاق “الطائف” الذي وقع في مدينة الطائف السعودية عام 1990، أنهى الحرب الأهلية بين الفرقاء اللبنانيين.

وجاء باتفاق دولي وإقليمي، أدخل تعديلات دستورية أدت لتقليص صلاحيات رئيس الجمهورية، الذي جرى العرف أن يكون مسيحياً مارونياً، ونقلها إلى الحكومة التي يرأسها عرفياً مسلم سنّي، وبالتالي تخاف السعودية أن يؤدي أي تعديل له إلى تقليص صلاحيات رئيس الحكومة السني، بحسب مراقبين.

وكشف بيرم أن “هناك عروضاً بدأت لإقناع عون بقبول التخلي عن ترشيحه مقابل حصوله على حق تسمية قائد الجيش، وحاكم مصرف لبنان، وحصوله على حصة من النفط والغاز”، وأردف “يجري إقناع عون على قاعدة أنك ستكون الحاكم الى جانب الرئيس”.

وأضاف أن السعودية من جهتها تتولى تقديم إغراءات لحلفائها في “14 آذار” أي حزبي “الكتائب” والقوات اللبنانية.

لكن بيرم لفت إلى أن “التسوية القاضية بانتخاب سليمان فرنجية، رئيساً تحظى بدفع غربي وبغطاء من بكركي وبالتالي نحن بانتظار تطويع الداخل اللبناني”.

وقال: “فرنجية هو رئيس مؤجل بانتظار أن يتمكن الخارج من تطويع الداخل”، مشيراً إلى أن “جلسة 16 كانون الأول/ ديسمبر قد تشهد انتخابه رئيساً”.

وفشل البرلمان اللبناني في 2 كانون الأول/ ديسمبر الجاري، من انتخاب رئيس جديد للبلاد في جلسته الـ32 على التوالي المخصصة لذلك، ودعا رئيس البرلمان بري إلى جلسة جديدة في 16 كانون الأول/ ديسمبر الجاري.

يذكر أن البرلمان اللبناني يسعى لانتخاب رئيس جديد للبلاد، منذ انتهاء ولاية الرئيس السابق ميشال سليمان، في 25 أيار/ مايو 2014، ويتوجب حضور ثلثي عدد النواب البالغ عددهم 128 لتأمين نصاب انتخاب الرئيس اللبناني في الدورة الأولى أي 86 نائباً.

وفي حال عدم حصول المرشح على ثلثي الأصوات، تجري عملية اقتراع جديدة يحتاج فيها المرشح إلى 65 صوتاً على الأقل للفوز بالمنصب، الأمر المتعذر حالياً بسبب الخلاف بين القوى السياسية في البلاد.

ويتيح الدستور لمجلس النواب، انتخاب أي مسيحي ماروني لم يعلن عن ترشحه.

من جانبه، جزم المحلل السياسي ومدير تحرير صحيفة “الجمهورية” شارل جبور، المعروف بمعارضته لانتخاب فرنجية رئيساً، أن “سليمان فرنجية بات رئيساً مؤجلاً. الصفقة تمت ومن الصعب حصول أي حدث يقلب الطاولة ويغير المعادلة”.

ورأى جبور، المقرب من “14 آذار”، أن “تغير الموقف السعودي وطرح الحريري لترشيح فرنجية أمر غير مفهوم ليس له من تفسير سوى أن الحريري يريد استعادة دوره السياسي من باب استعادة رئاسة الحكومة، بعدما شعر أنه لم يعد يشكل حاجة للسعودية”، مشيراً إلى أن “ترؤس الحريري للحكومة سيعيد إنتاج دوره اللبناني والعربي ويجعله فاعلاً في لحظة إعادة تشكيل سوريا وفق العملية السياسية”.

وأردف أن “السبب الثاني الذي يجعل الحريري يتبنى هذا الخيار المفاجئ هو الضائقة المالية التي يمر بها، وبالتالي يعتقد أن عودته إلى رئاسة الحكومة، ستعني التخلص من هذه المشكلة”.

ويُعتقد أن تبني الحريري لترشيح فرنجية، سيقابله تسمية الحريري رئيساً للحكومة على قاعدة تقاسم السلطة بين فريقي 8 و 14 آذار.

يشار الى أن سليمان فرنجية كان يشغل منصب وزير الداخلية، عند اغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري، والد سعد الحريري، بانفجار ضخم وسط بيروت في 14 شباط/ فبراير 2005، وبالتالي اتهمه البعض بالمسؤولية عن الاغتيال بحكم موقعه الرسمي.

وأكد جبور أن “الكرة الآن في ملعب حزب الله، وهو يدرس كيف يمكنه أن يحافظ على الرئيس الحليف وأعني سليمان فرنجية والزعيم الحليف وأعني ميشال عون”.

واتهم الحريري بأنه “استغل حرص الرياض بالحفاظ على استقرار لبنان ليقنع المملكة العربية السعودية بأن الإتيان بأي رئيس لا يكون حليفاً لنظام الأسد سيعني الانهيار في لبنان”، ووصف ذلك بأنه “تهويل لأن هذا الأمر غير صحيح”.

وأضاف “لذلك هناك قرار من السعودية بتأييد فرنجية لأنها تريد الحفاظ على الطائف”، مشيراً إلى أن الإيرايين “يقبلون طبعاً بفرنجية فهو حليفهم القديم قبل عون حتى، لكنهم يعطون حزب الله دور إيجاد المخرج لذلك وإقناع عون”.

وأوضح أن “حزب الله وإيران تعاملا بداية بحذر مع هذا الطرح لأنهم خافوا أن يكون الأمر خدعة أو مناورة سياسية لأنهم لم يتوقعوا أن تقدم السعودية هذا التنازل الكبير في لبنان والذي لا يعكس توازن القوى الإقليمي”.

ولفت إلى أن التسوية التي حصلت عبارة عن “صفقة، فمقابل تنازل الحريري عن الرئاسة لـ8 آذار، سيحصل هو وجنبلاط على قانون انتخابي دون اعتماد النسبية يحافظ على كتلهما الانتخابية”، معتبراً أنه “أصبحت وظيفة الحريري وجنبلاط الآن الحفاظ على النفوذ الإيراني في لبنان”.

وفي هذا السياق، قال صلاح سلام، رئيس تحرير جريدة “اللواء” والمقرب من تيار المستقبل والقيادة السعودية، إن “المفاوضات الدولية والإقليمية في فيينا حول المسألة السورية حققت تقدماً، بدأ ينعكس انفراجاً على الواقع اللبناني، ولذا شهدنا إعادة طرح الملف الرئاسي بقوة وبسرعة نتيجة تفاهمات إقليمية ودولية لعبت فيها الولايات المتحدة دوراً مرجحاً لصالح النائب سليمان فرنجية”.

وكشف سلام أن “الأطراف الإقليمية وتحديداً السعودية وإيران وافقت على هذا الطرح وتسوق له باعتبار أن التسوية السياسية في سوريا آتية وبعد رحيل الأسد لا مشكلة في انتخاب صديقه فرنجية رئيساً للبنان”، معتبراً أن “فرنجية بعد رحيل الأسد ليس كما قبله”.

وشدد على أن “طرح انتخاب سليمان فرنجية هو طرح أميركي أساساً، وحظي بموافقة سعودية إيرانية وفرنسا مؤيدة”، مقراً في الوقت نفسه بوجود “عقبات مسيحية في الداخل اللبناني، فعون ما زال معترضاً وكذلك جعجع”.

وأوضح شارحاً تغير موقف الحريري وترشيحه شخصياً لفرنجية، أن “التسوية قضت بأن يأتي ترشيح فرنجية من قبل 14 آذار لا من فريقه أي 8 آذار، حتى لا يفسر الأمر على أن 8 آذار فرضت مرشحها وانتصرت على فريق 14 آذار”.

لكن سلام شدد على أن “الاتصالات ناشطة لتذليل العقبات وانتخاب سليمان فرنجية بات شبه محسوم، وهو يأتي ضمن اتفاق يتضمن انتخاب فرنجية رئيساً وتشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة سعد الحريري، أو من يمثله، والاتفاق على قانون انتخابات”.

وأردف “للتوضيح فإن الحريري سيعود إلى لبنان من منفاه الاختياري بين باريس والرياض منذ نحو خمسة، زار خلالها لبنان مرة في آب/ أغسطس 2014، لكنه قد لا يرأس أول حكومة بعد انتخاب فرنجية لأنها ستكون حكومة تشرف على الانتخابات النيابية”.

وشدد على أنه “من المفترض إنجاز كل هذه الاتفاقات قبل انتخاب فرنجية وذلك ممكن جداً في الجلسة النيابية المقبلة في 16 كانون الاول/ديسمبر”، بحسب “الأناضول”.

وبحسب الدستور اللبناني تعتبر الحكومة اللبنانية مستقيلة عند انتخاب رئيس جمهورية أو عند انتخاب برلمان جديد.

ومدد البرلمان الحالي ولايته التي كان من المفترض أن تنتهي في 2013، مرتين بحجة تعذر إجراء الانتخابات بسبب المناخ الأمني غير المستقر.

وفي حين أن انتخاب سليمان فرنجية الجد عام 1970 يوصف بأنه الانتخاب الحقيقي الوحيد الخاضع لإرادة لبنانية، كونه فاز وقتها بفارق صوت واحد عن منافسه إلياس سركيس، في انتخابات لم تعرف نتيجتها قبل فرز كل أصوات النواب، يبدو أن سليمان فرنجية الحفيد لا يشذ عن طريقة انتخاب الرؤساء في لبنان التي غالبًا ما تتم بإرادة خارجية يتم تظهيرها داخلياً.

وفي حين شهد عهد فرنجية الجد بداية الحرب الأهلية عام 1975، يأمل اللبنانيون أن يكون انتخاب الحفيد بداية مرحلة استقرار، كما يروج لذلك الداعمون لانتخابه.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع