حلب تئن تحت وطأة الحرب ونقص المياه

حلب تئن تحت وطأة الحرب ونقص المياه

حلب- على الرغم من القصف الكثيف ومقتل أصدقائها أمام عينيها والعيش بلا كهرباء، استطاعت ليانا درويش أن تصمد خلال أكثر من أربعة أعوام من الحرب الأهلية في سوريا، بل إنها حصلت على شهادتها الجامعية وسط كل هذا الخراب.

لكن ما دفعها للرحيل أخيراً لم يكن القناصة أو القنابل، بل المعاناة الدائمة للعثور على مياه آمنة.

وفي ظل انقسام مدينة حلب إلى غرب تسيطر عليه الحكومة، وشرق خاضع لسيطرة المعارضة، تمكن كل جانب من حرمان الآخر من المياه، وهو الأمر الذي تقول الأمم المتحدة والصليب الأحمر إنه ”يصل إلى حد استخدامه كسلاح حرب ضد المدنيين“.

وقالت درويش (28 عاماً) والتي غادرت الجزء الخاضع لسيطرة الحكومة من حلب وانتقلت إلى تركيا قبل بضعة أسابيع: ”أزمة المياه هي الكارثة“.

وأضافت في تصريح صحافي ”هل تستطيع أن تتخيل الحياة بلا كهرباء؟ حاولنا ذلك. استطعنا التكيف مع كافة أنواع النقص والمخاطر. لكن المياه مسألة مختلفة. كيف يمكن أن نعيش بدونها؟“.

وتابعت أن ”السكان لجأوا إلى حفر الآبار. لكن المياه التي تستخرج منها قد تكون غير صالحة للاستهلاك. وأصيب شقيقها الذي شرب من مياه الآبار بمرض في الكلى“.

وذكر موظف يعمل لحساب منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) إنه ”تم الإبلاغ عن حالات إصابة بالتيفود والسلمونيلا بسبب المياه الملوثة“.

وقال فؤاد حلاق وهو عامل إنقاذ متطوع في شرق حلب، إن ”الأسر الفقيرة تضطر للاختيار بين شراء الطعام أو المياه النظيفة“.

وأضاف حلاق ”يبلغ ثمن عبوة المياه سعة 1.5 لتر نحو 75 ليرة سورية (0.40 دولار). لا يمكن أن تنفق أسرة من ستة أفراد هذا المبلغ على المياه وحدها لن يتبقى لهم أي شيء للطعام“.

وقال ماهر غفاري الموظف في يونيسيف إنه ”ليس بالضرورة أن تكون المياه المعبأة التي تبيعها الشركات الخاصة آمنة، ولكن على الرغم من ذلك تصطف الأسر في طوابير بالساعات لشرائها“.

وأضاف غفاري ”انتظرت فتاة صغيرة في الصف لأربع أو خمس ساعات لتكتشف أن الجالونين اللذين يجب أن تحملهما ثقيلان للغاية فسقطت وأخذت تبكي“.

ضعف الإمدادات

قال بافل كرزيسيك من الصليب الأحمر الذي تحدث من دمشق إن ”سكان حلب يحصلون على المياه النقية في المتوسط لنصف الشهر فقط“.

وأضاف ”هذا لا يكفي حتى إذا حاول الناس اتخاذ إجراءات طوارئ مثل خزان للمياه“.

ويعمل الصليب الأحمر على تسهيل الحصول على مياه جوفية نظيفة فيوفر خرائط على الإنترنت حتى يتسنى للسكان تحديد أقرب مصدر لهم.

وسببت التلفيات التي لحقت بإمدادات المياه والكهرباء عن غير قصد، نقصاً. وقال كرزيسيك إنه ”خلال الاشتباكات الأخيرة أصيب خط للكهرباء ومنعت الاشتباكات المهندسين من الوصول إليه لإصلاحه“.

لكن جماعات إغاثة دولية تقول إن ”أزمة المياه ترجع أيضاً إلى أساليب تستخدمها الأطراف المتحاربة التي تحرم المدنيين من الاحتياجات الأساسية عمداً. وقالت يونيسيف في آب/ أغسطس الماضي، إنها ”سجلت 18 حالة لقطع المياه بشكل متعمد خلال العام“.

وإمدادت المياه لحلب ضعيفة جداً لأنها خلال رحلتها تمر بمناطق خاضعة لسيطرة أطراف مختلفة.

ويسيطر تنظيم الدولة الإسلامية على محطة الضخ الأساسية على نهر الفرات، بينما تخضع محطة الضخ التالية في منطقة سليمان الحلبي لجماعات معارضة متنافسة. أما المحطة الأخيرة فهي في أيدي الحكومة.

وقطع التنظيم المتشدد الإمدادات من نهر الفرات لبضعة أيام أوائل العام الماضي. ويقول غفاري إنه ”في تموز/ يوليو من هذا العام، تم خفض الإمدادات إلى 40% فقط من كميتها الطبيعية وهو ما أدى إلى نقص شديد في شهرين شديدي الحرارة بفصل الصيف“.

وأضاف أن ”مقاتلي جبهة النصرة وهي جماعة إسلامية متشددة منافسة استغلوا سيطرتهم على منطقة سليمان الحلبي فقطعوا المياه لثلاثة أسابيع في تموز/ يوليو للضغط على الحكومة لتعيد الكهرباء“.

ويتوقف تشغيل جميع محطات الضخ على إمدادات الكهرباء التي تسيطر عليها الحكومة. وبينما تواجه مدن في مختلف أنحاء سوريا نقصاً، يقول سكان حلب إنهم لا يحصلون على الكهرباء في المعتاد إلا لساعة واحدة فقط يومياً وأحياناً يمضون يومهم بلا كهرباء على الإطلاق.

وحين لا تتوفر الكهرباء لتشغيل محطة الضخ في منطقة سليمان الحلبي، تضيع المياه في كثير من الأحيان في نهر قويق الذي يجري بينها وبين المحطة الأخيرة.

وقال غفاري إن ”يونيسيف تساعد في تركيب الخزانات ووحدات التنقية لتخزين هذه المياه“.

وحتى الآن لا توجد بوادر تذكر على أن الحكومة أو جماعات المعارضة المختلفة ستتمكن من إنهاء جمود الموقف والسيطرة على حلب حتى تعود الحياة إلى طبيعتها. لكن المدنيين يكتوون بنار القتال.

وتشن الأطراف المتحاربة هجمات متبادلة تسفر في معظمها عن سقوط قتلى من المدنيين. وبينما تسقط القوات الحكومية البراميل المتفجرة على شرق حلب رد مقاتلو المعارضة بقصف غرب المدينة.

وتقول الشبكة السورية لحقوق الإنسان وهي جماعة مراقبة إن من بين 577 شخصاً قتلوا في مدينة حلب من كانون الثاني/ يناير حتى أيلول/ سبتمبر، كان هناك 559 مدنياً.

وتحولت مناطق شاسعة إلى أنقاض.. فقد طال الدمار أسواقاً ومساجد في المدينة القديمة في حلب المدرجة ضمن قائمة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) للتراث العالمي.

وقالت درويش اللاجئة السورية التي انتقلت إلى تركيا: ”تستغل أطراف الصراع هذه الحرب على ما يبدو والمدنيون يدفعون الثمن.. لا أحد يرى أملاً في حل“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com