مبادرة البشير للحوار السوداني.. مدعاة للتسوية أم تزكية للانقسامات؟ – إرم نيوز‬‎

مبادرة البشير للحوار السوداني.. مدعاة للتسوية أم تزكية للانقسامات؟

مبادرة البشير للحوار السوداني.. مدعاة للتسوية أم تزكية للانقسامات؟

الخرطوم – بعد مرور 21 شهراً على مبادرة الحوار الوطني، التي أطلقها الرئيس السوداني عمر البشير، تتجلى المفارقة في أنها عوضاً عن خلق وفاق وطني، فاقمت الانقسامات السياسية في هذا البلد الذي يشهد حروباً أهلية على ثلاث جبهات، بحسب مراقبين سياسيين.

فعندما طرح البشير مبادرته، مطلع العام الماضي، حظيت بقبول أحزاب معارضة مؤثرة، لكن عند افتتاح مؤتمر الحوار رسمياً، غداً السبت، ستكون الطاولة خالية من أغلب فصائل المعارضة الرئيسية بشقيها المدني والمسلح.

ويُعتقد على نطاق واسع، أن دافع البشير إلى مبادرة الحوار، هو الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها البلاد، في سبتمبر/ أيلول 2013، التي كانت الأقوى في مواجهته، منذ وصوله للسلطة عام 1989.

والاحتجاجات التي خلفت عشرات القتلى، تسببت فيها، إقرار خطة تقشف حكومية، شملت رفع الدعم عن الوقود، وزيادة الضرائب، كانت الأحدث ضمن إجراءات لجأت إليها الحكومة لتعويض العجز الذي خلفه فقدان ثلاثة أرباع عائداتها النفطية التي استحوذ عليها جنوب السودان، عندما انفصل عام 2011 ، حيث كانت تمثل أكثر من 50% من الإيرادات العامة.

وبعد احتواء الأجهزة الأمنية للاحتجاجات، كشف الرئيس عن خطة إصلاحية، شملت دعوة أحزاب المعارضة والحركات المسلحة، إلى الحوار الوطني، ما تسبب في انقسام وسط المعارضة.

فبينما أعلن كل من حزب ”الأمة القومي“ بزعامة الصادق المهدي، و“المؤتمر الشعبي“ بزعامة الإسلامي حسن الترابي، وحزب ”الإصلاح الآن“ المنشق عن الحزب الحاكم بزعامة غازي صلاح الدين، قبول الدعوة، رفضتها بقية الأحزاب والحركات المسلحة، وعددها 4 حركات، تمتد معاركها إلى 8 ولايات من أصل 18 ولاية سودانية.

ورهنت الفصائل الرافضة لدعوة الحوار قبولها بتنفيذ حزمة شروط منها ”وقف الحرب، وإلغاء القوانين المقيدة للحريات، وآلية مستقلة للحوار“.

وأبرز الأحزاب التي رفضت الدعوة هي الحزب ”الشيوعي“، و“البعث العربي الاشتراكي“، و“المؤتمر السوداني“، وثلاثتها تتمتع بثقل نوعي في أوساط المهنيين، والمثقفين، والشباب والطلاب، وتتمتع بعلاقات جيدة مع الحركات المسلحة التي تعمل ضمن تحالف عسكري منذ نوفمبر/تشرين ثان 2011 باسم ”الجبهة الثورية“.

وفي محاولة لحشد الدعم لعملية الحوار، أصدر البشير، في أبريل/ نيسان 2014، حزمة قرارات قال إنها لرغبته ”الصادقة“ في إنجاح الحوار، شملت السماح لكل القوى السياسية ممارسة نشاطها بحرية، وضمان حرية الإعلام، وتوفير الضمانات ”الكافية والمناسبة“ لقادة الحركات المسلحة، للمشاركة في عملية الحوار بالداخل.

وبالفعل شرعت أحزاب المعارضة بما فيها الرافضة لدعوة الحوار في عقد مؤتمرات جماهيرية بالميادين العامة، دون أن تعترضها الأجهزة الأمنية، وحظيت أنشطتها بتغطية غير مسبوقة في وسائل الإعلام الرسمية، وخففت كثيراً من القيود المفروضة على الصحف المستقلة.

لكن وسط هذا الانفتاح السياسي أقدمت السلطات في خطوة مفاجئة على اعتقال الصادق المهدي زعيم حزب ”الأمة القومي“ أكبر أحزاب المعارضة بالسودان، في مايو/ أيار 2014، بسبب انتقادات قاسية وجهها لقوات الدعم السريع التابعة لجهاز المخابرات وتساند الجيش في حربه ضد المتمردين بإقليم دارفور، غربي البلاد.

وبعدها بأسابيع، أقدمت السلطات أيضاً، على اعتقال زعيم حزب ”المؤتمر السوداني“ إبراهيم الشيخ، لذات سبب اعتقال المهدي الذي انسحب بدوره من عملية الحوار.

وفيما أرجع خبراء تحدثوا للأناضول، حينها، اعتقال المهدي والشيخ، لوجود ”تيار داخل الحزب الحاكم رافض للحوار“، أقدمت الأجهزة الأمنية على إجراءات استثنائية أخرى مثل اعتقال عشرات النشطاء الشباب، ومصادرة نسخ وتعليق صدور صحف، ومنع أحزاب من إقامة ندوات جماهيرية في ميادين عامة.

وفي خطوة نُظر إليها كتصعيد من المهدي، وقّع الرجل مع تحالف ”الجبهة الثورية“ الذي يضم الحركات المسلحة في أغسطس/ آب 2014، اتفاقاً أُطلق عليه ”إعلان باريس“، وشمل شروطاً مشتركة لقبول دعوة الحوار.

وحذر الطرفان، حزب المؤتمر الوطني الحاكم، من لجوئهما بالتنسيق مع كل القوى السياسية بالبلاد، إلى خيار ”انتفاضة شعبية“، ما لم يُستجب لشروطهما للحل السلمي، وأبرزها وقف الحرب، وكفالة الحريات العامة، وإطلاق سراح المعتقلين والمحكومين السياسيين.

ولتفادي تعثر عملية الحوار، وسع الاتحاد الأفريقي في ذات الشهر (أغسطس) تفويض الوسيط، ثامبو أمبيكي، رئيس جنوب أفريقيا السابق، ليشمل المساعدة في إنجاح عملية الحوار الوطني بجانب وساطته بين الخرطوم، وجوبا، من جهة، والخرطوم ومتمردي الحركة الشعبية قطاع الشمال (إحدى فصائل الجبهة الثورية)، من جهة أخرى.

وبالفعل شرع أمبيكي مطلع سبتمبر/ أيلول من العام الماضي، في إجراء مشاورات منفصلة، بالعاصمة الإثيوبية، مع مجموعة ”إعلان باريس“، وآلية (7+7) والتي تضم ممثلين للحزب الحاكم وأحزاب المعارضة التي قبلت دعوة الحوار وأبرزها حزب ”الترابي“ بجانب عدد من أحزاب المعارضة الصغيرة.

وانتهت المشاورات، إلى توقيع كل طرف على حدة مع أمبيكي، إعلان مبادئ للحوار، استجاب لجزء من مطالب المعارضة، مثل كفالة الحريات، وإطلاق سراح المعتقلين والمحكومين السياسيين.

وبعدها أجاز الإتحاد الأفريقي مقترحًا لأمبيكي، يهدف إلى عقد اجتماع بين الحركات المسلحة والحكومة، عبر مسارين، الأول يضم حركات دارفور، والثاني يضم الحركة الشعبية قطاع الشمال التي تقاتل في مناطق متاخمة لجنوب السودان، بهدف ”بناء الثقة“، تمهيداً لانخراطها في الحوار.

لكن المحادثات التي عُقدت في أكتوبر/ تشرين الأول، بأديس أبابا، لم تُحرز تقدماً، بسبب تمسك كل من حركات دارفور، والحركة الشعبية، بالتفاوض من خلال منبر موحد يجمعهما مع بقية أحزاب المعارضة، وهو ما رفضته الحكومة.

ورداً على انهيار المحادثات، وقعت مجموعة ”باريس“ على اتفاق مع فصائل يسارية أخرى، أبرزها الحزب ”الشيوعي“، و“المؤتمر السوداني“، علاوة على ائتلاف لمنظمات مجتمع مدني أًطلق عليه ”نداء السودان“ كأوسع تحالف للإطاحة بنظام البشير.

ونص الاتفاق على ذات الشروط السابقة، لقبول عملية الحوار التي سعى فريق الوساطة الأفريقي لإنقاذها بالتوقيع على اتفاق شراكة مع الحكومة الألمانية التي تتمتع إلى حد ما بعلاقات جيدة مع حكومة الخرطوم التي تعاني من عزلة غربية.

وبالفعل دعت الحكومة الألمانية في فبراير/شباط الماضي، فصائل المعارضة إلى اجتماع في برلين، هدفه توحيد رؤاها، لحل الأزمة السودانية، وترتب عليه موافقة هذه الفصائل على المشاركة في اجتماع تحضيري مع الحكومة في أديس أبابا.

ابتداءً، رحب الحزب الحاكم بمخرجات اجتماع برلين، وأعلن قبوله المشاركة في الاجتماع التحضيري الذي كان مقرراً له في مارس/ أذار الماضي، لكنه في اللحظات الأخيرة أعلن رفضه المشاركة في الاجتماع.

وما عقّد الأمر، إصرار الحزب الحاكم على قيام الانتخابات العامة، والتي أُجريت فعليا في أبريل/ نيسان الماضي، وكانت المعارضة تدعو إلى تأجيلها بما في ذلك حزب ”الترابي“ الذي لا يوجد خلافه الآن حزب معارض ذو تأثير منخرط في عملية الحوار، بعد انسحاب ”الإصلاح الآن“ الذي اتهم الحزب الحاكم بـ“التنصل عن دفع استحقاقات الحوار“.

ومع مقاطعة أحزاب المعارضة للانتخابات، اكتسح البشير السباق الرئاسي، بينما هيمن مرشحو حزبه على مقاعد البرلمان، لكن هذه الخطوة، بحسب مراقبين، أثارت حفيظة فريق الوساطة الأفريقي الذي يقوده أمبيكي، وترتب على ذلك صدور قرار من مجلس السلم الأفريقي بشأن عملية الحوار رأت المعارضة أنه في ”صالحها“.

وفي أغسطس/آب الماضي، عقد زعماء القوى الموقعة على اتفاق ”نداء السودان“ اجتماعاً مع مسؤولين في مجلس السلم الأفريقي، بدعوة من فريق الوساطة، في خطوة احتجت عليها الخرطوم، ووصفتها بأنها ”سابقة منافية لميثاق الاتحاد الأفريقي“.

وعُقد الاجتماع عشية جلسة لمجلس السلم الأفريقي، استمع فيها إلى بيان من أمبيكي، وأصدر في ختامها قراره رقم 539، الذي كلف بموجبه فريق الوساطة بالدعوة إلى اجتماع تحضيري في أديس أبابا، إلى جانب رفع تقرير للمجلس بعد 90 يوماً، يوضح ”مدى انخراط الأطراف في حوار جاد“.

وسرعان ما أكدت قوى ”نداء السودان“ موافقتها على الدعوة، وتلا ذلك إعلان الحركات المسلحة وقف عدائيات من طرف واحد لمدة 6 أشهر.

وبالمقابل أعلن الحزب الحاكم مجدداً، رفضه المشاركة في الاجتماع التحضيري، وجزم بأن الحوار سيكون بالداخل، ولتعضيد موقفه، أعلن الرئيس البشير، الشهر الماضي، العفو العام عن قادة الحركات المسلحة الذين سيشاركون في الحوار بالداخل، فضلاً عن وقف إطلاق النار، لمدة شهرين.

وتزامنت قرارات البشير مع تحديد آلية (7+7) التي تضم ممثلين للحزب الحاكم والأحزاب التي قبلت دعوة الحوار، العاشر من الشهر الحالي (غداً السبت)، موعداً لبدء مؤتمر الحوار.

والحال كذلك، فإن غالبية المعلقين السياسيين لا يعولون على نجاح المؤتمر في وضع حد لأزمات البلاد، ما لم يتدخل الاتحاد الأفريقي بشكل أقوى ومدعوماً من المجتمع الدولي لإجبار كل الأطراف على تسوية شاملة في صدارتها إنهاء الحرب الأهلية التي يقدر خبراء حجم استنزافها للخزينة العامة بأكثر من 60 %.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com