مؤرخ روسي: فرنسا تسعى لاستعادة محميّتها القديمة

مؤرخ روسي: فرنسا تسعى لاستعادة محميّتها القديمة

المصدر: إرم - من مدني قصري

في تحليل نشرته مجلة الشرق (الروسية) يرى المؤرخ الروسي سركيس تساتوريان Sarkis Tsaturyan، أن التصريحات الأخيرة للرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان تصريحات تبرهن على إرادة النخب الفرنسية في استعادة السيطرة الاستعمارية على سوريا. وأن فرنسا والمملكة المتحدة تعاونتا على هذه الحرب السرية لحساب واشنطن في عام 2011. في ذلك الوقت كانت فرنسا قد نشرت مقاتلين محليين لإنشاء الجيش السوري الحر الذي لم تكن رايته غير راية الاستعمار.

ويضيف المؤرخ تساتوريان أن القرار الذي اتخذته روسيا لاستخدام القوة الجوية في سوريا كان خطوة ضرورية، وملحة، للحفاظ على توازن القوى في شرق البحر المتوسط. ”لم يكن هناك أي بديل: المصالح الجيوسياسية لروسيا تملي عليها منع الدولة الإسلامية والجماعات الإرهابية الأخرى من التقدم إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط. وليست المسألة مسألة ”إنقاذ“، على الرغم من أنه، تاريخيا، كانت سان بطرسبرج، ومن بعدها موسكو، حساستين دائما للإشارات القادمة من الشرق الأوسط.

وعن دور الغرب يؤكد المؤرخ الروسي قائلا ”وفي الوقت نفسه يقوم الغرب الآن بإخراج محفوظات، وخرائط يعود تاريخها إلى الانتداب الفرنسي في سوريا ولبنان (1923-1946). وهذا يعني البحث مجددا في الحدود بين سوريا ولبنان، ولكن أيضا البحث حتى في الحدود التركية أيضا.

وفي هذا السياق يُذكّر الباحث تساتوريان أن واشنطن ولندن وباريس وتل أبيب سيطرت بشكل تام على الأزمة السورية لغاية اللقاء الذي تم في 14 يوليو 2015.

ويضيف ”وبعد التوقيع على الاتفاق مع إيران في فيينا، انتقلت طهران إلى واجهة المسرح من خلال لعبة إمدادات الغاز، وتكثيف النشاط العسكري على الحدود اللبنانية-السورية. وقد رأت باريس وتل أبيب في هذه البادرة الإيرانية نوعا من التحدي، ونفذتا سلسلة من الغارات الجوية على سوريا في أواخر سبتمبر. وعندما تحدث الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان عن هذا الموضوع، جاء حديثه بروح الحروب الاستعمارية في القرن التاسع عشر. وقد حث ديستان الأمم المتحدة على إرسال قوات لسوريا بقيادة جنرال فرنسي، ليحوّل الرئيس إلى ”قائد محتمل“ يمكن أن يرحل في حالة الحاجة إلى استعادة باريس لانتدابها على البلاد.

وهذا، في رأي المؤرخ يمثل تقدما سريعا :“وهنا الصورة التاريخية للجنرال هنري غورو تقفز إلى الأذهان، فهو الذي انتصر في عام 1920 على الملك فيصل الأول، ملك العراق (وهو عضو من السلالة الهاشمية) في معركة ميسلون، وهكذا استولى على دمشق. كان غورو طاغية في احتلاله لمملكة سورية العربية في عام 1921، إلى الحد الذي جعله يقتطع من هذه الأراضي الشاسعة، دولة دمشق ودولة حلب، والدولة العلوية (المعروفة تحت اسم سنجق اللاذقية)، وجبل الدروز (دولة الدروز)، ولواء إسكندرون (الاسكندرونة اليوم ومحافظة هاتاي في جنوب تركيا)، وكذلك لبنان الكبير (1920). وقد استمرت عمليات التوحيد هذه في أشكال مختلفة حتى عام 1946، عندما سحبت باريس قواتها تحت ضغط من القوميين العرب.

وفي تناوله للتحرك الفرنسي جغرافيا يقول تساتوريان ”من الناحية الجغرافية، يتحرك الفرنسيون اليوم في نطاق نفوذهم، الذي تَشكل في أعقاب مؤتمر سان ريمو في عام 1920. ولهذا السبب شن سلاح الجو الفرنسي هجمات (27 سبتمبر) على دير الزور، المدينة الغنية بالنفط، وتقع هذه المدينة في الشمال الشرقي من البلاد، حيث أنشت في عام 1921 حامية عسكرية، وهي الحامية التي تم دمْجُها في سورية الموحدة عام 1946. والإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية، التي تم دفنها في عام 1962 على أنقاض الثورة في الجزائر، لم تبق ماثلة في عقول النخبة السياسية وحسب، ولكنها تُيبّن أيضا تصميمها على التجسد ثانية“.

والمفارقة في رأي تساتوريان أن ”الأسد، الذي ينتمي إلى الطائفة العلوية، لم يطلب المساعدة العسكرية من باريس التي تمثل في أذهان السوريين رمزا للاستعمار الأوروبي الخالص، ولكنها طلبت مساعدة موسكو. ”لقد انهار الاتحاد السوفيتي في عام 1991، ولكن شعوب الشرق الأوسط لا تزال تحتفظ بذكريات إيجابية عن الوجود السوفييتي في المنطقة. وبهذا المعنى، فإن الغارات الجوية التي شنتها القوات الجوية الروسية على مواقع جبهة النصرة (تنظيم القاعدة) وداعش ترسم الخطوط العريضة لإطار عمل جديد لمنطقة الشرق الأوسط ما بعد الاستعمار، والذي تم إنشاؤه ليس عن طريق الدبلوماسية السرية، ولكن من خلال إرادة دمشق وموسكو. ولقد أثار هذا غضب فرنسا المزهوة. ومع ذلك فكل شيء تم بشكل قانوني تماما: تصرفات موسكو يدعمها اتفاق ثنائي (مع دمشق) بموجب معاهدة الصداقة والمساعدة المتبادلة“.

”ولذلك، يقول تساتوريان، فإن فرانسوا هولاند لا يمكن أن يخفي استياءه، وهو يتهم الأسد الآن بارتكاب مذابح. وما يقوله ليست كلمات جوفاء. باريس تحاول التظاهر بأن هذه المسألة تقع ضمن اختصاص القرار الأممي 2005 المتضمن المسؤولية عن الحماية (الانتداب)، وهو القرار الذي يلزم مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة باستخدام القوة ضد الأنظمة التي تسمح بـ ”التطهير العرقي“ و“ الإبادة الجماعية ”أو“ القتل الجماعي“. الفرنسيون لم يفقدوا الأمل. وعلى أي حال فهذه ”الخدعة“ كان لها مفعول مع الزعيم الليبي معمر القذافي“.

ويلفت تساتوريان إلى أن ”نفوذ روسيا القوي في الشرق الأوسط حقيقة أقرت بها الولايات المتحدة وبريطانيا. والأن يقول رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، الذي يتمسك بموقف لا هوادة فيه فيما يتعلق بهيمنة الأسد على السلطة، أن الرئيس السوري يمكن أن يلعب دورا في ”حكومة انتقالية“، حتى وإن كان كاميرون في العلن لا يزال يهدد الأسد بمحكمة دولية، بالتنسيق مع هولندا. لقد نقلت صحيفة الجارديان عن كاميرون قوله ”حتى الآن، كانت المشكلة أن روسيا وإيران لم تكونا قادرتين على تصور دولة سورية قادمة من دون الأسد“.

وعن موقف الإسرائيليين يقول الباحث الروسي تساتوريان ”الإسرائيليون غاضبون، وخاصة بعد هذه الكلمات التي قالها بوتين: ”نحن نحترم مصالح إسرائيل المتربطة بالحرب الأهلية السورية، ولكننا نشعر بالقلق إزاء الهجمات ضد سوريا ”. وهذا كلام دبلوماسي يعني بوضوح : هذا تحذير. فقد رد وزير الدفاع موشيه يعلون قائلا ”إن إسرائيل لا تنسق عملياتها في سوريا مع روسيا“. فهو يقدّر أن الحدود بين إسرائيل والجمهورية العربية السورية من صلاحيات تل أبيب دون سواها.

وهنا يُذكر السيد تساتوريان، كوشيه يعلون بأن ”الكرملين لا يعترض على هذا الموقف، الناتج عن الرؤية الإسرائيلية للحدود المستقبلية لمنطقة الشرق الأوسط (بما في ذلك جبل الدروز). فالمشكلة تكمن في مكان آخر: هل يمكن لإسرائيل من دون مساعدة خارجية أن تبقى في الوجود في ظل أي زلزال سياسي في العالم الإسلامي؟.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com