الجزائر.. صدام السلطة والمعارضة يعيق حل أزمة غرداية

الجزائر.. صدام السلطة والمعارضة يعي...

كثيرون يرون أن أصل أزمة غرداية هو فشل السياسات والمشاريع الحكومية في تشخيص حقيقي وعميق لطبيعة المشكلة، بشكل خلّف تراكمات أفضت إلى مواجهات مذهبية دامية.

المصدر: الجزائر – من جلال مناد

التصعيد الخطير الذي تعرفه من أسابيع الأزمة في محافظة غرداية (600 كلم جنوب الجزائر)، دفع بالأحزاب الجزائرية إلى طرح بدائل سياسية لمبادرات الحكومة في وقف النزاع الدامي بعد أسابيع من  مواجهات  مذهبية  عنيفة كان آخرها سقوط 23 قتيلا وعشرات الجرحى و تخريب ممتلكات خاصة ومنشآت عامة بينها مقار حكومية في عز شهر الصيام.

وأعلن حزب حركة البناء الوطني (وسطي) عن طرح مبادرة سياسية شاملة لحل الأزمة في غرداية ، وجديدها هو إرسال الأرضية إلى أحزاب الموالاة والمعارضة على حد سواء لإشراكها في حل طال أمده.

بدائل

تقول  ديباجة ”حركة البناء الوطني“ التي تحوز شبكة إرم الإخبارية على نسخة منها، إن المطلوب بشكل استعجالي هو ”تشكيل لجنة صلح وإصلاح محلية من ممثلي الأحزاب السياسية المهيكلة بولاية غرداية“، ثم تلقى على عاتق هذه اللجنة مسؤولية الاتصال والتواصل مع مشايخ وأعيان المذهبين المالكي والإباضي لتبديد نقاط الخلاف الموجود بينهم.

وتكشف الوثيقة السياسية أن الأحزاب مدعوة كلها للإسهام في ”تنظيم مؤتمر مصالحة وطنية حول الصلح والإصلاح في غرداية مع حتمية التعاون مع المؤسسات الرسمية لترسيخ الصلح و رد المظالم من خلال تفعيل القيم الإسلامية والأعراف المجتمعية وتجاوز الرؤى المذهبية والعرقية“.

ويشدد الناشط السياسي والقيادي في حزب ”البناء“ سعد صدارة، أن هذه المبادرة المطروحة  تخرج من حلبة المبارزة السياسية بين المعارضة والموالاة لتكون منطلقا لبدائل حقيقية تنهي فصول الصراع الطائفي البغيض.

ويتمسك سعد صدارة في تصريح خاص بشبكة إرم الإخبارية، بأمل ”التوافق السياسي“ لاحتضان مبادرة الصلح والإصلاح في أقصى سرعة ممكنة حتى ”لا تستمر المعاناة والأزمة التي طال أمدها“.

 شبح التدويل

إلى ذلك، دعا  الوزير الإسلامي الأسبق عبد المجيد مناصرة إلى ”نبذ الخلافات بين الأحزاب“ والاتفاق على ”حل جذري ينهي الاقتتال الطائفي“، محذرا من مغبة ”فسح المجال أمام أطراف أجنبية ومنظمات غير حكومية تحاول التدخل وتدويل الأزمة“.

عبد المجيد مناصرة الذي يقود حزب جبهة التغيير، حث في تصريح لشبكة إرم الإخبارية على أن ”تراعى خصوصيات المنطقة فرغم وحدة الدين واللغة إلا أن  الاختلاف المذهبي بين أفراد المجتمع المحلي في غرداية يتطلب من الدولة و مؤسساتها أن تمنح اعتبارا خاصا جدا بالمنطقة“.

ويجزم مناصرة أحد شركاء بوتفليقة في حكوماته الأولى، أن ”الأزمة متراكمة منذ سنين وعولجت بسطحية فارتكبت عدة أخطاء والدولة الآن وجب عليها تحمل مسؤولياتها في وقف العنف الطائفي الذي يتغذى من الظروف المحيطة بالمنطقة و البلاد عموما“.

ويحرص وزير الصناعة الأسبق 1998-2002، على دعوة الحكومة للثقة في بدائل الأحزاب ومناقشتها بعمق والأخذ بها بالارتكاز على عامل الأولوية و الاستعجال، مبرزا ضرورة أن ”تسارع الدولة إلى تدريس المذهب الإباضي ومنحه المكانة اللائقة شأنه في ذلك شأن المذهب المالكي“.

توجّس

 وتتوجس الحكومة من التحركات التي قامت بها بعض الأحزاب السياسية حيث قررت منع وفود شبابية ونسائية لحركة مجتمع السلم المعارضة كانت تعتزم التنقل إلى بؤرة التوتر والاجتماع بعدد من مشايخ وشباب المذهبين المالكي و الإباضي.

 ورفضت السلطات بالمطلق السماح لأي تشكيل سياسي بالتنقل والتجمهر في نواحي غرداية لأسباب بررتها وزارة الداخلية بــ“عدم توفر الظرف المناسب“، والواقع أن السلطات تتخوف فعلا من سحب البساط من تحت أقدامها إذا ما تركت المجال فسيحا أمام أحزاب المعارضة التي تسعى بكل ما تملك للي ذراع حكومة بوتفليقة و انتزاع بعض التنازلات في إطار الصراع القائم بين النظام ومناوئيه.

وتواجه أحزاب الموالاة  أصابع الاتهام بالفشل لا في حل الأزمة فحسب بل حتى في تقديم مقترحات عملية لتشخيص مسببات المعضلة وعرضها على الحكومة التي تحتمي بدفاع أحزاب الائتلاف عن برنامجها سواء داخل البرلمان أو أمام الرأي العام.

وعقب تجدد المواجهات العنيفة في رمضان الأخير، اكتفت الكيانات الحزبية الموالية بإصدار بلاغات وبيانات ”منددة“ بما تصفه ”محاولات التدخل الأجنبي في شأن داخلي“، لكن دون أن تظهر أدلة دامغة  قد تعين بها حتى مؤسسات الدولة الرسمية على مواجهة هذه ”الخطر“.

لكن الناطق الرسمي لحزب ”تجمع أمل الجزائر“ الذي يقوده وزير السياحة عمار غول، برر مواقف الموالاة بقوله ”إننا لا نريد صب الزيت على النار ونحن لم نتوقف بتاتا على دعوة السكان المحليين إلى التحلي بالهدوء والحوار وترك الخلافات إلى أجهزة الدولة  ومؤسساتها الرسمية القادرة على معالجتها ”.

وأوضح نبيل يحياوي أبرز مساعدي رئيس الحزب المشارك في الائتلاف الحكومي، في تصريح لشبكة إرم الإخبارية أن ”حزب تاج الداعم لبرنامج الرئيس بوتفليقة ينأى بنفسه عن محاولات ركوب الموجة بغية تحقيق مكاسب حزبية ضيقة لا تخدم سوى الاستغلال السياسي على حساب مصلحة الوطن ”.

 وتابع المتحدث: ”إننا نظل متمسكين بأن حل المشكلة يجب أن يتم داخليا وعبر مؤسسات الدولة و لابأس في أن يتم إشراك الطبقة السياسية الراشدة والواعية في تقديم الحلول المناسبة التي تبعدنا عن العرقية والنعرة الجهوية و الخلافات المذهبية البغيضة“.

حتمية التوافق

يعتقد رضوان سكلولي صحفي ”البلاد“ المكلف بملف غرداية، أن ”الوقت مناسب للرئاسة حتى تدرس الأرضيات الحزبية وتستنبط منها الحلول الممكنة لطي الأزمة“.

ويتابع  سكلولي قائلا:“إنه فرصة عملية لتتجاوز الحكومة النقائص وتسد الثغرات التي حملتها مشاريعها المتتالية لحل الأزمة والمصالحة بين أطراف الصراع منذ اندلاع الشرارة الأولى في بلدة بريان  يوم 19 آذار/ مارس 2008″.

ويضيف المتحدث مع شبكة إرم الإخبارية أن ”الأحزاب الجزائرية على خلاف توجهاتها السياسية والإيديولوجية تجمع على أن حل المعضلة يجب أن يكون جزائريا بعيدا عن أي تدويل أو تشهير، وهذا في صالح السلطة التي تتحسس أصلا من تناول المنظمات غير الحكومية لقضايا حقوقية أو مذهبية في الداخل“.

ويتفق المراقبون أن المعالجة الأمنية المحضة للأزمة أثبتت عجزها ما يستدعي فعلا إشراك أوساط سياسية ومجتمعية بهدف التوصل إلى وفاق بين أطراف النزاع ، خاصة أن مراحل التصعيد والتأجيج  قد تمت معالجتها أمنيا في إهمال واضح لبقية الجوانب المتعلقة بتوفير مناخ جيد يتيح التعايش بين العرب والأمازيغ وأتباع المالكية والإباضية في منطقة غرداية.

والواقع أن أكثر ما يخشى منه هو بقاء  هذه المبادرات الحزبية رهينة التجاذبات السياسية بين أحزاب السلطة و المعارضة، فبدل أن تفضي إلى تشخيص عميق للأزمة وحلول جذرية، لا يستبعد أن تكون غرداية هي الأخرى مسرحا لمعارك سياسية طاحنة، لا بين الحكومة وخصومها فقط بل بين تيارات إيديولوجية يحاول كل منها ركوب الموجة لتحقيق مكاسب آنية ضيقة لا تخدم مصلحة المجتمع ولا الدولة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com