الفيسبوك يشعل حرب الخلافات داخل حزب العدالة والتنمية المغربي

الفيسبوك يشعل حرب الخلافات داخل حزب العدالة والتنمية المغربي

الرباط ـ لم تعد الخلافات التنظيمية والسياسية في حزب العدالة والتنمية المغربي، الذي يقود الحكومة، حبيسة هيئات الحزب ومقراته، ولا حتى الإعلام التقليدي، بل صارت موضوعا متداولا في الفضاء الافتراضي وخاصة “فيسبوك” الذي “يسكنه” نحو 10 ملايين مغربي، بحسب إحصائيات رسمية.

وفي حواره الأخير مع قناة الجزيرة خاطب عبد الإله بنكيران رئيس الحكومة المغربية، والأمين العام لحزب العدالة والتنمية رواد موقع التواصل الاجتماعي بـ”سكان الفيسبوك”، الذين في معظمهم ساندوه في وصفه لخطاب بعض زعماء المعارضة بـ”السفاهة”، إلا أن “فيسبوك” الذي كثيرا ما اتُهِمَ أعضاء العدالة والتنمية من طرف خصومهم  بشن حرب شرسة من خلاله على كل من يهاجم بنكيران ورموز حزبه، يبدو أنه بات فضاء يمارس فيه قياديون من الحزب خلافاتهم وتعدد وجهات نظرهم في قضايا الحزب والوطن.

البداية كانت قبل شهرين تقريبا مع ما عرف بـ”زواج الوزيرين”، حيث أوردت وسائل إعلام مغربية أنباءً عن قرب زواج الحبيب الشوباني وزير العلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، وسمية بنخلدون الوزيرة المنتدبة في التعليم العالي والبحث العلمي، والتي خرجت حديثا من علاقة زواج دامت أكثر من ثلاثين عاما.

زواج الوزيرين

قصة زواج الوزيرين، صارت القضية الأبرز على صفحات أعضاء الحزب ومؤيديه بل وعموم رواد الفيسبوك من المغاربة، وانقسموا بين معارض لهذه العلاقة ووصفها بـ”النزق السياسي”، وأن الحكومة “ليست مجالا للتفكير في تعدد الزوجات”، الذي سيصم الحزب بـ”الرجعية”، وبين من اعتبر أن هذا الأمر “خوض في خصوصيات الأخوين”، وأن مسؤولياتهما العمومية لا تعطي الحق للناس في “التلصص” عليهما، و”الولوغ في عرضيهما”، مادام أنهما لم يرتكبا خطأ في عملهما كوزيرين، وبين من نفى الأمر جملة وتفصيلا، واعتبره لا يعدو أن يكون “نوعا من التشويش” على عمل الحكومة، والذي تمارسه المعارضة، ووسائل الإعلام القريبة أو المرتبطة بها.

وحتى بعدما انتشرت أخبار أن زوجة الوزير ذهبت بنفسها لخطبة الوزيرة سمية بنخلدون لزوجها، لم يتوقف الجدل في فضاء “العالم الأزرق”، ووصل الأمر إلى مطالبتهما بالاستقالة لـ”الضرر المعنوي الذي أحدثاه للحزب والحكومة”، خاصة وأن القانون المغربي متشدد في مسألة تعدد الزوجات، وإن لم يلغها.

وبالفعل لم تهدأ المناكفات الفيسبوكية في واقعة خطبة الوزيرين إلا باستقالتهما بالفعل، وحينها كانت نهاية الحكاية على شبكة التواصل الاجتماعي، وتمنى الجميع للوزيرين “حياة سعيدة”، حتى وإن لم تنته بعقد زواج بعد.

سهرة لوبيز

وما لبثت قصة زواج الوزيرين أن تهدأ، حتى اشتعلت صفحات الفيس بوك مجددا موجهة نيرانها صوب وزير الاتصال مصطفى الخلفي، على خلفية سهرة الفنانة الأمريكية الشهيرة جنيفر لوبيز، الجمعة الماضي، في مهرجان موازين الذي يقام في العاصمة المغربية الرباط، من 30 مايو/آيار إلى 6 يونيو/حزيران الحالي.

سهرة لوبيز، التي بثتها القناة العمومية الثانية 2M، أثارت استياء بين أوساط الحزب خاصة والشارع المغربي عامة، معتبرين أنها تضم مشاهد “مخلة بالحياء”، و “إيحاءات جنسية فاضحة”،  ولا تستحق أن تعرض على منصات المهرجان، الذي يرتاده الناس طواعية، فضلا عن أن تعرض في أوقات الذروة على قناة عمومية ممولة من ضرائب المواطنين، وتجتمع حولها الأسر المغربية.

القذيفة الأقوى جاءت من خالد رحموني، زميل الخلفي في الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، والذي طالب وزير الاتصال، مباشرة بعد نهاية السهرة، بالاستقالة من منصبه، قائلاً في تدوينة على الفيسبوك، إن “على  وزير الاتصال – المسؤول الأول عن السياسة الإعلامية – أن يبادر إلى تقديم استقالته فورا، وأن يتم تقديم المسؤولين عن استئجار القنوات العمومية، لبث المهازل، للمحاسبة الشعبية، لعجزهم عن صيانة القيم والسمعة والسيادة من أن ينتهكها على الهواء مغتصب كرامة”، مضيفا وهو يوجه الحديث للخلفي إن “دفع ثمن الموقف واجب “.

إقرار الخلفي

وأقر الخلفي، أن “ما جرى بثه مرفوض وغير مقبول ومخالف لقانون الاتصال السمعي البصري ولدفاتر التحملات(الاشتراطات)”، وكتب على صفحته الرسمية في فيسبوك، أنه سيراسل الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري باعتبارها الجهة المسؤولة عن مراقبة التزام وسائل الإعلام العامة بقوانين البث والمبادئ والقواعد المطبقة على القطاع، وأنه سيراسل لجنة الأخلاقيات بالقناة الثانية باعتبارها المكلفة بتفحص القضايا الأخلاقية المتعلقة بالبث، إلا أن الجدل حول الموضوع على صفحات الفيسبوك لم يخفت.

واتهم البعض الخلفي، بأنه “عاجز عن إصلاح الإعلام أو المساس بالمسؤولين النافذين في الإعلام العام”، فيما دافع عنه آخرون، واعتبروا الدعوة إلى استقالته “غير ذات موضوع”.

خالد البوقرعي الكاتب الوطني لشبيبة الحزب وعضو الأمانة العامة، كان من بين من انتقد الدعوة إلى استقالة الخلفي وإن اتفق على أن ما “بثته القناة الثانية يشكل خطرا كبيرا على قيم المغاربة ولا يمكن أن نقبل به بتاتا كيفما كان الداعي إليه”، وأوردت الصفحة الرسمية لشبيبة العدالة والتنمية قوله “لا نقول للخلفي قدم استقالتك ولكن نقول له واصل دفاعك المستميت عن قيم المغاربة، ولكن نقول إننا لا نستسلم لهذه اللوبيات في حربها على قيم المغاربة”، وتابع بالقول “لن نسكت عن هذا الأمر مهما كان الثمن والضريبة ونحن مستعدون لدفع الضريبة”.

دعوة الرحموني لاستقالة الخلفي، لم تحل دون لقائهما في أول اجتماع استثنائي للأمانة العامة للحزب الإثنين الماضي، ويتولى عبد الصمد الإدريسي زميلهما في أعلى هيئة تنفيذية في الحزب، بأخذ صورتان لهما وهما يجلسان متجاورين ويضحكان، وينشرها على صفحته بالفيسبوك، حيث حازت مئات الاعجابات والتعليقات من أبناء الحزب، كان مضمونها قول أحدهم “الاختلاف رحمة، والاحترام المتبادل دليل قوة”.

تعليق أفتاتي

وفيما هدأت قذائف الفيس بوك في مسألة “لوبيز”، تأججت مجددا صوب موضوع جديد عنوانه “تعليق عضوية أفتاتي”، فقد انتهى الاجتماع الاستثنائي لأمانة الحزب أمس الأول، واضعا كلمة النهاية للمسألة الأولى بصورة الابتسامات المتبادلة، والبداية للموضوع الثاني،  بقرار  “تعليق المسؤوليات الحزبية التي يتولاها السيد عبد العزيز أفتاتي في الحزب وتعليق عضويته في هيئاته التي ينتمي إليها، وتفعيل المسطرة الانضباطية في حقه بإحالة ملفه إلى هيئة التحكيم الوطنية المنبثقة عن المجلس الوطني للحزب لاتخاذ القرار الانضباطي المناسب”.

ويأتي هذا القرار، بحسب البيان الصادر عن الاجتماع الاستثنائي للأمانة، على خلفية “ما تناقلته بعض وسائل الإعلام من قيام السيد عبد العزيز أفتاتي بزيارة للحدود المغربية الجزائرية يوم الخميس 28 مايو/آيار الماضي وما ارتبط بهذه الواقعة من تداعيات وتفاعلات”.

وقال البيان، إن “هذا التصرف والتجاوزات المرتبطة به، عملا غير مسؤول فضلا عن كونه يشكل انتهاكا لمبادئ الحزب وتوجهاته العامة”.

قرار تعليق المسؤوليات الحزبية التي يتولاها أفتاتي، النائب البرلماني، ورئيس هيئة النزاهة والشفافية بالحزب، وجد صداه مباشرة على الفيسبوك، وكان أغلب من تداولوه من أبناء العدالة والتنمية من منتقدي هذا القرار، خصوصا أن “حيثياته” في نظرهم “لم تكن وافية وتركت الكثير من اللبس”، وصل إلى القول أن “هناك إرادة من قياديين في الحزب للتخلص من أفتاتي”، النائب البرلماني عن مدينة وجدة أقصى شرقي المغرب، على الحدود مع الجزائر، والذي غالبا ما يوصف في الإعلام المغربي، بـ” المزعج”، وهو ما انبرى أعضاء من الأمانة العامة للرد عليه.

تصريف الخطاب السياسي

وتعليقا على تحول الفيسبوك مؤخرا إلى ساحة تداول لخلافات حزب العدالة والتنمية، قال محمد مصباح الباحث المغربي بمعهد كارنيجي للشرق الأوسط، “في ظل غياب التأطير الحزبي الصارم، تبدو هذه الوسائط بمثابة قنوات لتصريف الخطاب السياسي والضغط على القيادات بإحراجها بمواقف تكون راديكالية”.

واعتبر مصباح ، أن “هناك عدة عوامل جعلت وسائط التواصل الاجتماعي الحديثة تتمتع بهذه الجاذبية، وهي المجانية وسهولة الاستعمال والانتشار اللامحدود”،  إلا أن عنصرا أساسيا يعتبره  ذو “أهمية خاصة”، وهو “غياب الرقابة”، أي أن “مستعملو وسائل التواصل الحديثة لا يحتاجون في الغالب إلى أي ترخيص حكومي أو مؤسساتي، وهو ما يعطي حرية أكبر في التعبير عن الذات بحرية بعيدا عن القيود المؤسسية، ويجعله أحيانا أوسع من خطاب النخب الحزبية نفسها”.

وأضاف مصباح، أن “هذا يأتي في سياق يعبر عن ملامح تشكل الرأي عام من خلال وسائط التواصل الاجتماعي الجديدة، لا سيما الفيسبوك، وأن هذا تعبير عن وجود هوية شبابية تميل نحو التسيس بدون تكلفة، أي الاكتفاء بالاحتجاج من وراء لوحة المفاتيح بدون الانخراط الفعلي في العمل السياسي المباشر. كما أنها لم تتبلور في شكل حركة اجتماعية متحققة في الواقع، وبقيت أساسا عبارة عن تجمعات افتراضية محدودة من حيث العدد ولكنها مؤثرة”.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع