هكذا يتفاوض اليمنيون منذ 20 عاما

هكذا يتفاوض اليمنيون منذ 20 عاما

صنعاء – أعلن ماثياس جيلمان، نائب المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، مطلع الأسبوع، تأجيل مشاورات الحوار اليمني، التي دعت إليها المنظمة الدولية في مدينة جنيف، الخميس المقبل، إلى أجل غير مسمى.

على كل حال لم يعلق المواطن اليمني في ما كان يٌعرف بـ”اليمن السعيد” آمالا على هذا الحوار أو غيره؛ لخبرته بما آلت إليه جلسات الحوار المتكررة منذ قيام الوحدة عام 1994 في هذا البلد العربي الفقير.

هذا التأجيل الأممي أرجعه مصدر رئاسي يمني، إلى إصرار الرئيس اليمني، عبد ربه منصور هادي، المقيم حاليا في السعودية، على التأجيل لحين تنفيذ جماعة “أنصار الله” (الحوثي) لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216، الذي يطالب الجماعة بالكف عن استخدام العنف، وسحب قواتهم من المدن.

كما يطالب هادي، وفقا للمصدر، الذي طلب عدم نشر اسمه، بأن تكون مقررات مؤتمر الرياض محورا رئيسيا يتم مناقشته في مؤتمر جنيف، وإشراك الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربي في المؤتمر باعتبارها مشرفة على العملية السياسية في اليمن منذ عام 2011.

وربما يعود التأجيل أيضا إلى اشتراط جماعة “الحوثي” (تتبع المذهب الزيدي)، في تصريحات سابقة على إعلان التأجيل، وقف الغارات الجوية لطائرات التحالف مقابل مشاركتها في المؤتمر، الذي كان مقررا يومي 28 و29 من الشهر الجاري، بحسب المبعوث الأممي إلى اليمن، الموريتاني إسماعيل ولد الشيخ أحمد.

ومنذ 26 مارس/ آذار الماضي، تشن طائرات تابعة لتحالف تقوده السعودية غارات على أهداف عسكرية لجماعة الحوثي ووحدات من الجيش موالية للرئيس اليمني السابق، على عبد الله صالح (1978 – 2012)، المتحالف مع الجماعة.

وبينما تقول الرياض إن هذه التحركات تأتي استجابة لطلب الرئيس هادي بالتدخل عسكريا لـ”حماية اليمن وشعبه من عدوان الميلشيات الحوثية”، يرى مراقبون أن ذلك التحالف يمثل حلقة جديدة في صراع بين إيران الشيعية، التي تدعم الحوثيين، والسعودية السنية، على النفوذ في المنطقة، على غرار ما يحدث في العراق وسوريا ولبنان.

واستضافت الرياض بين يومي 17 و19 من الشهر الجاري مؤتمرا للحوار اليمني، قاطعته جماعة “الحوثي”، ووقع المشاركون فيه على وثيقة أطلق عليها “إعلان الرياض” دعت الى “إنقاذ اليمن واستعادة مؤسسات الدولة، و”إنهاء عدوان قوى التمرد وإسقاط الانقلاب واستعادة الأسلحة وإخراج المليشيات من صنعاء ومدينة عدن (جنوب) وكافة المدن اليمنية، وعودة مؤسسات الدولة الشرعية إلى ممارسة مهامها من داخل الأراضي اليمنية”، بعد أن أجبرها زحف الحوثيين جنوبا على الانتقال إلى الجارة الشمالية، السعودية.

ويذهب مراقبون إلى أن الأطراف السياسية اليمنية لم تعد بحاجه إلى مؤتمرات حوار بقدر حاجتها إلى آليات تُلزم هؤلاء الفرقاء بتنفيذ مخرجات (نتائج) الحوارات، فاليمن يعيش أزمة ثقة، ويعاني من أطراف مراوغه تستغل الحوارات لترتيب أوراقها، ثم الانقضاض على أي مبادرات للتسوية السياسية.

وهو ما عبر عنه وزير الخارجية اليمني السابق، عبد الله الصايدي، بقوله إن مؤتمر جنيف، في حال عقده، هو “آخر ما ينتظر اليمنيون من حوار، فإذا فشل ستكون بعده حرب طويلة مختلفة عما يجري في سوريا والعراق وليبيا”.

الصايدي حذر، من أن “ما يجري في اليمن يعمد إلى إيجاد خلل في المنظومة الاجتماعية للنسيج اليمني المتعدد والمتنوع شمالا وجنوبا”.

على مستوى الشارع اليمني يسود عامة تشاؤم من جنيف، ناجم عن اعتقاد بأن مؤتمر “جنيف 1” (30 يونيو/ حزيران 2014) أدخل سوريا (التي تشهد ثورة على رئيس النظام بشار الأسد منذ مارس/ آذار 2011) في نفق مظلم.

ورغم الفترة القصيرة التي مرت على توليه منصبه يوم 25 أبريل/ نيسان الماضي، إلا أن المبعوث الأممي قام بجولة مكوكية في المنطقة، التقى خلالها بالحوثيين، وجناح صالح في حزب المؤتمر الشعبي العام، والرئيس هادي، ونائبه خالد بحاح، والأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربي، عبد اللطيف الزياني، ووزير الخارجية المصري، سامح شكري، وأحمد بن حلي، نائب الأمين العام لجامعة الدول العربية، وأخيرا وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف.

وهي تحركات يبدو عليها قلق مفرط، لكون ولد الشيخ أحمد يدرك قصر الفترة الزمنية، وهو ما عكسه تصريحه بأنه “لا يوجد لدينا رفاهية الوقت”، وصعوبة الأوضاع الإنسانية باليمن، ورغبته في النجاح في مهمة فشل فيها سلفه، المغربي جمال بن عمر، وهي استكمال المرحلة الانتقالية عبر التسوية السياسية، إضافة إلى قراءته لتاريخ مؤتمرات الحوارات في اليمن، والتي عادة ما تنتهي بمواجهات دموية في واحدة من أفقر دول العالم.

ففي تاريخ اليمن، حيث يعيش حوالي 26 مليون نسمة، شواهد عديدة على انفجار الأوضاع بعد إجراء حوارات بين الفرقاء لحل أزمات، وكأن الحوار في اليمن ما هو إلا استراحة محارب.

فخلال العقدين الماضيين، شهد اليمن عددا من مؤتمرات الحوار خاضتها القوى السياسية باءت بتصعيد مسلح بين الفرقاء، بحسب رصد مراسل وكالة الأناضول لأبرز محطات الحوار.

حوار 1994:

بعد أربع سنوات من قيام الوحدة اليمنية في مايو/ أيار 1990، جرى التوقيع في الأردن يوم 20 فبراير/شباط 1994، على “وثيقة العهد والاتفاق”، لتسوية الأزمة السياسية بين الرئيس اليمني آنذاك علي عبد الله صالح ونائبه علي سالم البيض، وتقضي بتحقيق جزء من مطالب الجنوبيين فيما يتعلق باللامركزية الإدارية (عن العاصمة صنعاء)، وإنشاء مجلس استشاري ووضع ترتيبات لدمج القوات المسلحة، فعندما قامت الوحدة لم تُدمج القوات المسلحة ولا المعسكرات، فظلت قيادات الجيش في الشمال تسيطر على قواتها ومعسكراتها، وقيادات الجيش في الجنوب تسيطر على قواتها ومعسكراتها.

لكن سرعان ما تطورت الأحداث إلى حرب دامت قرابة ستة وستين يوما في مايو/ أيار ويوليو/ تموز 1994، عُرفت بـ”حرب الانفصال”، وهي حرب أهلية بين الحكومة وبين ما سمي بـ”جمهورية اليمن الديمقراطية”، التي أعلنها علي سالم البيض.

وبمساعدة قادة من الجيش المحسوب على الجنوب، تمكن صالح من حسم الحرب لصالحه، وهرب قادة الانفصال خارج البلد، بعد سقوط آلاف القتلى بين مدنيين وعسكريين، بحسب تقديرات حكومية متفاوتة جرى إعلانها آنذاك.

حوار 2011:

في عام 2006 أجريت أول انتخابات رئاسية في اليمن، وسادها تنافس حقيقي، حيث انفرط التحالف التاريخي بين صالح وحزب “التجمع اليمني للإصلاح” (إسلاميون)، وخرج حزب الإصلاح ومعه بقية أحزاب “اللقاء المشترك” (تحالف لأحزاب المعارضة الرئيسية) بمرشح (فيصل بن شملان) تمكن من إحراج القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية التي يمتلكها صالح وأسرته وحزبه.

هذه الانتخابات شكلت مرحلة جديدة من الصراع السياسي، وعمل صالح على إشغال حزب الإصلاح بحرب غير مباشرة مع تمدد الحوثيين عسكريا في مناطق نفوذ للحزب، حيث يرى مراقبون أن صالح كان حريصا على عدم القضاء على الحوثيين، رغم ما توفر له من فرص لدحر تمردهم.

وأسس حسين بدر الحوثي جماعة “أنصار الله” عام 1992، وبعد 12 عاما قتلته القوات الحكومية، ليشهد اليمن، تحت حكم صالح، ستة حروب بين عامي 2004 و2010 بين جماعة الحوثي والقوات الحكومية، خلفت آلاف القتلى من الجانبين.

كما اندلعت انتفاضة في الجنوب عبر تشكيلات الحراك الجنوبي السلمي المطالب بحق تقرير المصير.

كل ذلك تطلب عقد جلسات حوار ومفاوضات بين القوى السياسية، لاسيما وأن صالح، بحسب المعارضة، كان يسعى إلى تعديل الدستور لضمان استمراره في الحكم ثم توريث الرئاسة لنجله أحمد.

ثم جاءت أزمة الانتخابات البرلمانية عام 2009 وتم الاتفاق على تأجيلها لمدة عامين تحت وطأة تعثر الحوار بين حزب المؤتمر الشعبي الحاكم والمعارضة، وتحذيرات المعارضة من أن المؤتمر يتوجه إلى الانفراد بالانتخابات، محذرة من كارثة، ومهددة حزب صالح اللجوء إلى الشعب لمواجهة “طغيان” السلطة.

المشهد اليمني برمته كان مشتعلا، فحاولت القوى اليمنية المختلفة، قبل عامين من تلك الانتخابات، إصلاح الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية عبر جلسات حوار بين عامي 2007 و2011 سادها الشد والجذب، وتوصلت إلى اتفاقيات لم تنفذ؛ مما أدخل البلد في أزمات سياسية متكررة، واتهامات متبادل بين الفرقاء بشأن المسؤولية عن إجهاض الاتفاقات.

بعد كل تلك الحوارات وصل اليمن إلى طرق مسدود، وتأثر الشارع اليمني بما بات يُعرف بـ”ثورات الربيع العربية”، فانفجرت عام 2011 احتجاجات شعبية تطالب برحيل صالح، وتوصلت الأطراف السياسية إلى اتفاق “المبادرة الخليجية”، الذي سلم صالح بموجبه السلطة عام 2012 إلى نائبه حينها هادي، مقابل حصول صالح على حصانة من الملاحقة القضائية.

وهي حصانة يرى مراقبون أنها مكنت صالح لاحقا من الانقضاض على التسوية السياسية، عبر تحالفه مع الحوثيين، الذين استولوا، بدعم من وحدات عسكرية موالية له، على العاصمة في سبتمبر/ أيلول الماضي، قبل أن يتوسعوا شمالا وجنوبا.

حوار 2013 و2014:

جرى الإعداد لمؤتمر الحوار الوطني الشامل خلال فترة طويلة شهدت عدة عراقيل، إلا أنه، وبضغط دولي، بدأت أولى جلساته يوم 18 مارس/ آذار 2013، في صنعاء، واستمر عشرة أشهر حتى 25 يناير/ كانون الثاني 2014.

هذا المؤتمر ضم 565 عضوا، 50% منهم من مواطني المحافظات الجنوبية و30% نساء و20% من الشباب، جرى اختيارهم وترشيحهم من جميع الأطراف السياسية ومنظمات المجتمع المدني، وناقش المؤتمرون كل القضايا الشائكة.

وباختتام مؤتمر الحوار بنتائج ارتضاها الجميع للعديد من القضايا، تفاءل اليمنيون بقرب حل أزماتهم، لكن بدأ تصاعد عكسي للأحداث، قاد إلى زحف مسلحي الحوثي من معقلهم الرئيس بمحافظة صعدة (شمال) إلى صنعاء.

ومن مدينة إلى أخرى، بسط الحوثيون سيطرتهم، بدعم مما يقول منتقدون إنها الدولة العميقة لصالح والمسيطرة على عمق الجيش والقبيلة، إلى أن فوجئ اليمنيون بسيطرة الحوثيون على أهم الوزارات والمؤسسات السيادية.

وتحت تهديد السلاح، توصل الحوثيون مع قوى سياسية، وبمشاركة الرئيس هادي، إلى “اتفاق السلم والشراكة”.

وهو اتفاق فرض فيه الحوثيون شروطهم على الجميع، ثم لم يلتزموا بأحد أبرز بنوده، وهو الانسحاب من مؤسسات الدولة وخروج المليشيات من المدن.

وحاول الحوثيون إجبار رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء على تقديم مزيد من التنازلات، مما أدى إلى تقديمهما استقالتهما، لتتوسع المواجهات الدموية بين الحوثيين ووحدات عسكرية موالية لصالح وبين وحدات عسكرية تابعة لهادي.

في قراءة لهذه الحوارات وما آلت إليه منذ عام 1994، قال عبد السلام محمد، رئيس مركز أبعاد للدراسات والبحوث (غير حكومي)، إن “الحرب في اليمن هي الحاسمة”.

أما الحوار، وفقا لتقدير الباحث اليمني في حديث مع الأناضول، فإنه “يخفف من تكلفة الحرب لكنه لا يمنعها، ثم يفرض المنتصر شروطه ويتبعه الباقون، فأطراف الصراعات لا تتحاور من منطلق الحوار، وإنما تتحاور وعينها على الحرب”.

ومع خبرته بالحوارات السابقة، يترقب المواطن اليمني حوار جنيف بعد أيام، متخوفا من شبح قتال يحذر كثيرون من أنه سيكون الأطول، مالم تدرك القوي اليمنية، وخاصة الحوثيين ما ينزلق إليه اليمن، في ظل معارك دموية متواصلة وأزمة إنسانية طاحنة.

فخلال الشهرين الماضيين، منذ بدء غارات التحالف، أسفر النزاع اليمني عن 1037 قتيلا مدنيا ونصف مليون نازح و20 ألف لاجئ بحاجة إلى مساعدات عاجلة، بحسب المنظمة الدولية للهجرة ومفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، يوم الجمعة الماضي.

وبينما تقول الرياض إن هذه التحركات تأتي استجابة لطلب الرئيس هادي بالتدخل عسكريا لـ”حماية اليمن وشعبه من عدوان الميلشيات الحوثية”، يرى مراقبون أن ذلك التحالف يمثل حلقة جديدة في صراع بين إيران الشيعية، التي تدعم الحوثيين، والسعودية السنية، على النفوذ في المنطقة، على غرار ما يحدث في العراق وسوريا ولبنان.

واستضافت الرياض بين يومي 17 و19 من الشهر الجاري مؤتمرا للحوار اليمني، قاطعته جماعة “الحوثي”، ووقع المشاركون فيه على وثيقة أطلق عليها “إعلان الرياض” دعت الى “إنقاذ اليمن واستعادة مؤسسات الدولة، و”إنهاء عدوان قوى التمرد وإسقاط الانقلاب واستعادة الأسلحة وإخراج المليشيات من صنعاء ومدينة عدن (جنوب) وكافة المدن اليمنية، وعودة مؤسسات الدولة الشرعية إلى ممارسة مهامها من داخل الأراضي اليمنية”، بعد أن أجبرها زحف الحوثيين جنوبا على الانتقال إلى الجارة الشمالية، السعودية.

ويذهب مراقبون إلى أن الأطراف السياسية اليمنية لم تعد بحاجه إلى مؤتمرات حوار بقدر حاجتها إلى آليات تُلزم هؤلاء الفرقاء بتنفيذ مخرجات (نتائج) الحوارات، فاليمن يعيش أزمة ثقة، ويعاني من أطراف مراوغه تستغل الحوارات لترتيب أوراقها، ثم الانقضاض على أي مبادرات للتسوية السياسية.

وهو ما عبر عنه وزير الخارجية اليمني السابق، عبد الله الصايدي، بقوله إن مؤتمر جنيف، في حال عقده، هو “آخر ما ينتظر اليمنيون من حوار، فإذا فشل ستكون بعده حرب طويلة مختلفة عما يجري في سوريا والعراق وليبيا”.

الصايدي حذر، في تصريح لوكالة الأناضول، من أن “ما يجري في اليمن يعمد إلى إيجاد خلل في المنظومة الاجتماعية للنسيج اليمني المتعدد والمتنوع شمالا وجنوبا”.

على مستوى الشارع اليمني يسود عامة تشاؤم من جنيف، ناجم عن اعتقاد بأن مؤتمر “جنيف 1” (30 يونيو/ حزيران 2014) أدخل سوريا (التي تشهد ثورة على رئيس النظام بشار الأسد منذ مارس/ آذار 2011) في نفق مظلم.

ورغم الفترة القصيرة التي مرت على توليه منصبه يوم 25 أبريل/ نيسان الماضي، إلا أن المبعوث الأممي قام بجولة مكوكية في المنطقة، التقى خلالها بالحوثيين، وجناح صالح في حزب المؤتمر الشعبي العام، والرئيس هادي، ونائبه خالد بحاح، والأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربي، عبد اللطيف الزياني، ووزير الخارجية المصري، سامح شكري، وأحمد بن حلي، نائب الأمين العام لجامعة الدول العربية، وأخيرا وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف.

وهي تحركات يبدو عليها قلق مفرط، لكون ولد الشيخ أحمد يدرك قصر الفترة الزمنية، وهو ما عكسه تصريحه بأنه “لا يوجد لدينا رفاهية الوقت”، وصعوبة الأوضاع الإنسانية باليمن، ورغبته في النجاح في مهمة فشل فيها سلفه، المغربي جمال بن عمر، وهي استكمال المرحلة الانتقالية عبر التسوية السياسية، إضافة إلى قراءته لتاريخ مؤتمرات الحوارات في اليمن، والتي عادة ما تنتهي بمواجهات دموية في واحدة من أفقر دول العالم.

ففي تاريخ اليمن، حيث يعيش حوالي 26 مليون نسمة، شواهد عديدة على انفجار الأوضاع بعد إجراء حوارات بين الفرقاء لحل أزمات، وكأن الحوار في اليمن ما هو إلا استراحة محارب.

فخلال العقدين الماضيين، شهد اليمن عددا من مؤتمرات الحوار خاضتها القوى السياسية باءت بتصعيد مسلح بين الفرقاء، بحسب رصد مراسل وكالة الأناضول لأبرز محطات الحوار.

حوار 1994:

بعد أربع سنوات من قيام الوحدة اليمنية في مايو/ أيار 1990، جرى التوقيع في الأردن يوم 20 فبراير/شباط 1994، على “وثيقة العهد والاتفاق”، لتسوية الأزمة السياسية بين الرئيس اليمني آنذاك علي عبد الله صالح ونائبه علي سالم البيض، وتقضي بتحقيق جزء من مطالب الجنوبيين فيما يتعلق باللامركزية الإدارية (عن العاصمة صنعاء)، وإنشاء مجلس استشاري ووضع ترتيبات لدمج القوات المسلحة، فعندما قامت الوحدة لم تُدمج القوات المسلحة ولا المعسكرات، فظلت قيادات الجيش في الشمال تسيطر على قواتها ومعسكراتها، وقيادات الجيش في الجنوب تسيطر على قواتها ومعسكراتها.

لكن سرعان ما تطورت الأحداث إلى حرب دامت قرابة ستة وستين يوما في مايو/ أيار ويوليو/ تموز 1994، عُرفت بـ”حرب الانفصال”، وهي حرب أهلية بين الحكومة وبين ما سمي بـ”جمهورية اليمن الديمقراطية”، التي أعلنها علي سالم البيض.

وبمساعدة قادة من الجيش المحسوب على الجنوب، تمكن صالح من حسم الحرب لصالحه، وهرب قادة الانفصال خارج البلد، بعد سقوط آلاف القتلى بين مدنيين وعسكريين، بحسب تقديرات حكومية متفاوتة جرى إعلانها آنذاك.

حوار 2011:

في عام 2006 أجريت أول انتخابات رئاسية في اليمن، وسادها تنافس حقيقي، حيث انفرط التحالف التاريخي بين صالح وحزب “التجمع اليمني للإصلاح” (إسلاميون)، وخرج حزب الإصلاح ومعه بقية أحزاب “اللقاء المشترك” (تحالف لأحزاب المعارضة الرئيسية) بمرشح (فيصل بن شملان) تمكن من إحراج القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية التي يمتلكها صالح وأسرته وحزبه.

هذه الانتخابات شكلت مرحلة جديدة من الصراع السياسي، وعمل صالح على إشغال حزب الإصلاح بحرب غير مباشرة مع تمدد الحوثيين عسكريا في مناطق نفوذ للحزب، حيث يرى مراقبون أن صالح كان حريصا على عدم القضاء على الحوثيين، رغم ما توفر له من فرص لدحر تمردهم.

وأسس حسين بدر الحوثي جماعة “أنصار الله” عام 1992، وبعد 12 عاما قتلته القوات الحكومية، ليشهد اليمن، تحت حكم صالح، ستة حروب بين عامي 2004 و2010 بين جماعة الحوثي والقوات الحكومية، خلفت آلاف القتلى من الجانبين.

كما اندلعت انتفاضة في الجنوب عبر تشكيلات الحراك الجنوبي السلمي المطالب بحق تقرير المصير.

كل ذلك تطلب عقد جلسات حوار ومفاوضات بين القوى السياسية، لاسيما وأن صالح، بحسب المعارضة، كان يسعى إلى تعديل الدستور لضمان استمراره في الحكم ثم توريث الرئاسة لنجله أحمد.

ثم جاءت أزمة الانتخابات البرلمانية عام 2009 وتم الاتفاق على تأجيلها لمدة عامين تحت وطأة تعثر الحوار بين حزب المؤتمر الشعبي الحاكم والمعارضة، وتحذيرات المعارضة من أن المؤتمر يتوجه إلى الانفراد بالانتخابات، محذرة من كارثة، ومهددة حزب صالح اللجوء إلى الشعب لمواجهة “طغيان” السلطة.

المشهد اليمني برمته كان مشتعلا، فحاولت القوى اليمنية المختلفة، قبل عامين من تلك الانتخابات، إصلاح الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية عبر جلسات حوار بين عامي 2007 و2011 سادها الشد والجذب، وتوصلت إلى اتفاقيات لم تنفذ؛ مما أدخل البلد في أزمات سياسية متكررة، واتهامات متبادل بين الفرقاء بشأن المسؤولية عن إجهاض الاتفاقات.

بعد كل تلك الحوارات وصل اليمن إلى طرق مسدود، وتأثر الشارع اليمني بما بات يُعرف بـ”ثورات الربيع العربية”، فانفجرت عام 2011 احتجاجات شعبية تطالب برحيل صالح، وتوصلت الأطراف السياسية إلى اتفاق “المبادرة الخليجية”، الذي سلم صالح بموجبه السلطة عام 2012 إلى نائبه حينها هادي، مقابل حصول صالح على حصانة من الملاحقة القضائية.

وهي حصانة يرى مراقبون أنها مكنت صالح لاحقا من الانقضاض على التسوية السياسية، عبر تحالفه مع الحوثيين، الذين استولوا، بدعم من وحدات عسكرية موالية له، على العاصمة في سبتمبر/ أيلول الماضي، قبل أن يتوسعوا شمالا وجنوبا.

حوار 2013 و2014:

جرى الإعداد لمؤتمر الحوار الوطني الشامل خلال فترة طويلة شهدت عدة عراقيل، إلا أنه، وبضغط دولي، بدأت أولى جلساته يوم 18 مارس/ آذار 2013، في صنعاء، واستمر عشرة أشهر حتى 25 يناير/ كانون الثاني 2014.

هذا المؤتمر ضم 565 عضوا، 50% منهم من مواطني المحافظات الجنوبية و30% نساء و20% من الشباب، جرى اختيارهم وترشيحهم من جميع الأطراف السياسية ومنظمات المجتمع المدني، وناقش المؤتمرون كل القضايا الشائكة.

وباختتام مؤتمر الحوار بنتائج ارتضاها الجميع للعديد من القضايا، تفاءل اليمنيون بقرب حل أزماتهم، لكن بدأ تصاعد عكسي للأحداث، قاد إلى زحف مسلحي الحوثي من معقلهم الرئيس بمحافظة صعدة (شمال) إلى صنعاء.

ومن مدينة إلى أخرى، بسط الحوثيون سيطرتهم، بدعم مما يقول منتقدون إنها الدولة العميقة لصالح والمسيطرة على عمق الجيش والقبيلة، إلى أن فوجئ اليمنيون بسيطرة الحوثيون على أهم الوزارات والمؤسسات السيادية.

وتحت تهديد السلاح، توصل الحوثيون مع قوى سياسية، وبمشاركة الرئيس هادي، إلى “اتفاق السلم والشراكة”.

وهو اتفاق فرض فيه الحوثيون شروطهم على الجميع، ثم لم يلتزموا بأحد أبرز بنوده، وهو الانسحاب من مؤسسات الدولة وخروج المليشيات من المدن.

وحاول الحوثيون إجبار رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء على تقديم مزيد من التنازلات، مما أدى إلى تقديمهما استقالتهما، لتتوسع المواجهات الدموية بين الحوثيين ووحدات عسكرية موالية لصالح وبين وحدات عسكرية تابعة لهادي.

في قراءة لهذه الحوارات وما آلت إليه منذ عام 1994، قال عبد السلام محمد، رئيس مركز أبعاد للدراسات والبحوث (غير حكومي)، إن “الحرب في اليمن هي الحاسمة”.

أما الحوار، وفقا لتقدير الباحث اليمني في حديث مع الأناضول، فإنه “يخفف من تكلفة الحرب لكنه لا يمنعها، ثم يفرض المنتصر شروطه ويتبعه الباقون، فأطراف الصراعات لا تتحاور من منطلق الحوار، وإنما تتحاور وعينها على الحرب”.

ومع خبرته بالحوارات السابقة، يترقب المواطن اليمني حوار جنيف بعد أيام، متخوفا من شبح قتال يحذر كثيرون من أنه سيكون الأطول، مالم تدرك القوي اليمنية، وخاصة الحوثيين ما ينزلق إليه اليمن، في ظل معارك دموية متواصلة وأزمة إنسانية طاحنة.

فخلال الشهرين الماضيين، منذ بدء غارات التحالف، أسفر النزاع اليمني عن 1037 قتيلا مدنيا ونصف مليون نازح و20 ألف لاجئ بحاجة إلى مساعدات عاجلة، بحسب المنظمة الدولية للهجرة ومفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، يوم الجمعة الماضي.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع