زيارات الرئيس الموريتاني للمناطق الداخلية ”توقظ“ العصبية القبلية‎

زيارات الرئيس الموريتاني للمناطق الداخلية ”توقظ“ العصبية القبلية‎

 نواكشوط ـ تُظهر الزيارات الأخيرة للرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز لمناطق ومدن داخلية من البلاد مدي حضور وتصدر البعد القبلي والعشائري في الشأن السياسي في المدن الداخلية من البلاد، وكذلك مدى استغلال وتوظيف السلطة لهذا البعد في الحشد الشعبي لاستقبال الرئيس كتعبير عن الالتفاف حول برنامجه السياسي.

ونقلت وسائل الإعلام في البلاد، مئات المبادرات القبلية الداعمة لاستقبال الرئيس والمحتفية بمقدمه والمُعبرة عن وقوف القبيلة خلفه ودعمها المطلق له، وفق ذات المصادر.

ومع أن الرئيس الموريتاني أقر بوجود هذه الظاهرة، في مؤتمر صحفي سابق، إلا أنه اعتبر أنه ”ليس بمقدوره الوقوف في وجه ما يقوم به الناس، مع أنه لم يطلب منهم ذلك“، حسب قوله.

القبائل بعمومها اعتادت على دعم الأنظمة السياسية في البلاد، إلا أنه أحيانا لا تلتزم بعض الشخصيات أو المجموعات بهذا الموقف، وتعتبر خارجة على القبيلة من الناحية السياسية.

وتُفسر ظاهرة ”الاصطفاف“  القبلي في الداخل ضعف الولاء الحزبي السياسي من جهة، كما أنها تؤكد من جهة أخري عدم ترسخ مفهوم دولة المواطنة في هذه المناطق، حسب محمد فال ولد أعمر، أستاذ القانون الدستوري بجامعة نواكشوط.

وأضاف ولد أعمر، لوكالة الأناضول، أن القبيلة استطاعت منذ بروز الدولة الاحتفاظ بمكانتها الاجتماعية واستطاعت لاحقا تحقيق مكانة سياسية ”مرموقة“، لأن القبيلة في موريتانيا هي اليوم بوابة ولوج المناصب والوظائف الرسمية الهامة إذ يتولى شيوخ القبائل مهمة تزكية واقتراح من يحق لهم التعيين والتوظيف لدي السلطات من أبناء القبيلة.

ويُفسر ”الاستعراض القبلي والتنافس بين المجموعات القبلية“ في محطات الزيارة بحرص كل قبيلة على التعبير عن ذاتها ومحاولة إظهار قوتها وشعبيتها.

ورأى ولد أعمر أن ما يجري في هذه الزيارات ”يضر“ بالنسيج الاجتماعي الوطني ويُقوض جهود إرساء دولة المواطنة، ويُغذي بشكل غير مباشر الحراك الشرائحي المتمرد على القبيلة والذي يعتبرها ساهمت في استمرار تهميشه من خلال نظامها الطبقي.

وتعيش موريتانيا حراكا شرائحيا قويا على مدار السنوات الأخيرة، حيث تطالب كل من شريحتي ”لحراطين“ (الأرقاء السابقين) و“لمعلمين“ (الصناع التقليدين) بمنحهم مكانة معتبرة في الحياة العامة.

ولا توجد إحصائيات رسمية عن أهم القبائل من الناحية العددية، حيث أن كل قبيلة لها انتشار في مناطق جغرافية محددة، ولا توجد قبيلة معينة تحظى بانتشار على عموم التراب الوطني.

لكن يبقى تأثير الحضور القبلي قاصرا فقط على المناطق الداخلية من البلاد، وفي الأرياف والقري النائية.

من جهته رأى محمد أحيد ولد السالك، الباحث الاجتماعي، أن استمرار التمسك بالإطار القبلي في موريتانيا يعود في الأساس للأدوار الاجتماعية التي تلعبها القبيلة بما توفره لأفرادها من تكافل وتآزر وما تحقق لهم من امتيازات في المجتمع، مشيرا إلى أنه حتى ومع وجود الدولة حاليا فإن القبائل تمتلك في بعض المناطق إقطاعها الخاص الذي يحق لكل فرد من أفرادها حق الانتفاع به والاستفادة منها دون غيرها من أبناء القبائل الأخرى.

وأشار إلى أن النظام السياسي الذي حكم البلاد منذ استقلالها عن فرنسا سنة 1960، لم يستطع تجاهل النظام القبلي ولم يدخل معه في صدام نظرا لاستقرار بنية الاجتماعية وتماسكها، حيث تعامل مع القبيلة بشكل واعي مما جعل شيوخ القبائل يفرضون أنفسهم على الدولة الناشئة.

وشيخ القبيلة يتولى المنصب بالتوريث، حيث يشترط فيه أن يكون أن يكون نجل شيخ قبلي أو أن ينتمي لأسرة الزعامة القبلية، وشيخ القبيلة له قوة تأثير كبيرة خاصة في المناطق الداخلية من البلاد، حيث يمكن أن يوجه أفراد قبيلته لخيار سياسي معين، كما أن بإمكانه توظيف أبناء القبيلة بالسلطة.

ويُشير ولد السالك إلى أن ”تخلخل“ النظام القبلي حدث بالفعل في بعض المدن العمالية مثل ”نواذيبو“ و“ازويرات“ بسبب عدة عوامل كالاختلاط الذي أحدثه تدفق الهجرات إليها مما ولد ضعفا في الحمية القبيلة، وخلفت تراجعا في التعصب لها.

غير أن ولد السالك رأى أن غالبية المدن والمناطق الداخلية ظلت تحافظ على نفس توازناتها القبلية والعشائرية، الأمر الذي جعلها ”مستعصية“ على التكيف مع نظام المدينة الذي  يفرض الخروج عن النسق الاجتماعي القديم.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com