عدن بعد ”العاصفة“.. إن سَلِمتَ من القناصة فاحذر الجوع والدمار والحصار

عدن بعد ”العاصفة“.. إن سَلِمتَ من القناصة فاحذر الجوع والدمار والحصار

عدن (اليمن)- يأمل سكان محافظة عدن الساحلية، جنوبي اليمن، أن يشكل قرار تحالف ”عاصفة الحزم“ بوقف العمليات في بلدهم، والبدء في المرحلة الأخرى المسماة ”إعادة الأمل“ انفراجة حقيقية لمعاناة ما يقارب المليون نسمة يسكنون في مدن ومناطق القلعة الجنوبية.

وأمس الأول الثلاثاء، أعلنت دول التحالف المشاركة في عملية ”عاصفة الحزم“ انتهاء العملية بعد 27 يوماً من انطلاقها، وبدء مرحلة ”إعادة الأمل“، بدءا من أمس الأربعاء، التي قالت إن من أهدافها شق سياسي متعلق باستئناف العملية السياسية في اليمن، إلى جانب التصدي للتحركات والعمليات العسكرية لجماعة الحوثي وعدم تمكينها من استخدام الأسلحة.

وشكلت عدن، على مدار الشهرين الماضيين، جبهة مهمة في القتال الدائر بين الحوثيين والموالين للرئيس عبد ربه منصور هادي، خاصة بعد أن اتخذها الأخير مقراً له وأعلنها عاصمة مؤقتة، في أعقاب تمكنه من الفرار من قبضة الحوثيين في صنعاء، يوم 21 فبراير/شباط الماضي، قبل أن يغادرها إلى العاصمة الرياض لاحقاً، إثر اشتداد المعارك.

وجولة في عدد من مدن وشوارع عدن، تجعلك تدرك أن الصمت لا يدوم طويلاً في عدد من مدن هذه المحافظة، فأصوات القذائف ورشقات الرصاص تُسمع في كل حين.

وصور المأساة باتت جلية في كل مكان من هذه المحافظة التي تتعرض منذ ما يقارب الشهر لحربٍ ضروس بين مسلحي جماعة ”الحوثي“ وقوات الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح من جهة، والمقاومة الشعبية وقوات موالية للرئيس عبدربه منصور هادي من جهة أخرى.

ولعل مشاهد الألم التي تعم شوارعها، وصور الدمار التي طالت مبانيها، وروائح الموت المنبعثة من أركانها، تنطق اليوم بفصيح أحزان المحافظة.

لم يكن القتل، والدمار، وسفك الدماء، ما يشغل سكان عدن حالياً أكثر من الكارثة الإنسانية الوشيكة المحتمل حدوثها، حال استمرار المواجهات، والتي عصفت بحياة الناس وجعلت العيش فيها جحيماً لا يطاق، ويزداد خطره مع مرور الأيام، وتكبر مساحة التوجس منه كلما طال أمد المعركة، تزامناً مع نقص حاد في المواد الغذائية والاستهلاكية، وصعوبة الحصول على ما تيسر منها، فضلاً عن النقص الكبير في الأدوية والمستلزمات الطبية والانقطاعات التامة للكهرباء والمياه لساعات طويلة.

وعن هذه الصور والمشاهد، والأوضاع، التقت الأناضول بعدد من سكان عدن، للإطلاع منهم أكثر على ما يعيشونه.

وقالت وردة بن سميط، رئيس مؤسسة ”عدالة للحقوق والحريات“ (مستقلة): ”ما يحصل في عدن من قتل، وتنكيل، ودمار، وتجويع، وحصار، أمر لا يقبله عقل لا يقره دين ، فإلى جانب صور الرعب التي يعيشها سكان المدينة (التي تحمل اسم المحافظة نفسه)، والقصف العشوائي من قبل مليشيات الحوثي والرئيس المخلوع، هناك أيضاً توجس وقلق كبير من الكارثة الإنسانية المحتملة نتيجة نقص المواد الضرورية كالغذاء والأدوية، والكهرباء، والمياه، إلى جانب منع فرق الإغاثة من القيام بعملها، واستهداف سيارات الإسعاف، ومنع دخول الدواء إلى المستشفيات في المحافظة، وبعض المجمعات الصحية الصغيرة في مديريتي المعلا والتواهي“.

وفي هذا الصدد، وجهت سميط، مناشدة عاجلة إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدولي، وهيئات الهلال الأحمر، والمنظمات الإنسانية والحقوقية الأخرى بـ“سرعة تقديم المساعدات الإنسانية والطبية لآلاف الأسر المحاصرة في منازلها أو تلك التي هُدمت منازلها“.

من جهتها، دعت المحامية سحر محمد عبدالله، المنظمات الحقوقية داخل اليمن وخارجها لتقديم ملف إلى محكمة العدل الدولية، والتوجيه بسرعة القبض على صالح ورموزه، وتقديمهم جميعاً للمحاكمة نظير ما اقترفوه من جرائم في حق الإنسانية خاصة في مدينة عدن المسالمة“.

ورأت عبد الله أن ”أية تسوية سياسية تستثني محاكمة صالح ورموزه إنما هي عبث واستهتار بأرواح المئات من الأبرياء في عدن، والدمار والخراب الذي طال شوارعها وأركانها“.

وفي حديثها عن الوضع في عدن، كبرى مدن الجنوب، قالت المحامية عبد الله: “ المدينة تعيش أوضاعاً إنسانية صعبة، جراء ما تقوم به ميلشيات صالح والحوثي من قصف هستيري على أحيائها السكنية، إلى جانب الانقطاع الكامل للخدمات الحياتية للمواطنين كالكهرباء، والماء، وشبكة الاتصالات، ومحطات الوقود والتموين الغذائي، بالإضافة إلى الحصار الذي تفرضه هذه المليشيات على مداخل المدينة ومنع وصول الأدوية والمستلزمات الطبية لمعالجة الجرحى والمصابين“.

وأضافت: ”نحن في كل مدن محافظة عدن نشعر وكأننا تحت الإقامة الجبرية، لا نستطيع النزول للشوارع بسبب القناصة المنتشرة في أماكن مختلفة والتي لم يسلم منها حتى الأطفال والنساء وعمال الإغاثة“.

وتابعت: ”إجمالاً أصبح المواطن في عدن في حالة مزرية جدا فهو ينام ولا يعلم هل سيفيق من نومه، أم أنه سيُدفن تحت سقف منزله، وإن أفاق لا يدري هل سيكمل يومه أم أن رصاصة ستخطف روحه وهو في بلكونة منزله أو وهو يبحث عن شربة ماء تروي عطش أطفاله“.

نزار أنور، شاب متطوع  في أعمال الإغاثة، قال إن عدن ”تعيش وضعاً إنسانياً أقل ما يمكن أن نصفه بأنه كارثي، فهناك نقص كبير في المواد الغذائية والطبية والأدوية الضرورية لمرضى السكر، والقلب، والضغط، وكذلك الاحتياجات اللازمة للأطفال الرضع كالحليب وغيره، فضلاً عن الانقطاعات الطويلة والمستمرة للكهرباء وتموينات المياه“.

نزار تحدث أيضاً عن أفران الخبز ”المغلقة“ والطوابير الطويلة التي تقف أمامها، وعن محطات الغاز ”المتوقفة“، والمستشفيات ”المليئة“ بالجرحى والمصابين، و“العاملة“ بجهود ذاتية.

محمد عبدالله علي، أخصائي جراحة عامة، يعمل في مجمع المعلا الطبي، قال: ”نستقبل في اليوم الواحد ما بين 20 إلى 30 حالة مصابة، فضلاً عن المتوفين في المعارك والذين لا تستطيع ثلاجة الموتى من استيعابهم، الأمر الذي يدفعنا لتركهم في العراء لساعات طويلة، وعدم القدرة للذهاب بهم إلى المقبرة بسبب أعمال القنص التي نصبتها المليشيات في أماكن مختلفة من مديرية المعلا“.

وأضاف: ”نعمل في أجواء محبطة، ونقوم بواجبنا في إسعاف المصابين، ونقوم بالتدخلات الجراحية في ظل ظروف أقل ما يقال عنها بأنها مزرية، نخاطر أحيانا من خلال القيام ببعض العمليات الجراحية في أماكن غير مهيأة البتة وسط حصار خانق على المستلزمات الطبية ونقص كامل في الأدوية والمعدات التي نحتاجها في مثل هكذا ظروف“.

والأكثر إيلاماً بالنسبة لمحمد هو خشيته ”من توقف كل شيء خلال الأيام القليلة القادمة“ بعد نفاذ كل ما يمكنهم الاعتماد عليه في عملهم.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com