عدن.. ورقة تفاوض يتعلق بها الحوثي وصالح‎

عدن.. ورقة تفاوض يتعلق بها الحوثي وصالح‎

القاهرة- رغم الغارات المكثفة لطيران تحالف ”عاصفة الحزم“، ومقاومة ”اللجان الشعبية“، إلا أن تحالف جماعة ”أنصار الله“ (الحوثي) والميلشيات الموالية للرئيس اليمني السابق، علي عبد الله صالح، يصرون على محاولة السيطرة على مدينة عدن جنوبي اليمن.

هذا القتال الدموي بين التحالفين على عدن، يرجعه خبيران يمنيان، إلى أهمية موقع المدينة الجغرافي؛ ما يجعها ورقة تفاوض بالغة الأهمية بيد من يسيطر على ”مفتاح المحافظات الجنوبية“.

ويقول الخبير الاستراتيجي والعسكري اليمني، العميد المتقاعد بالجيش، حسن خصروف: ”لعدن أهمية غير عادية بالنسبة لطرفي النزاع في اليمن بفضل موقعها الجغرافي، حيث تضم ميناء عدن المهم، وقريبة من مضيق باب المندب، ذي الأهمية البحرية العالمية (على بعد 150 كم غرب المدينة)، وهو ما يفسر قتال الطرفين على عدن، فالمسيطر عليها يمكنه التحكم في المضيق“.

ولكونه البوابة الجنوبية لقناة السويس العالمية (ممر ملاحي شمالي شرقي مصر)، فإن أي تأثير سلبي على الملاحة في مضيق باب المندب يُضر بالملاحة في القناة، حيث اكتسب المضيق، وهو ممر مائي واصل بين البحر الأحمر وخليج عدن ومن ثم المحيط الهندي، أهميته بعد حفر قناة السويس، وهي أقصر طريق ملاحي في العالم بين الشمال والجنوب، ويمر عبرها نحو 12% من حجم التجارة العالمية.

خصروف يمضي قائلا، إن ”عدن حتى آخر وقت، تظل ورقة تفاوض ثمينة في أي عملية سياسية قادمة، والطرفان يعلمان ذلك جيدا، فبها ميناء مهم للغاية“.

لكن ثمة ما يحذر منه الخبير العسكري اليمني بقوله إن ”الطرفان يتجاهلان أنه يجب حسم القتال سريعا؛ فعدن لا تحتمل أن تكون مدينة حرب، فبجانب أنها مدينة ذات أهمية جغرافية واقتصادية، فهي مدينة علم وفن وثقافة وشعر، وعلى مدار تاريخها استطاعت استيعاب جميع الأديان والقبائل والعشائر، فالذي يدخلها هو مدني بامتياز“.

متفقا مع خصروف على محورية عدن في القتال بين التحالفين، يقول العميد صالح الأصبحي، الخبير العسكري والباحث في مركز الدراسات العسكرية التابع لوزارة الدفاع اليمنية، إن ”عدن تستمد أهميتها من الناحية الجغرافية، حيث تمتد من الساحل المطل على باب المندب حتى خليج عدن، وتضم أحد أهم الموانئ التجارية في العالم، ومنطقة تجارة حرة إقليمية ودولية“.

ويشير إلى أن ”الفترة الذهبية لعدن كانت تحت الحكم البريطاني بين عامي 1839-1967، حيث كان ميناء عدن يكتسب في تلك الفترة أهمية كبرى، لاسيما بعد افتتاح قناة السويس عام 1869، وربط البحرين الأبيض والأحمر؛ ما جعله أحد أهم ممرات النقل المائية بين قارتي آسيا وأوروبا“.

وفي عام 1973، تم إغلاق مضيق باب المندب ضمن حصار بحري نفذته القوات البحرية المصرية على إسرائيل خلال حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973، وحينها استيقظ العالم على أهمية عدن باعتبارها المدينة المطلة على باب المندب، وبدأت دول العالم الفاعلة تولي أهمية لإنشاء موانئ وقواعد عسكرية قرب المضيق.

وخلال السنوات القليلة الماضية، بحسب الأصبحي، ”من يحكم السيطرة على عدن يمكنه السيطرة على المحافظات الجنوبية، التي تطل على البحر(عدن، شبوة، حضرموت، المهرة، وسقطرى)؛ لذا نرى التسابق بين الطرفين للسيطرة على المدينة المكونة من 8 مديريات، يسيطر على 90% منها السكان المحليون والمقاومة الشعبية (مسلحون موالون للرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي)، فيما يسيطر الحوثيون على المساحة المتبقة“، على حد تقديره.

ويذهب إلى أن تواجد الحوثيين في عدن لا يتجاوز التواجد في الشريط الساحلي الممتد من زاوية مطار عدن على ساحل خليج عدن وحتى أحد الفنادق الكبرى، وهو ما يقدر بنحو 2 كيلو متر فقط“.

ومن الأهمية الجغرافية لعدن تنبع أهمية عسكرية يرصدها الأصبحي بقوله إن ”طبيعة اليمن من الناحية العسكرية مقسمة إلى ثلاثة أقسام، هي الشريط الساحلي، والعمق الصحراوي، والعمق الجبلي، ولا يمكن حدوث أي إنزال بري (من قبل التحالف) في الصحراء ولا الجبل، إلا بعد السيطرة على عدن“.

فعدن، وفقا للخبير العسكري اليمني، ”مدينة ساحلية تربطها طرق ببقية المحافظات، وكذلك العمق الجبلي، ومن ثم فإن من يسيطر عليها يستطيع الاقتحام بريا في اتجاه تلك المحافظات، باستخدام الأسلحة الثقيلة التي تأتيه عن طريق البحر، وهذا يفسر سر المعارك الدائرة حول عدن“.

تلك الأهمية تدفع محمود الطاهر، وهو خبير سياسي وإعلامي يمني مقيم في القاهرة، إلى رسم سيناريوهين، أولهما في حال سيطرة تحالف ”عاصفة الحزم“ على عدن، والأخير في حال سيطر تحالف الحوثي – صالح.

ففي السيناريو الأول، بحسب الطاهر، ”سيجد تحالف الحوثي – صالح نفسه مضطرا إلى إنهاء الحرب بأقل خسائر ممكنة، حتى يتمكن من السعي فيما بعد إلى زعزعة المنطقة من خلال محاولات لزرع ثورات داخل المملكة السعودية، وخاصة في المنطقة الشرقية (حيث يتمركز أغلب الشيعة السعوديين)“.

ويتهم الشيعة السلطات السعودية بممارسة التهميش بحقهم في الوظائف الإدارية والعسكرية، وخصوصا في المراتب العليا، وهو ما تنفي الرياض صحته.
أما السيناريو الثاني، وهو المستبعد بحسب الطاهر، فهو ”أن يسيطر تحالف الحوثيين – صالح على عدن، ووقتها ستستمر الحرب لمدة عام أو عامين (أملا من تحالف عاصفة الحزم في استعادة زمام الأمور)، وسيكون أمام الحوثي خياران، إما التفاوض من وضع المنتصر مع الرئيس هادي، على أمل أن يكتسبوا اعترافا دوليا ، أو الاستمرار في الحرب دون تفاوض، سعياً إلى تحقيق حلم الانتقال إلى المملكة السعودية وإثارة القلاقل“.

وبحسب مراقبين، تدعم إيران جماعة الحوثي، التي تتبع المذهب الزيدي الشيعي، ضمن صراع بين إيران الشيعية والسعودية السنية على النفوذ في عدة دول عربية أبرزها إلى جانب اليمن كل من العراق وسوريا ولبنان.

لكن وفقا لعضو المكتب السياسي لجماعة الحوثي، محمد البخيتي، فإن ”الجماعة ما تزال تحقق تقدما في عدن، بمساندة المقاومة الشعبية، عدا مدينة البريقة، التي تضم عناصر من تنظيمي القاعدة وداعش“.

البخيتي يمضي قائلا، إن ”انطلاق عملية عاصفة الحزم العسكرية (فجر 26 مارس/ آذار الماضي) تسبب في توسيع رقعة الصراع في عدن، لكن هذا لا يعني أن الحوثيين سيسمحون لأي طرف بالسيطرة على المدينة“.

وفي فبراير/ شباط الماضي، هرب هادي (جنوبي) من العاصمة صنعاء، حيث فرض عليه الحوثيون إقامة جبرية في أعقاب سيطرتهم عليها في سبتمبر/ أيلول الماضي، إلى مدينة عدن، حيث أعلن تمسكه بالرئاسة بوصف ”الرئيس الشرعي لليمن“.

وعن إصرارهم على اقتحام عدن، يجيب القيادي الحوثي: ”ندرك أهمية عدن، وحساسية الوضع في المحافظات الجنوبية، ولم نكن لندخل عدن، لولا أن هادي استخدمها كورقة لمواجهتنا عندما انتقل إليها، وأعلنها عاصمة مؤقتا، واعتبر في المقابل صنعاء عاصمة محتلة.. كنا وقتها مضطرين لمواجهة هذا التحدي، فذهبنا إلى هناك.. لعدن أهمية خاصة، ولن نسمح لأي طرف خارجي أن يكون له موطئ قدم بها، أو أن يستخدمها كنقطة انطلاق لغزو أو احتلال اليمن“.

وقبيل ساعات من انطلاق غارات ”عاصفة الحزم“، فجر 26 مارس/ آذار الماضي، ضيقت قوات موالية لصالح ومسلحون حوثيون الخناق على عدن، مقر الإقامة المؤقت للرئيس هادي، وسط ترقب لسقوط وشيك للمدينة، غير أن عدن لم تسقط، بفضل غارات التحالف، التي تقول الرياض إنها تأتي استجابة لطلب الرئيس هادي بالتدخل عسكرياً لحماية اليمن وشعبه من عدوان الميليشيات الحوثية.

على الجانب الآخر، تدرك السلطات اليمنية جيدا أهمية عدن، وهو ما برز قبل أيام في تصريحات لخالد بحاح، نائب الرئيس اليمني، إذ اشترط في مؤتمر صحفي من العاصمة السعودية الرياض وقف القتال في اليمن، ولاسيما في محافظة عدن، قبل الحديث عن أية مبادرات لحل الأزمة.

بحاح، الذي وصف هذه المحافظة الجنوبية بأنها ”مفتاح الحل والسلام“ في بلاده، قال إن ”الحوثيين جزء من النسيج الاجتماعي باليمن، ونرحب بكل من يرمي السلاح منهم، ويتحول إلى مكون سياسي“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة