4 ألغام تعترض طريق الحل الليبي

4 ألغام تعترض طريق الحل الليبي

طرابلس – في مشهد ليبي معقد سياسيا وعسكريا، يبدو أنه بات واضحا أن خيار الحسم العسكري لطرف على حساب الآخر صار شبه مستحيل، وأن البحث عن حل للأزمة عبر الحوار أصبح هو خيار طرفي الصراع في الشرق والغرب، لكن ثمة عدة ألغام على طريق الحل كل منها كفيل بنسف عملية التفاوض في البلد العربي الغني بالنفط.

ومنذ الإطاحة بنظام العقيد معمر القذافي (1969 – 2011)، بعد أكثر من أربعين عاما في الحكم، تحت وطأة ثورة شعبية حملت السلاح بدعم عسكري دولي عام 2011، انزلقت ليبيا إلى فوضى سياسية وأمنية، حصدت أرواح الكثير من الليبيين، ودمرت جانبا كبيرا من البنية التحتية، وأهدرت ثروات طبيعية.

الفوضى بلغت حد وجود حكومتين تتصارعان على السلطة، إحداهما هي الحكومة المؤقتة، المنبثقة عن مجلس النواب، الذي ينعقد بمدينة طبرق (شرق)، والمعترف بها دولياً، ومقرها مدينة البيضاء (شرق)، والأخرى هي حكومة الإنقاذ، المنبثقة عن المؤتمر الوطني العام ومقرها العاصمة طرابلس (الغرب).

ومنذ الإطاحة بالقذافي، والأمم المتحدة حاضرة عبر بعثتها في ليبيا، لدعم جهود الليبيين في بناء مؤسسات حكومية ضمن المرحلة الانتقالية. وهي جهود قادها على التوالي ثلاثة مبعوثين أمميين، هم الإنجليزي ايان مارتن (ديسمبر/ كانون الأول 2011 – أكتوبر/ تشرين الأول 2012)، ثم اللبناني طارق متري (أكتوبر/ تشرين الأول  2012 – أغسطس/ أب 2014)، وحاليا الإسباني برناردينو ليون، بداية من أغسطس/ أب الماضي.

ومع متري بدأت المساع الأممية لجمع فريقي الصراع على طاولة الحوار؛ إثر تعقد المشهد الليبي، لكن حزب ”تحالف القوى الوطنية“ (ليبرالي بقيادة محمود جبريل) رفض الحوار، معتبرا إياه ”محاولة لإنقاذ الطرف الخاسر في انتخابات مجلس النواب“.

وبعيد انتخابات مجلس النواب، التي أجريت يوم 25 يونيو/ حزيران 2014، حدث تقارب بين المجلس وقائد ما تسمى بـ“عملية الكرامة“، اللواء آنذاك خليفة حفتر، وموالين له من كتائب الزنتان المسلحة، وهي عملية استهدفت ”كتائب الثوار“ و“تنظيم أنصار الشريعة“، الذين يحملهم حفتر مسؤولية تردي الوضع الأمني بمدينة بنغازي وسلسة اغتيالات طالت أفراد بالجيش والشرطة ونشطاء وإعلاميين، وهو ما تنفي تلك الكتائب صحته.

ردا على تلك العملية، انطلقت عملية ”فجر ليبيا“، وتضم ”فصائل ومسلحي الثوار“، بسبب شعورهم بمساع من قبل حفتر لـ“الانقلاب“ على ثورة فبراير/ شباط 2011، التي أطاحت بالقذافي.

وإثر 45 يوما من القتال، سيطرت ”فجر ليبيا“ على العاصمة، ما أفرز مشهدا سياسيا منقسما، إذ غادر رئيس الحكومة، عبد الله الثني، إلى البيضاء، وقرر المؤتمر الوطني العام (برلمان انتهت ولايته) في أغسطس/آب الماضي استئناف جلساته بطرابلس، وشكل حكومة إنقاذ وطني، بالتوازي مع استمرار القتال شرقي البلاد وغربها.

وزاد من تعقد الوضع، إصدار مجلس النواب في الشرق، الذي شكل حكومة برئاسة الثني، قرارات استفزت سلطات طرابلس، إذ اعتبر الأخيرة ”إرهابية“، وطلب تدخلا أجنبيا، وهو ما أعقبه غارات جوية على مواقع لقوات ”فجر ليبيا“، تردد أنها مصرية وإماراتية، وهو ما نفته القاهرة وأبو ظبي، اللتان تدعمان حكومة الشرق.

مع هذا الوضع، تحولت مهمة البعثة الأممية تماما من المساعدة في بناء مؤسسات الدولة إلى وسيط بين الفريقين، ونجح ليون في جمع نواب من مجلس النواب، مشاركين في جلساته وآخرين مقاطعين له، فيما عرف بــ“غدامس1″ (مدينة ليبية على الحدود مع الجزائر) نهاية سبتمبر/ أيلول الماضي.

ودعا ليون النواب إلى وقف فوري لإطلاق النار، إلا أن كتائب الزنتان صعدت باقتحام مدينة ككلة (جنوب غرب طرابلس) أثناء زيارة الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، لطرابلس، بداية أكتوبر/ تشرين الأول 2014.

وزاد التعقيد بقرار للدائرة الدستورية في المحكمة العليا بطرابلس في 6 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، بعدم دستورية قانون انتخابات مجلس النواب، ما أعطى ”شرعية“ للمؤتمر الوطني للعودة إلى ممارسة اعماله، فيما تمسك مجلس النواب ببقائه؛ بدعوى أن قرار الدستورية جاء تحت تهديد السلاح.

وهو ما استدعى من البعثة الأممية إعادة النظر في مساعيها للحوار، عبر توسيع دائرة الحوار وإشراك أطراف أخرى، فإضافة إلى ممثلي المجلس والمؤتمر، أطلقت ثلاثة مسارات إضافية يشارك فيها ممثلون عن المجالس البلدية، وآخرين عن قوى سياسية وأحزاب وقادة ونشطاء، إضافة إلى مسار ممثلي القبائل والمكونات الاجتماعية.

لكن الأهمية كانت مولاة للحوار بين ممثلي المجلس والمؤتمر، رغم طرح عدة مقترحات لإنهاء الأزمة في لقاء مدينة جنيف الأول (14و15 يناير/ كانون الثاني 2015) وجنيف الثاني (26 و27 من الشهر نفسه)، إلا أن البعثة الأممية كانت حريصة على تمثيل المؤتمر في جلسات الحوار، حيث رفض الأخير المشاركة في أي حوار خارج ليبيا، وهو ما استجابت إليه البعثة بنقل الحوار إلى الداخل، فعقدت ”غدامس2“ في 1 فبراير/ شباط الماضي.

وجراء عدم توفر المناخ المناسب للحوار في الداخل، وافق المؤتمر على نقل الحوار إلى المغرب، لكنه تأجل أكثر من مرة بسبب تفجيرات في مدينة القبة (شرق) قتلت حوالي 50 مدنيا، ثم غارات جوية مصرية على مدينة درنة (شرق) قالت القاهرة إنها استهدفت مواقع لتنظيم ”داعش“، غداة إعلان التنظيم ذبحة 21 عاملا مصريا.

وجلسات الحوار في المغرب هي الأكثر فاعلية وتقدما على خط التقارب بين طرفي الصراع، ففي الجلسة الأولى يوم 5 مارس/ آذار الماضي، ناقش الفريقان اتفاقا لتشكيل حكومة توافقية، وترتيبات أمنية، تتضمن سحب التشكيلات المسلحة من المدن، وهي مسائل تبدو معقدة ولا تزال محل نقاش.

وتشكيل حكومة توافقية هي أولى العقبات أمام الحوار، فلم تبرز حتى الآن شخصية ليبية يمكن أن تحظى بقبول الشرق والغرب لترأس الحكومة، إضافة إلى مسألة اختيار الوزراء، إذ فرضت التوزيعية الجغرافية (مناطقية وقبيلة) نفسها على الحكومات السابقة وكانت سببا مباشرا في فشلها.

ولا يخلو الطريق إلى الحل من عقبة أمنية، فالتدابير الأمنية تتطلب سحب التشكيلات المسلحة خارج المدن، لكن الدولة لا تمتلك جهاز شرطة يمكنه حفظ الأمن، ولاسيما حماية المطارات والموانئ وحقول النفط.

ويبدو أن طرفي الصراع، اللذين تراجعت المعارك بينهما لصالح الحوار، فطنا إلى هذه المسألة، فكلاهما يسعى إلى إيجاد غطاء أمني شرعي، فمكونات ”فجر ليبيا“ تسعى إلى تأسيس جسم أمني باسم ”جهاز الحرس الوطني“، بقرار من المؤتمر الوطني، بدعوى ”لحماية مؤسسات الدولة“

وفي الشرق، فرض حفتر، المدعوم من ضباط في الجيش وله ظهير قبلي في الشرق، على مجلس النواب، تعيينه قائدا عاما للجيش برتبة فريق أول، ما سيجعله ضمن أي اتفاق سياسي سيوقع عليه مجلس النواب.

وإن توصل الطرفان إلى اتفاق، فثمة عقبة رابعة، وهي احتمال عدم التزام المسلحين بما اتفق عليه السياسيون، وهو ما يعني اقتتال جديد ربما تكون خارطته أكثر تعقيدا من خارطة الولاءات الحالية، ولا يُعلم إن كان بمقدور المتفقين إنهاء ذلك الاقتتال لصالح الراغبين في التعايش بوطن واحد، أم لا.

ويبدو أن تجاوز تلك العقبات سيأخذ وقتا أطول مما يعتقد الكثيرون، خاصة وأن طرف طبرق يعاني من انشقاقات وخلافات بين أعضائه المنقسمين بين رافض للحوار ومؤيد له ومعارض لوجود حفتر على رأس المؤسسة العسكرية ومؤيد له.

وهو ما يبرز في مغادرة وفد الحوار عن مجلس النواب جلسات الحوار في المغرب، منذ الخامس من مارس/ آذار الماضي، وطلبه أكثر من مرة تأجيل الحوار، بدعوى الحاجة إلى مزيد من الوقت للبحث في مقترحات حل الأزمة.

ومع التئام جولة حوار ثانية في المغرب، مساء أمس، أعلن المبعوث الأممي أن ”المفاوضات ستستغرق أياما وربما تمتد إلى أسابيع“، وأنها ستكون ”حاسمة“، بعد أن بحث طرفي الصراع المقترح الأممي لحل الأزمة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة