40 عاما على الحرب الأهلية اللبنانية

40 عاما على الحرب الأهلية اللبنانية

بيروت- بحلول يوم 13 إبريل من تكون مرت 40 سنة على اندلاع شرارة الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، حيث انفجرت الخلافات حول التركيبة الطائفية للنظام السياسي في البلاد، وكذلك بشأن القضية الفلسطينية، بين معسكري اليسار اللبناني تحت اسم ”الحركة الوطنية“ وغالبيته المسلمة ويتزعمه الزعيم الدرزي الاشتراكي كمال جنبلاط، والمتحالف مع منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات وكان يتخذ من بيروت مقرا له، بوجه اليمين اللبناني وغالبيته المسيحية تحت اسم ”الجبهة اللبنانية“ وعلى رأسه حزب الكتائب بقيادة بيار الجميل ونجله بشير الجميل.

وبعد جولات ومجازر متبادلة وتحول البلاد إلى ساحة لصراعات إقليمية وعربية ودولية، انتهت الحرب بعد اتفاق الطائف بين الفرقاء الذي رعته السعودية بشكل مباشر وجاء باتفاق دولي وإقليمي أنهى الحرب، فكيف بدأت ارهاصات هذه الحرب التي اطلق عليها اللبنانيون طويلا مسمى ”الأحداث“ قبل ان يتيقنوا أنها حرب طويلة، وهل لبنان على شفير لدخول حرب أهلية جديدة؟.

في هذا السياق، تحدث الكاتبان السياسيان اللبنانيان إيلي الحاج ولقمان سليم، كل منهما كشاهد عيان.

ورأى الحاج أن لبنان بعيد عن أي حرب جديدة بسبب العبر التي تعلمها اللبنانيون، بينما شدد سليم على أن لبنان يختزن حاليا كل مقومات النزاع الذي قد ينفجر في أي لحظة في حرب لن تكون نسخة مكررة عن السابقة.

وقال الحاج الذي كان يبلغ 15 عاما عند اندلاع الحرب إنه ”من أكثر المشاهد الملتصقة بذاكرتي من مرحلة ما قبل الحرب مشهد عرض عسكري قامت به ميليشيا حزب الكتائب اللبنانية سنة 1974، كان منزل الأهل في شارع الجميزة (بمحاذاة وسط بيروت) وكانت صفوف رجال الميليشيا بثيابهم الزيتية تتدفق من ساحة البرج أي ساحة الشهداء إلى ما بات الآن مكان تواجد شركة كهرباء لبنان أي على طول أكثر من كلم واحد ضمن مرمى نظري“.

وأضاف ”كانت الحشود ما زالت تتوالى بعدما ملؤوا المكان: صفوف متتالية وبانتظام. لم تكن هناك حرب بعد، حين كنت أرى بعيني الميليشيا والتنظيم العسكري المهول بالنسبة لولد“، معتبرا انه ”كانت من أكبر الاخطاء التي ارتكبتها القوى الحزبية الفلسطينية وقوى الحركة الوطنية او اليسار آنذاك انهم استخفوا باستعدادات الفريق الآخر المسيحي اليميني لخوض معركة“.

ورأى الحاج، الذي كان يعيش في منطقة ذات غالبية مسيحية بالقرب من المقر الرئيسي لحزب الكتائب في منطقة الصيفي وسط بيروت، أنه ”لو ان زعيم اليسار والحركة الوطنية آنذاك كمال جنبلاط قرر أن يصبر ولا يستعجل الأمور لربما كان اليسار فاز سلما في لبنان. لأنه في تلك المرحلة كان الشباب يميل إلى اليسار شيئا فشيئا ويظهر ذلك في الجامعات والانتخابات، وأتحدث تحديدا عن الشباب في البيئة المسيحية حيث كانت النخب تتجه إلى اليسار تلقائيا. استعجال اسقاط النظام اللبناني جعل الناس يلتفون غريزيا وطائفيا“.

وشدد على أن ”القرار المجنون بعزل الكتائب (من قبل الحركة الوطنية ومقاطعته سياسيا) بصفته حزبا خائنا (للقضية الفلسطينية لأنه كان يرفض تنفيذ عمليات للفدائيين ضد إسرائيل انطلاقا من جنوب لبنان) جعل هذا الحزب هو المثال والبطل عند طائفته“، وأردف ”اندلعت الحرب بشدة وبأساليب القرون الماضية وتحت شعار ”إضرب عدوك وأوجعه“ وبطبيعة الحال كان الطرف الآخر يرد بالوسيلة نفسها، فرأينا دمار لبنان المهول“.

وقال ”عشت الحرب كلها في بيروت وقرب خطوط التماس (تعبير يطلقه اللبنانيون على خطوط القتال الفاصلة بين المنطقتين المسيحية والمسلمة إبان الحرب) في منطقة الجميزة وقرب أسواق بيروت (وسط بيروت) والتي كانت تمتد الى شارع الحمرا ومنطقة الفنادق“، واوضح أن حيّه السكني في الجميزة ”كان يشهد كل يوم تقريبا تشييع أحد الشباب الذين يقتلون في القتال“.

وأعطى مثالا على هول الحرب وما خلفته من ضحايا، (التقديرات تتراوح بين 100 و200 ألف قتيل)، قائلا ”كنت في الصف الثالث متوسط (الثامن) كنا 20 تلميذا في مدرسة رسمية، وعندما انتهت الحرب كان بقي منا فقط 10 احياء من اصل 20 والباقون ماتوا في الحرب. نصفنا أحياء ونصفنا موتى“.

يتذكر الحاج يوم 13 إبريل 1975 حيث شكل الكمين الذي نصبه مسلحو حزب الكتائب لحافلة تقل لاجئين فلسطينيين كانوا يمرون في منطقة عين الرمانة المسيحية بالقرب من خطوط التماس ما أدى إلى مقتلهم شرارة الحرب، ويقول ”كان يوم احد، قبل ذكرى يوم ميلادي بيومين في 15 إبريل. جاء لزيارتنا في منزلنا في الجميزة، صديق لوالدي ذو ميول يسارية، وقال لوالدي: هل علمت أن هؤلاء الملاعين الكتائب فتحوا النار على حافلة ركاب في منطقة عين الرمانة وقتل عدد كبير منهم؟ الله يستر!“.

وأضاف ”انطبعت الكلمات في ذهني: ماذا يعني بتعبير: الله يستر؟ اعتقدنا الأمر حادثا عابرا وكانت الإذاعة اللبنانية (الرسمية) تبث في نشراتها أخبارا عن صحة الرئيس سليمان فرنجية الذي كان أجرى عملية جراحية من دون ان يأتوا على ذكر ما يجري في البلاد“.

ولفت إلى أن ”اللبنانيين كانوا يتابعون الأخبار عما يجري في بلادهم من إذاعة لبنان التي كانت تتحدث عن اشتباكات في عين الرمانة وغيرها من المناطق. بعد ذلك بيوم أو يومين اندلعت اشتباكات عنيفة في عين الرمانة وفرن الشباك (المسيحيتين) ثم أخذت تمتد إلى وسط بيروت وهكذا تصاعديا صرنا نسمع دوي انفحارات وصواريخ وتطورت الامور بسرعة“.

ووصف الحاج مشهد التعبئة الطائفية في منطقته بعد خطاب لجنبلاط توعد فيه بهزيمة المسيحيين: ”الناس كلهم رأيتهم بعيني يحملون ما تيسر لديهم من سلاح: سلاح صيد، أي شيء، حتى سكاكين، وينزلون الى الشوارع وكأنهم يقدسون المقاتلين المدافعين عنهم ويهرعون خلفهم ويقدمون لهم القهوة والطعام“.

ولفت إلى أنه ”بعد ذلك تطورت الأمور إلى جولات وكنا نسميها جولات، وبين كل جولة واخرى كان الناس يعتقدون انها (الحرب) انتهت. للاسف تبين بسرعة انها حرب دولية واقليمية كبيرة“.

ووصف يوم دخول الجيش السوري إلى لبنان في العام 1976 كقوة فصل بين المتحاربين بأنه ”يوم حزين“، وشدد على أن رفض دخول هذه القوات إلى البلاد ووضع يد النظام السوري بقيادة حافظ الأسد آنذاك على لبنان ”هذه النقطة تحديدا شكلت التقاء بين كمال جنبلاط وبشير الجميل، لكن وسرعان ما قتل جنبلاط الذي تبين فيما بعد أنه قتل على أيدي مخابرات حزب البعث أي النظام السوري“.

وشدد على أن ”هناك إجماع الآن تقريبا على أن كل المحطات التي مرت بها الحرب اللبنانية كانت محطات يمكن أن تتوقف فيها الحرب، لكن كان النظام السوري يتجاوزها ويعمل على إدامة الحرب إلى أن تستتب له القدرة على السيطرة الكاملة على لبنان ولم يحصل ذلك إلا سنة 1990“.

لكن مع ذلك، شدد الحاج على أن لبنان بعيد حاليا عن نشوب حرب أهلية جديدة، وقال ”أؤكد تماما أنه ليس هناك من قرار دولي بأن تندلع الحرب في لبنان. حرب 1975 اندلعت بقرار دولي وإقليمي لإغراق منظمة التحرير الفلسطينية من جهة والتخلص من نموذج لبناني ثقيل ومزعج للأنظمة المحيطة بنا جميعا من اسرائيل الى سوريا وغيرها وربما كان هناك من يريد إعطاء الفلسطينيين دويلة في دولة لبنان يستقلون فيها ويحكمونها ظنا منهم ان هذا سيشكل حلا للقضية الفلسطينية“.

من جهته، اعتبر سليم، وهو من مواليد 1962، أن بداية الحرب كانت في مايو 1973 حين اندلعت مواجهات بين الجيش اللبناني من جهة، والمسلحين الفلسطينيين من جهة ثانية.

وروى كيف أن فضوله دفعه وكان في 11 من عمره إلى الذهاب إلى منطقة المعارك القريبة من منزل والديه ليعرف ما يجري، فأصيب برصاصة في رجله وتم نقله بسيارة اسعاف إلى المستشفى لتلقي العلاج من الاصابة، واضاف ”بمجرد الاصابة تكتسب مرتبة مختلفة بين اقرانك، وهي انك مصاب وبالتالي صرت جزءا من الحرب“.

وأردف ”على المستوى الشخصي دخلت الحرب بسرعة إلى حياتي وقاموسي وذاكرتي وبالتالي لم تعد هذا الشيء المجرد الذي اراه فقط في التلفزيون والسينما او اسمع عنه من آخرين، وصارت لدي روايتي الخاصة عنها“، في اشارة الى اصابته.

ولفت إلى المشاهدات التي انطبعت في ذاكرته طوال أعوام 1972، 1973، 1974، وهو في طريقه بالحافلة المدرسية التي كانت تسلك طريق ”صيدا القديمة“ والتي تفصل بين الضاحية الجنوبية لبيروت ذات الغالبية المسلمة ومنطقة عين الركانة معقل حزب الكتائب المسيحي وتحولت عام 1975 وحتى نهاية الحرب إلى خط اساسي من خطوط القتال بين شطري البلاد.

وأضاف ”أحمل في ذاكرتي من تلك الطريق وخلال تلك الفترة خلال ذهابي الى المدرسة في فرن الشباك (ذات الغالبية المسيحية) صور تظاهرات وتجمعات واشتباكات مع قوى امنية لا استطيع ان انساها. لم تكن تسمى حربا بعد“، وتابع ”اليوم ارى استحالة في أن استرجع هذه الذكريات دون ان اربطها بالحرب التي بدأت في العام 1975“.

واتفق مع الحاج في تأخر اللبنانيين في إطلاق تسمية ”حرب“ على ما يحصل، موضحا ان ”اللبنانيين استغرقوا وقتا طويلا حتى أسموها حربا. لا ننسى أنه يوم 13 نيسان أي يوم حصول حادثة حافلة عين الرمانة كنا ما زلنا نتكلم على أحداث وبقينا لفترة زمنية طويلة نسميها أحداثا، ويوم بدأنا نتذكر ما صار عام 1975 بعد حرب السنتين (جولة معارك استمرت بين 1975 و1976) أي بعد دخول الجيش السوري في 1976، وبعد بداية التأريخ لجولات العنف أسمى اللبنانيون هذه الفترة باسم ”حرب السنتين“، وحينها بدأنا نتكلم على حرب“.

وأضاف ”بقي اللبنانيون في حالة إنكار وهذا أمر مفهوم لأن إنكار ما كان يجري كان على الارجح بابا من أبواب الدفاع عن النفس“، ورأى أن الخطير في الموضوع كان ”توسّل العنف“ من قبل اللبنانيين سبيلا لحل خلافاتهم.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com