قسنطينة عاصمة الثقافة العربية.. ترسّبات الماضي وتحديات المستقبل

قسنطينة عاصمة الثقافة العربية.. ترس...

أوساط ثقافية وسياسية في الجزائر تتخوف من فشل تظاهرة "قسنطينة عاصمة الثقافة العربية 2015"، لأسباب تقنية وأخرى إيديولوجية، ليتحول بذلك هذا المحفل الثقافي العربي إلى قضية ذات أبعاد سياسية وتاريخية.

المصدر: الجزائرـ جـلال منـاد

بات واضحا أن السلطات التي أوكلت إليها مهمة المتابعة الميدانية والإشراف الفني على الأشغال، قد تأثرت بعقارب الساعة التي تتجه سرعتها نحو موعد السادس عشر أبريل المقبل، بدليل تضارب التصريحات التي تدلي بها وزيرة الثقافة نادية لعبيدي حول البرنامج المسطر والوجوه الثقافية والفنية المدعوة للمشاركة في أكبر مهرجان ثقافي يعني العالم العربي.

فالوزير الأول عبد المالك سلال، ألح في تعليمة عاجلة إلى والي قسنطينة على إفادته بتقرير مفصّل عن التحضيرات الجارية بالمدينة الشرقية التي تحتضن فعاليات أضخم تظاهرة ثقافية في الوطن العربي.وتعكف لجنة حكومية مشكلة من موظفي عدة دوائر وزارية على المتابعة الميدانية ليل نهار لتجهيز المنشآت الثقافية الموضوعة تحت تصرّف ”عاصمة الثقافة العربية 2015“.

قطيعة

في سلوك مفاجئ أعلنت مجموعة من الفنانين والمثقفين الأمازيغ، عن مقاطعتهم للفعاليات لتثار مجددا جدلية هوية الجزائر  ويعود السؤال التقليدي: هل الجزائر عربية أم أمازيغية؟

فالمغني القبائلي المعروف لونيس آيت منقلات، صدم الجمهور الفني برفضه الغناء في تظاهرة لا تعترف حسبه بــ“الأصول البربرية لقسنطينة“، وعلى نحوه سار زميله الفنان إيدير وآخرون بمبرر ما وصفوه بتهميش الثقافة الأمازيغية و البعد البربري لتظاهرة عاصمة الثقافة العربية. أما المطرب محمد علاوة فلم يتحرج من الإعلان في اتصال به على أن ”قضية بربرية قسنطينة مسألة مبدأ“.

يتفق الفنان التشكيلي نورالدين تابرحة، مع دعوة المقاطعة التي أطلقها الفنانون القبائل، ويذهب إلى حد ”الاحتجاج والتنديد بقبح المنظومة الثقافية الحالية ذلك أن الحركة العروبية ذات الطابع العدائي لكل  ما هو غير عربي وصل إلى هرم السلطة السياسية في البلاد وبرمجة نشاط مهرجاني عربي في قسنطينة معناه سعي ممنهج إلى طمس هويتها الأمازيغية“.

23

ولا يتحرّج تابرحة من استخدام ألفاظ يعتبرها كثيرون ”عنصرية“،حين يعتبر تظاهرة قسنطينة ”خرقا لمكونات الهوية الوطنية حيث اﻹفراط في استضافة المناسبات ذات التوجه العروبي أعتبره تنكيلا بجثة الهوية اﻷمازيغية“ . ويبرر المتحدث موقفه الساخط بكون ”الجزائر لم تنظم بتاتا تظاهرة أمازيغية كبيرة بحجم احتضانها سابقا تظاهرة الجزائر عاصمة الثقافة العربية 2007 والمهرجان الإفريقي 2010 وكذا فعاليات تلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية 2011“.

استعراض

ينظر الكاتب والناقد محمد رابحي، بعين الاستغراب إلى القضية، ويؤكد ”أن مقاطعة فناني ومثقفي القبائل لاحتفالات عاصمة الثقافة العربية هي دليل على خلطهم بين المفاهيم، ذلك أن عروبة التظاهرة تستمد معناها من البعد الإقليمي أكثر منه بعدا قوميا“.

22

ويضيف رابحي،“قد يكون هناك تقصير حتما من الجهة الوصية، لكن هذا لا يعني إقصاء أو إلغاءً للجانب الأمازيغي من هويتنا الجزائرية“. ويتابع أن“التقصير الذي قد يتبادر إلى الأذهان من السلطة الوصية على التظاهرة  لا يدعو إلى إثارة مسألة محسوم بأمرها، وإلا  فهذا يجعلني أدرك أن المقاطعة ليست سوى استعراضا مجانيا“.

إلى ذلك، وجّه محمد رابحي إلى زملائه الأدباء والمثقفين والفنانين القبائل نداء، يقول فيه“على أمازيغنا الأعزاء أن يتفهموا الأمر بوصفه احتفالية عربية أو سياسة عربية لا ضير من مشاركتهم إيانا نشاطاتها.. فأنا شخصيا احتفلت بعيدهم ”يناير“ ولم احتفل بحلول عامنا الهجري“.

موقف يتقاطع تماما مع ذاك الذي دعا إليه المطرب القبائلي رابح عصمة، قائلا ”إني أفكر في تقديم شيء ما للثقافة العربية، سوف أقدم أغنيات تذكر بالتعايش بين الثقافة العربية والأمازيغية في بلد واحد موحد،كما أنوي تقديم بعض الأغاني باللغة العربية احتراما لصفة التظاهرة“.

تمزّق

يعتقد الدكتور محمد أرزقي فراد، أن مناسبة ”قسنطينة عاصمة للثقافة العربية 2015″، هي فرصة سانحة لـــ“تقديم صورة شاملة عن التنوع الثقافي الجزائري للعالم العربي، تنوع يشكل عمقا استراتيجيا لشمال إفريقيا منذ العهود القديمة، بشهادة الشعراء الأمازيغ القدامى الذين تغنوا بمصر والشام والحجاز، ولا يزال هذا الشعر محفوظا بين طيات الكتب وثناياها“.

24

ويخشى المؤرخ أرزقي فراد، ”أن تكون الثقافة قد ذهبت ضحية لإيديولوجية ضيقة، تهدف إلى إخراج الأمازيغية من وعائها الحضاري الطبيعي المتمثل في وعاء الحضارة الإسلامية، لربطها بوعاء الحضارة اللاتينية الغربية“.

ويخلص الباحث في التراث الأمازيغي والمعروف بدفاعه المستميت عن الحضارة العربية الإسلامية وتراثها الأمازيغي، إلى أنه ”لا يعقل بتاتا اختزال تاريخ سرتا في المكون العربي كما لا يجوز اختزال هوية المدينة في المكون الأمازيغي فالهوية الوطنية لا تكتمل إلا بهما ومعهما وفيهما“.

لا للتمييز

وخوفا من اتساع دائرة المقاطعين من الفنانين القبائل لهذا الحدث العربي، الذي احتضنت الجزائر مثله سنة 2007، شددت وزيرة الثقافة نادية لعبيدي شرابي أن ”منظمي التظاهرة حريصون على إبراز البعدين الأمازيغي و العربي لمدينة قسنطينة حاضنة الثقافات ومعبر الحضارات“.

ولما سئلت عن انعكاسات ”موجة الرفض“، دعت شرابي وهي أكاديمية وسنيمائية قبل أن تكون وزيرة، إلى ”عدم إيلاء القضية أكثر مما تستحق في وسائل الإعلام فلا أحد بإمكانه أن يفرّق بين المكونين العربي والأمازيغي للهوية الوطنية“.

ومن جهته يدافع سي الهاشمي عصاد الأمين العام للمحافظة السامية للغة الأمازيغية، عن حضور مميز في فعاليات تظاهرة قسنطينة عاصمة الثقافة العربية من خلال تنظيم نشاطات ثقافية وملتقيات فكرية وحفلات غنائية تبرز الموروث الجزائري للجمهور العربي،مؤكدا في السياق ذاته أن الدولة وفرت إمكانيات كبيرة لإبراز الجانب الأمازيغي وأهميته في صون الهوية الوطنية وتلاحم المجتمع الجزائري.

تحدي الفرونكفونية

رغم مرور أزيد من خمسين عاما على استقلال الجزائر، إلاّ أن الهوية الوطنية لم تتحرر بعد من ترسبات ماض أليم تسببت فيه بشاعة الاستعمار الفرنسي الذي سعى إلى مسح معالم هوية البلاد التي دام احتلاله لها 132 عاما، لأجل التمكين لحلم راود أعتى قوة كولونيالية وقتئذ وهو ”الجزائر فرنسية“.

ويتفق الجزائريون على أن بعض العداء بين المكونين الأمازيغي والعربي مرده إلى تلك السياسة الاستيطانية التدميرية لمكونات الأمة، واللافت أن فرنسا الرسمية لا تزال تراهن إلى غاية اليوم على ”أذنابها“ لعزل الجزائر عن محيطها الإقليمي والحضاري بإثارة النعرات الجهوية والمسألة اللغوية.

وفي الوقت الذي تعاني فيه اللغة العربية وشقيقتها الأمازيغية من تهميش وتراجع في أعداد المقبلين عليهما، يوحّد التيار الفرونكفوني المتغلغل في دواليب السلطة والإدارة ، جهوده للتمكين للغة الفرنسية على حساب ضرتيها. ومن المناسب جدا أن تنخرط جهود المدافعين على هذين المكونين لجعل فعاليات ”قسنطينة عاصمة الثقافة العربية“ جسرا للتواصل مع المحيط العربي الذي تشكّل الجزائر جزء مهما فيه.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com