الجزائر.. صراع الأجنحة يدخل الحزب الحاكم في أزمة تنظيمية

الجزائر.. صراع الأجنحة يدخل الحزب الحاكم في أزمة تنظيمية

المصدر: الجزائر ـ جلال منـاد

تلقي الأزمة التي تمرّ بها القيادة السياسية في الجزائر منذ إعادة انتخاب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية رابعة، بظلاها على حزب جبهة التحرير الوطني صاحب الأغلبية في البرلمان بغرفتيه، وهو الغارق أصلا منذ شهور في صراع أجنحة ومعارك قانونية وسياسية لا تكاد تنتهي بين أنصار الأمين العام الحالي عمار سعداني وخصومه من المحسوبين على عبد العزيز بلخادم المستشار السابق لرئيس الجمهورية.

ويسود اعتقاد راسخ يتعزز يوما بعد يوم في أن السلطة الحاكمة، تتعمد ”غض البصر“ إزاء ما يجري داخل الحزب العتيد خدمة لأجندة سياسية يتصدرها مشروع التعديل الدستوري، رغم تعالي الأصوات المطالبة بتدخل عبد العزيز بوتفليقة بوصفه الرئيس الفعلي لجبهة التحرير الوطني و ”الشرفي“ حسبما تنص عليه اللوائح التنظيمية للحزب.

التحيز.. واللا شرعية

شكليا، انتهت العهدة القانونية للجنة المركزية للحزب، وهو ما يجعل القيادة الحالية تنشط ”خارج الشرعية“ و يفترض أن النشاطات التي يقوم بها الأمين العام وأعضاء مكتبه السياسي غير قانونية، مثلما تعتبر التصريحات التي يدلي بها هؤلاء في قضايا سياسية مصيرية داخليا و أخرى مهمة دوليا ”غير أخلاقية“.

عبادة

ويرى القيادي المعارض  في الحزب عبد الكريم عبادة، أن قرار عمار سعداني إرجاء تاريخ عقد الدورة المركزية ”انفراديا وتسلطيا و غير سليم لأنه أدخل الحزب في حلقة خطيرة من اللاشرعية، وهو سلوك عدائي يرمي إلى تفكيك ما تبقى من رمزية وقوة الحزب و بالتالي إضعافه بنية تتفيه العمل السياسي في الجزائر“.

وأضاف عبادة، وهو من الرعيل الأول لتأسيس حزب جبهة التحرير الوطني غداة ثورة التحرير، أن ”حزبنا لم يعرف حالة انحلال ووهن سياسي على مدار ستين سنة مثل الحالة التي يمر بها الآن“، موعزا الأمر إلى نية جهة متنفذة داخل سرايا الحكم لإضعاف الحزب و إدخاله إلى المتحف وهي على كل دعوة تتكرر كثيرا من قبل أطراف سياسية تعتقد أن المتحف هو المكان الطبيعي للحزب العتيد حتى يحافظ على رمزيته كتنظيم جامع للجزائريين ويأنى بنفسه عن الصراعات السياسية التي تعبث به.

ومضى عبادة، يقول“إننا وبعد نضال لسحب الثقة من الأمين العام السابق بعد انحراف القيادة وقتها عن الخط الأصيل للجبهة، قد ابتلينا بأمين عام جديد – يقصد سعداني-  عمل كل ما في وسعه لتحطيم إرث الحزب و القضاء على حضوره في الساحة السياسية“، مشيرا إلى

أن ممارسات عمار سعداني أفضت إلى تحويل ”الأفلان من حزب يملك أغلبية عددية مريحة في البرلمان بغرفتيه وكذا داخل المجالس المحلية المنتخبة في المحافظات الــ 48 للجمهورية، إلى أغلبية شكلية لا تحكم ولا تمارس الحكم وهذا بهتان سياسي لم تشهده الممارسة السياسية ولم تقل به نظريات علم السياسة“.

ويقصد عبد الكريم عبادة ، أن الحزب الحاكم محروم من قيادة الحكومة التي يرأسها وزير أول لا علاقة تربطه بالحزب الذي لا يشارك في الجهاز التنفيذي إلا بعدد من الوزراء، بينما البرلمان بغرفتيه لا يتحرك إلا بإيعاز للتصويت على ما تقترحه هذه الحكومة من مشاريع قوانين.

من جهة أخرى، يتمسك عبد الرحمان بلعياط، الذي يقود واجهة المعارضة الساعية منذ مدة إلى الإطاحة بعمار سعداني من كرسي الأمانة العامة، بموقف متصلب يطعن في شرعية عمار سعداني منذ تزكيته أمينا عاما في 29 أوت/آب 2013 خلال المؤتمر الاستثنائي الذي أعقب الإطاحة برئيس الوزراء السابق عبد العزيز بلخادم.

بلعياط

ويقول بلعياط- وهو من الحرس القديم في  حزب  الأفلان وشغل في عهد الرئيس الراحل هواري بومدين مناصب وزارية وتنفيذية هامة- إن ”أعضاء اللجنة المركزية الذين يشكلون أغلبية داخل الحزب تقدموا بطلب إلى وزير الداخلية لأجل الحصول على ترخيص تنظيم دورة عادية جديدة لانتخاب قيادة جديدة تنهي حالة الشغور المثبتة بانتهاء ولاية اللجنة السابقة في 19 مارس/آذار الجاري“. وتابع  المتحدث أن ”المطالبين بالعودة إلى الشرعية بقصد إعادة الحزب إلى سكته، جاهزون تمام الجاهزية لانتخاب قيادة جديدة تنبثق من إرادة الأعضاء واختيارهم السيّد وفقا للوائح النظام الداخلي للحزب و قواعد القانون الناظم لعمل الأحزاب والجمعيات السياسية“. ويرفض محدثنا الخوض في ”نية وزارة الداخلية في التجاوب مع هذا الطلب من عدمه“ لكنه يصرّ على أن ”مصداقية الإدارة على المحك لتثبت مدى نزاهتها وحياده في هذا الصراع الحزبي الداخلي“.

تعديل الدستور أولا

يدافع عبد القادر زحالي عضو المكتب السياسي للحزب و أحد مقربي أمينه العام، عن خيار الأخير في إرجاء تنظيم اجتماع اللجنة المركزية إلى حين عرض الرئيس عبد العزيز بوتفليقة للوثيقة النهائية لمشروع الدستور المعدّل، معتبرا هذا المشروع ”أولوية أولويات الحزب الذي يسير بخطى ثابتة إلى الأمام في سبيل هيكلة القواعد و تأطير المناضلين و توجيههم إلى ما يحيط بالجزائر من تهديدات إقليمية وتحديات خطيرة تتطلب أن يكون حزبنا في صدارة الأحداث“، معتبرا أن ”تأجيل عقد الدورة محل الخلاف يشكل معضلة فأنا شخصيا شغلت منصب عضوية اللجنة المركزية في عهد الأمين العام الأسبق المرحوم عبد الحميد مهري وقد تأجل التآمها لحوالي ثلاث سنوات لطبيعة الظرف الذي كانت تمر به البلاد وقتها“.

زحالي

ويكشف زحالي و هو رئيس قطاع الشباب والطلبة في الحزب، عن جزئية مفادها أن ”القانون الداخلي للأفلان يتيح تأجيل تنظيم دورة اللجنة المركزية في الظروف الاستثنائية وهو ما حدث بالنسبة لقضية الحال ونحن لا نرى أي خرق للقانون أو الشرعية التي يتحدث عنها بعض الخارجين عن الشرعية“،يقصد خصوم القيادة الحالية.

أجندة ضد التغيير

يذهب الكاتب الصحفي المتخصص في الشؤون السياسية محمد عماري، إلى أن ”الأمين العام للأفلان يدرك جيدا أن مسألة الشرعية ستطغى على أي اجتماع للجنة المركزية وهو سبب اختياره تجنب الاجتماع أصلا، سعداني يواجه  وضعا معقدا للغاية، فمن جهة تنامي شوكة المعارضة باستمرارها داخل اللجنة المركزية، ومن جهة أخرى يبدو أن الرجل  لم يقنع صناع القرار داخل دواليب الحكم بجدوى عقد المؤتمر العاشر للحزب وهو لا يمكنه بتاتا الرضوخ لأي مطلب يخص ذلك دون حصوله على موافقة السلطة الحاكمة“.

3OUMARI

ويلخص عماري المشهد بأنه ”رسالة واضحة على أن الجهة القوية في الحكم في هذه المرحلة لا تفكر في تغيير قيادة الحزب، يمكنني أن أؤكد لك أن أزمة حزب جبهة التحرير الوطني لا تحظى بأي اهتمام لدى مراكز صناعة القرار في الدولة، حيث صارت  قضية ثانوية وهامشية، ولا تستحق النظر فيها، في سلم اهتمامات السلطة الحاكمة“.

ويعتقد محمد عماري، أن ”سعداني  لو تمكن فعلا من عقد المؤتمر لأمكنه ذلك من إزاحة خصومه، وضمان ولاية كاملة عمرها 5 سنوات على رأس الحزب رقم واحد في المعادلة السياسية الجزائرية، وهذا الأمر قد يؤشر على أن الجهة التي دعمته للوصول إلى قيادة الحزب لم تحسم أمرها ببقائه في منصبه من عدمه“، مشددا على أن المعارضين لتوجه عمار سعداني لا يحظون في الوقت الحالي بأية ثقة من الإدارة، والدليل أنهم استطاعوا جمع النصاب لاستدعاء دورة غير عادية للجنة المركزية ( 257 من أصل 331 عضوا) لكن مصالح الإدارة المختصة لم تقبل طلبهم، بل إن المسؤولين عن شؤون الأحزاب في الهيئة الإدارية لم يستقبلوهم أصلا“.

معارك داخلية

و في الغالب، يقيس المتتبعون لفصول الصراع داخل أسوار الحزب الحاكم، والذي يعد الذراع السياسية لكل الرؤساء الذين حكموا الجزائر، بما يدور من احتدام المعركة بين سرايا السلطة ما يعني أن أزمة جبهة التحرير الوطني ما هي في النهاية إلا انعكاس للأزمة المستشرية في منظومة الحكم.

يضاف إلى كل ذلك، انشغال الحكومة و الرئاسة بمعارك – أكثر أهمية في منظورها- على الجبهة الداخلية التي تشهد حراكا شعبيا مناهضا لتوجه السلطة نحو استغلال الغاز الضخري كطاقة بديلة للنفط في منطقة الصحراء و معارك أخرى ضد الإرهاب وشبكات التهريب على حدود الجزائر الملتهبة مع مالي و ليبيا و تونس، مع عدم إغفال التوتر القائم مع الجارة المغرب على خلفية قضية الصحراء الغربية التي تعتبرها الرباط جزء من وحدتها الترابية وتدافع عنها الجزائر ضمن لوائح الأمم المتحدة كآخر قضايا تصفية الاستعمار في شمال إفريقيا.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com