إخوان الجزائر.. فرص التعايش وذكريات التصادم

إخوان الجزائر.. فرص التعايش وذكريات التصادم

المصدر: الجزائر ـ جلال مناد

معاناة التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، تفاقمت بعد تلقيه ضربات موجعة من بعض بلدان الربيع العربي، وصلت حد تجريم مجرد ”الانتماء“ إلى جماعة وصلت إلى الحكم في دولة محورية في الشرق الأوسط  بحجم مصر، وأخرى لا تزال فاعلة في قلب المغرب العربي بعدما قادت شؤون المرحلة الانتقالية في تونس عقب الثورة التي أطاحت بنظام زين العابدين بن علي .

إخوان الجزائر.. خصوصية الداخل

يقول الباحث في شؤون الحركات الإسلامية محمد بغداد، إنه ”ليس من الهين الحديث عن علاقة الجزائر مع جماعة الإخوان المسلمين، بدون وجود ما يؤكد أو ينفي شكل وطبيعة ونوعية هذه العلاقة، وحتى وإن كانت العلاقة الرسمية العلنية غير متوفرة، إلا أن هناك مؤشرات يمكن رصدها لقراءة هذه العلاقة، التي تعود  إلى بداية استقلال الجزائر عام 1962، فمؤسسات الدولة كانت حينها حديثة ولا تملك خبرة كبيرة في التعامل النوعي مع الجماعات الإسلامية، إلا إذا استثنينا تلك الصدامات الأولية مع بعض رموز جمعية العلماء المسلمين الجزائريين“.

و المعلوم أن العلامة عبد الحميد بن باديس مؤسس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ، يحتل مكانة بارزة في قلوب الجزائريين باعتباره عالم دين و مفكر قومي و مناضل سياسي لعب دورا بارزا في محاربة الاستعمار الفرنسي حتى قبل اندلاع ثورة التحرير في أول نوفمبر 1954 من خلال تفانيه في العمل التربوي و التعليم الذي أنتج فيما بعد نخبا علمية وسياسية تقلّبت في مناصب المسؤولية في هرم الدولة خلال السنوات الأولى للاستقلال.

mizab02

ويتقاطع الخبير الاستراتيجي و المحلل السياسي د.أحمد ميزاب مع الطرح السابق، حيث يؤكد أن ”التنظيم الدولي لحركة الإخوان المسلمين عرف عليه تاريخيا اهتمامه بشمال إفريقيا منذ أربعينيات القرن الماضي، خاصة في عهد الإمام الشيخ حسن البنا لنصرة حركات التحرير بالشمال الإفريقي من نير الاستعمار الذي بسط نفوذه و تمركزه في المنطقة“. وأضاف من هنا ”تشكل ما يمكن توصيفه بالحميمية بين هذه المنظمة عالمية التوجه و النواة الأولى التي بدأت تتشكل في الجزائر“.

عبد الناصر مفجّر التصادم

يغوص المتتبع لشؤون الحركات الإسلامية بالجزائر محمد بغداد في مراحل تشكل ”الأزمة“ بين السلطة و الجماعة، وبدايتها من ”نشاط الجيل الثاني من جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، الذي سارع منتصف ستينيات  القرن الماضي، إلى تشكيل كيان سمي جمعية القيم، راسلت فيما بعد الرئيس المصري جمال عبد الناصر، تطلب منه العفو عن سيد قطب والتراجع عن إعدامه، ما أزعج الزعيم المصري الذي احتج لدى السلطة الجزائرية في وقت كانت العلاقة بين النظامين تشهد تشنجا“.

وقال بغداد، إن نظام الرئيس هواري بومدين تجاوب مع ”انزعاج“ عبد الناصر فقرر حل جمعية القيم لتكون بذلك أول محطة تصادم بين السلطة و الإسلاميين في الجزائر“.

وشهدت بداية سبعينيات القرن الفارط، انتشارا ملحوظا للفكر الإخواني بين النخب في الجزائر، حين استعانت الدولة الجزائرية بأمر ومتابعة شخصية من الرئيس هواري بومدين بالدول العربية للإسهام في مخطط تعريب التعليم والإدارة الحكومية، فتم  استقدام أساتذة ومفكرين عرب كان انتماؤهم إلى تنظيم جماعة الإخوان المسلمين واضحا خاصة الوافدين من سوريا والعراق ومصر، ولعب هؤلاء دورا مهما في نشر ما يصطلح عليه بــ“الأفكار الإخوانية“.

مصالحة بعد بومدين

ويعتقد مؤلف كتاب“إنتاج النخب الدينية في الجزائر“، في سياق تحليله للظاهرة الإخوانية أن ”هذا التيار لم يظهر علنا، إلا في بداية السبعينيات من القرن الماضي، أثناء مناقشة الميثاق الوطني من خلال البيان الرافض للميثاق الذي أصدرته جماعة الموحدين، بقيادة المرحوم محفوظ نحناح، وهو الموقف الذي جوبه بسجن القيادات الإخوانية، ومع وفاة الرئيس هواري بومدين سنة 1978 ومجيء خليفته الرئيس الشاذلي بن جديد إلى السلطة، شرع الأخير في  الانفتاح على الإسلاميين، ضمن سياسة مواجهة التيار اليساري حيث تم الإفراج عن القياديين المسجونين،بوساطة من دولة الكويت.هنا عاود الإخوان الانتشار والتمدد في الساحة، مستغلين رفع القيود عن تحركاتهم ”.

تاريخيا.. يشهد لوزير الشؤون الدينية الأسبق الراحل مولود قاسم، دوره  في تدشين الانفتاح على الإخوان المسلمين، وبقية الجماعات الإسلامية الأخرى، عبر ملتقيات الفكر الإسلامي التي كانت تستقطب كبار العلماء و المفكرين من أقطار الوطن العربي و العالم الإسلامي، و كان الشيخ محمد الغزالي في مقدمة  هؤلاء المشايخ و العلماء، وقد ساهم هذا النشاط الفكري غير المسبوق في الجزائر في إبعاد إمكانية التوتر مع الجماعة.

انتكاسة الإسلام السياسي ..

يذهب الأستاذ بالمدرسة الجزائرية العليا للعلوم السياسية فاتح خننو، إلى أن ”السلطة لم تتردد في استعمال الردع والقوة مع الإسلاميين الذين فازوا في الانتخابات البلدية و النيابية التي جرت عام1991، شهورا بعد ذلك   أعلنت السلطة عن توقيف المسار الانتخابي في جانفي 1992 ، لتتغير بذلك سياسة النظام من النقيض إلى النقيض في تعامله مع الإسلاميين أي من الانفتاح إلى الانغلاق عليهم“.

fatih03

ويواصل خننو، أن السلوك السياسي للمواطن الجزائري تأثر بــ“انجرار الإسلاميين إلى العنف رفضا للقرار الصادر بإلغاء نتائج الانتخابات التي حققوا فيها فوزا كاسحا وغير مسبوق على حزبين عريقين هما جبهة التحرير الوطني  الحاكم سابقا وجبهة القوى الاشتراكية المعارض“.

ويضيف المتخصص في النظم الانتخابية بالوطن العربي، أنه ”مثلما أخطأت السلطة في التقدير بوقف المسار الديمقراطي أخطأ الإسلاميون أيضا في الرد الذي خلف أزمة دموية أدخلت البلاد في دوامة عنف لا يزال يرمي بظلاله على كل المستويات“.

ويذكر المتحدث نفسه، أن ”قناعة قياديي الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة بأنهم محتكرون للدين ثم محتكرون للدولة بعد فوزهم في الانتخابات، هي قناعة باطلة أوقعتهم في مطبّات كثيرة، فالجزائريون فقدوا ثقتهم تماما في كل التيار الإسلامي لمتاجرته بالدين والشريعة رغم أنهم عاجزون عن مجرد الإجابة عن سؤال: ما هي الدولة؟“، ثم يخلص إلى أن ”الإسلام السياسي قتل إلى الأبد بمسببات سوسيو- تاريخية مرتبطة أساسا بلجوئه إلى العنف السياسي“.

لكن محمد بغداد يرفض تحليل سابقه من حيث أن ”الإخوان المسلمين في الجزائر لعبوا دورا مهما  أثناء الأزمة الدموية، التي عرفتها الجزائر عندما عارضوا توجهات الجبهة الإسلامية للإنقاذ، خاصة في الخيار الصدامي العسكري بخروج هؤلاء إلى الجبال حملا للسلاح وجنوحهم إلى العنف“. ويذكر المتحدث أن  المرحوم محفوظ نحناح ”نجح في الوصول بفريقه إلى السلطة والمشاركة فيها“.

من التحرك إلى الاحتواء  

يعتبر الخبير في الشؤون الأمنية و الاستراتيجية أحمد ميزاب، أن السلطة الحاكمة في الجزائر ”نجحت فعليا في تحديد مسار الإخوان بعدما أفلحت في احتوائهم و أدخلتهم إلى صف المشاركة في الحكومة ومختلف مفاصل الدولة الدبلوماسية و التنفيذية و سمحت لهم بالتواجد في البرلمان من خلال اعتماد أحزاب سياسية إسلامية التوجه“.

ويكشف أحمد ميزاب وهو يشغل أيضا منصب رئيس اللجنة الإفريقية للسلم والمصالحة، أن أسلوب السلطة أدخل من جهة أخرى ”إخوان الجزائر“ في أزمة تخبط مع التنظيم العالمي الذي رفع غطاءه عنهم بعدما تفرقت مشاربهم و توجهاتهم واختلفت رؤاهم لما ينبغي أن يكون عليه العمل السياسي ما ترك الانطباع على ”اختفاء الأتباع“ وبالتالي عدم الاعتراف بوجود تشكيل سياسي يمثل التنظيم الدولي .

فحركة مجتمع السلم التي شاركت طيلة سنوات في هياكل الحكومة من وزارات وبعثات دبلوماسية و أجهزتيهما الفرعية، انشطرت إلى ثلاث أحزاب اختلفت مع الحركة الأم التي أسسها الشيخ محفوظ نحناح الأب الروحي للتيار الإخوان في الجزائر.ذلك أن  الوزير السابق للصناعة عبد المجيد مناصرة أسس حزبا سمّاه ”جبهة التغيير“ و وزير الأشغال العمومية السابق عمار غول أسس هو الآخر حزبا سماه ”تجمع أمل الجزائر“ وهو لا يزال إلى اليوم وزيرا في الحكومة مكلفا بحقيبة النقل و المواصلات. وكذلك أسس الشيخ مصطفى بن مهدي و أحمد الدان – وهما رفيقان للشيخ نحناح- حزبا ثالثا اسمه ”حركة البناء الوطني“ ، و كل تلك الأحزاب التي يقوده رفاق وتلامذة للأب الروحي ، يتنازعون ”خلافة“ التنظيم الدولي للإخوان الغارق في متاهات تنظيمية و سياسية بعد حله من قبل سلطات نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

رفض طلب السيسي

أكدت مصادر حكومية أن الجزائر رفضت طلبا مصريا مدعوما من دول خليجية بتصنيف جماعة الإخوان على لائحة المنظمات الإرهابية، ولفتت المصادر ذاتها إلى أن الرفض الجزائري مرتبط أساسا بتجنب السلطة الدخول في متاهات أخرى مع فصيل سياسي تجــذر شعبيا و تموقع حزبيا. و شددت المصادر أن ذلك كاد يتسبب في نشوب ”عداء“ بين النظامين الجزائري والمصري بفعل إصرار عبد الفتاح السيسي على جر الجزائر إلى تطبيق ”الحد“ على الإخوان، لكن نأي نظام عبد العزيز بوتفليقة بنفسه عن ”صراعات السيسي مع جماعة مرسي“ ما هو في حقيقة الأمر إلا وليد قناعة مفادها أن ”التجربة السياسية للإخوان في الجزائر ذات خصوصية منشأ و واقعا“، إضافة إلى صداقات الرئيس بوتفليقة شخصيا مع الشيخ راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة في الجارة تونس الذي صرح قائلا:“إني أتواصل بشكل مستمر مع أخي عبد العزيز بوتفليقة  طلبا للنصح والتوجيه“.هذه العلاقة الحميمية لبوتفليقة مع زعيم الحزب الإسلامي الذي قاد المرحلة الانتقالية في تونس، كانت وراء حرص الأخير على ”رفض الخوض في شؤون داخلية جزائرية تتعلق بالأحزاب الإسلامية“ كما عبر عنه شخصيا في عديد المرات.

ben yeza

ويقول الدكتور يوسف بن يزة أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة باتنة إن رد الجزائر على الموقف المصري نابع من ”كونها تتعامل مع نشطاء التيار الإسلامي كأحزاب جزائرية خالصة مؤطرة و مضبوطة بقوة القانون وخاضعة لسلطة الدولة لا كفروع لتنظيم دولي“. ويجزم الدكتور بن يزة أن السلطة في الجزائر مقتنعة بأن التجذر الشعبي للإسلاميين يشكل لها وعاء انتخابيا مهما في المواعيد السياسية، مرتكزا في تحليله على ”قيام السلطة بتجنيد بقايا الحزب المحظور ومناضلي الأحزاب الإسلامية المعتمدة للتصويت على المرشح عبد العزيز بوتفليقة“ حين ترشح  في الانتخابات الرئاسية لشهر نيسان / أبريل عام 1999 و حقق فيها فوزا عريضا في أعقاب انسحاب منافسيه الستة وعلى هذا النحو سارت السلطة حيث استفادت من تصويت الإسلاميين في استفتاء الوئام المدني الذي عرضه الرئيس الفائز عبد العزيز بوتفليقة على الشعب في بداية حكمه يوم 16 تشرين الثاني- نوفمبر 1999، و صوتت حركة مجتمع السلم لصالح بوتفليقة في انتخابات أخرى منحته ولاية ثانية في 8  نيسان / أبريل عام 2004 ثم انتخابات الولاية الثالثة في 9 نيسان- أبريل 2009.

المأزق المصري يغتال الحلم !

المؤكد أن طموح الإسلاميين في بلوغ الحكم توقف بعدما جاهدوا أنفسهم للوصول إلى السلطة، حين انتعشت آمالهم وشحنت بطارياتهم على خلفية موجة ما سمي بالربيع العربي، التي اندلعت شرارته سنة 2011 في تونس الجارة الشرقية للجزائر، و أوصلت رياحها رئيسا إخوانيا إلى الحكم  في مصر لأول مرة، إضافة إلى انتقال الإسلاميين إلى الصفوف الأولى في ليبيا بعد الإطاحة بنظام معمر القذافي.

و يعترف رئيس حزب إسلامي شغل منصب وزير ، بأن ما يصطلح عليه هو ورفاقه بــ“الانقلاب العسكري على شرعية الرئيس محمد مرسي في مصر كان بمثابة اغتيال حلمهم في رئاسة البلاد بعد عقود من النضال“.

خيارات المستقبل

هناك عدة قراءات تحدد مستقبل الإخوان في الجزائر انطلاقا من تجربة تعامل السلطة معهم ، مستفيدين من المراجعات الذاتية وتجديد الطروحات الفكرية و المنطلقات السياسية التي يقومون بها لتفادي تكرار سيناريو الأزمة الأمنية، التي لا تزال البلاد تجتر عواقبها الوخيمة بعد الحصيلة الثقيلة لأعمال العنف والإرهاب، إضافة إلى درء ”شرور“ انتفاضات الربيع العربي. لكن تلك القراءات تكاد تجمع على أن الطرفين سيلجأن في كل الأحوال إلى التعايش وحتى وإن تصادما بين الفينة و الأخرى فهما يشتركان في امتلاكهما أدوات التوازن و التفاوض، كما يتفقان على رفض تدويل الخلافات البينية بين المعسكرين و اعتبار ما بينهما شأن داخلي يخص الجزائريين دون غيرهم.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com