هل ستفجر غزة حربا جديدة؟

هل ستفجر غزة حربا جديدة؟

المصدر: إرم– من مدني قصري

يرى المراقبون أنه بعد مرور ستة أشهر على عملية “ الجرف الصامد“ الذي قتل فيها 2200 فلسطينيا ودمر أكثر من 10 آلاف منزل، يواصل قطاع غزة انحداره البطيء نحو الجحيم. فالإعمار متعثر، والحصار المفروض على القطاع حصار أكثر إحكاما من أي وقت مضى، والوضع الأمني في تدهور متزايد. وتظل حركة المقاومة الإسلامية، التي تولت السلطة بالقوة في يونيو 2007، أقوى الفصائل جميعا. ولكن الغياب التام للآفاق يعزز نمو مجموعات أكثر فأكثر تطرفا، تتحدى قيادة حماس، ويراهن بعضها على حرب جديدة لكسر الجمود والخروح من الطريق المسدود.

تعثر

في غياب مفاوضات حول رفْع محتمل للحصار الذي تفرضه إسرائيل أنشأت الأمم المتحدة في أوائل أكتوبر المنصرم ”آلية“ يفترض أن تعمل على تسهيل تموين قطاع غزة بمواد البناء. فهذا النظام الذي اشترطته الدولة العبرية والذي تديره السلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس، يهدف إلى التأكد من أن المواد المسلّمة لإعادة بناء المنازل التي هدمت لا تُهرّب من قبل حماس لأغراض عسكرية، ومنها على سبيل المثال تطوير أنفاق هجومية جديدة.

ويرى نبيل أبومعيلق الذي يرأس الجمعية الفلسطينية لشركات البناء أن الكميات التي تصل القطاع عبارة عن قطرة ماء. وحسب هذا فإن الاحتياجات الحالية تقدر بـ10 آلاف طن من الأسمنت يوميا. لقد تم تخصيص الجزء الكبر من هذه المواد لإصلاح أضرار طفيفة، ولذلك فلم تبدأ لحد الآن أي ورشة إعمار حقيقية، إذ تبدو أحياء بأكملها في أعقاب الحرب، كأن زلزالا قويا ضربها. ويقول الاقتصادي عمر شعبان ”لا يزال نحو 200 ألف شخص يقيمون في مدارس الأمم المتحدة، فيما يقيم 40 ألف عند أقاربهم“.

ففي أواخر شهر يناير، أعلنت وكالة الغوث لللاجئين الفلسطينيين ”الأونروا“ لأسباب تتعلق بعدم وجود تمويل، تعليق برنامج المساعدة المالية المخصصة لـ 96 ألف أسرة تضررت منازلها من جراء الحرب. وقد قال كريستوفر جونيس المتحدث باسم الأونروا ”إن العالم قد تخلى عن غزة“. وقد أطلق بان كي مون، الأمين العام للأمم المتحدة، مؤخرا نداء دوليا للمانحين لكي يسرعوا بدفع الأموال التي كانان قد وعدوا بها في مؤتمر القاهرة في أكتوبر 2014 . وحسب أحد التقديرات التي طرحها دبلوماسي أوروبي، فلم يتم الإفراج إلى على 5٪ من الـ 5.4 مليار المعلن عنها في ذلك الوقت.

موقف السكان

تفيد التقارير أن عدة مئات من سكان غزة فروا من جيب القطاع بسبب الفوضى التي أعقبت نهاية الحرب، وتوجهوا بمساعدة من المهربين، نحو مصر. فلا يمر أسبوع واحد من دون أن يغامر سكان آخرون بعبور السياج الذي يفصل الحدود مع إسرائيل. فمنذ وقف إطلاق النار تفاقم تدهور الأوضاع المعيشية وبدأت إشارات التململ ونفاد الصبر تتضاعف. وفي يوم 28 يناير، قام مئات من الناس باقتحام مبنى للأمم المتحدة للتنديد بتعليق المساعدات المالية التي تدفعها الأونروا.

ويزداد السخط تأججا بسبب التأخر في دفع رواتب موظفي الخدمة المدنية، بما فيهم الموظفون في صفوف الشرطة. يقول مخيمر أبو سعده، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر الذي يربط بين هذا التدهور التدريجي للمجتمع الغزي وبين تصاعد الجماعات السلفية أن ”هذا الوضع يفسر تدهور الوضع الأمني المستمر منذ عدة أشهر“.

ويضيف أن بعض هؤلاء السلفين يعلنون انتماءهم لتنظيم الدولة الإسلامية، ويبدو أن الذي يحفزهم أكثر على ذلك استيلاء الدولة الإسلامية على الموصل، في العراق، في حزيران 2014. وفي هذا الشأن يقول أحد الخبراء في شؤون غزة ”إن أنصار هذا الفكر والمرشحين للجدهاد الآن بالآلاف“، مؤكدا في سايق متصل أن ”الجناح المسلح لحركة حماس، ولا سيما المتشددين فيه على الأقل، صاروا أكثر تأثرا بالخطاب السلفي المتصاعد“.

تأثير حماس

يقول الخبراء أن قدرة الحركة الإسلامية على فرض النظام في قطاع غزة، وخاصة على ضمان سلامة الرعايا الأجانب، تشكل منذ فترة طويلة السمة البارزة في سلطتها القوية. لكن بعض الإشارات تدعو اليوم للتساؤل إن لم يكن القطاع ينزلق اليوم تدريجيا نحو شكل من أشكال الفوضى.

ففي مطلع نوفمبر/ تشرين الثاني، تسببت نحو عشرة انفجارات إجرامية في إتلاف مركبات ومنازل معارضين بارزين لحركة حماس. وفي وسط غزة، أصيب المعهد الفرنسي بأضرار بالغة بعد تعرضه لهجومين بالعبوات الناسفة يوم 7 أكتوبر و 12 ديسمبر. وفي 19 يناير/ كانون الثاني قامت عدة مئات من المتشددين السلفيين بالتظاهر بالقرب من هذه المؤسسة للتنديد بنشر الرسوم الكاريكاتورية ضد النبي محمد في عدد من مجلة شارلي ابدو نشرت بعد الهجمات التي شهدتها باريس.

وفي هذا السياق يقول المحللون أن موقف حماس من هذه الأحداث التي أحرق فيها العلم الفرنسي ورُفعت فيها الشعارات المهددة بقتل المواطنين الفرنسيين، والمتوعدة بظهور داعش في القطاع، وهو ما أدى إلى تقليص الدبلوماسيين الفرنسيين لمهامهم في القطاع إلى الحد الأدنى، ومنها الإجلاء المؤقت لعشرات المواطنين الذين يعملون في منظمات إنسانية، موقف سلبي واضح، وهو ما يمثل ظاهرة جديدة، تجعل المراقبين الأجانب حائرين في إيجاد أجوبة مقنعة لهذه السلبية من قبل حماس.

وتقول الصحيفة أنه من الصعب في الواقع أن نتصور جناح حماس المسلح، القوي بمقاتليه الذين يقدرون بـ 15 إلى 20 ألف شخص، عاجزا عن فرض قيود على هذه الجماعات السلفية.

يقول أحمد يوسف، المستشارالسياسي لرئيس الوزراء السابق إسماعيل هنية ”إنهم لا يهددون استقرار غزة في الوقت الحالي، لكن الوضع يمكن أن ينفجر إذا لم تعجل السلطة الفلسطينية بتحمل مسؤولياتها في إعادة إعمار غزة ”. ولا يستبعد السياسي مخيمر أبو سعده، من جهته، أن تستخدم حماس السلفيين في مساوماتها مع إسرائيل. وأضاف ”إنها طريقة تريد بها حماس أن تقول للعالم: ”لعلكم لا تحبوننا، لكن الذين سيأتون من بعدنا أسوأ منا بكثير“.

هذا فيما يقدر مراقبون آخرون أن حماس منقسمة على نفسها حول الرد الذي ينبغي التعامل به مع الجماعات السلفية، الفرع الأكثر تصلبا في الحركة.

إعادة تسليح

يقول الخبراء إن حماس التي توعدت طوال الحرب بكسر الحصار المفروض منذ عام 2007 في قطاع غزة، لم تحقق غرضها. فتحت ضغط السكان المتنامي قد يميل القادة الأكثر تطرفا في الحركة إلى إطلاق مواجهة عسكرية جديدة مع إسرائيل، من أجل نسيان الفشل الذي تكبدوه. ففي أوائل فبراير تلقى نحو 17 ألف مراهق فلسطيني تدريبا عسكريا وجيزا في ”معسكرات“ لكتائب عز الدين القسام.

يقول الكابتن أمير يانيف، رئيس الوحدة الدورية التي استولت مؤخرا على 900 كجم من الألياف الزجاجية السائلة ”لقد تكثف تهريب الأسلحة بحرا إلى غزة بشكل كبير في الأشهر الأخيرة، لتصنيع الصواريخ“. ويضيف ضابط كبير، تحت غطاء عدم الكشف عن هويته: ”نحن نرى أنهم عادوا للعمل في الأنفاق، وعلى مدى أيام الأسبوع، ومدار الساعة. إنهم يُعدّون الأسمنت تحت الأرض، حتى يفلتوا من أعيننا. وهكذا فإن معظم الأسمنت الذي نسمح بدخوله إلى غزة يباع في السوق السوداء، وينتهي به المطاف إلى أيدي حماس“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com