تونس تلتفت لاقتصادها العليل

تونس تلتفت لاقتصادها العليل

تونس- تعهد رئيس الوزراء التونسي الجديد، الحبيب الصيد، في أول ظهور له الأسبوع الماضي، بإصلاحات اقتصادية سريعة تمكن بلاده من إنعاش الاقتصاد العليل، وتحقيق طفرة اقتصادية ترافق نجاح البلاد في الانتقال إلى ديمقراطية كاملة بعد أربعة أعوام من الثورة.

ولكن أولى خطوات حكومة الصيد جاءت متعثرة بعد أول امتحان. فبعد يومين فقط من تسلم حكومة ائتلاف جديدة السلطة في تونس، خرج آلاف التونسيين في جنوب البلاد للاحتجاج ضد ضريبة على السفر انتهت بمقتل شاب برصاص الشرطة، وأجبرت الحكومة على التعهد بإلغاء الضريبة.

وتسلمت حكومة ائتلاف تضم علمانيين وإسلاميين الحكم، لتنقل تونس إلى مرحلة الديمقراطية الكاملة بعد المصادقة على دستور جديد وانتخابات حرة العام الماضي. وحظي انتقال تونس الديمقراطي بإشادة واسعة، وأصبح ينظر إليها على أنها مثال للتوافق بين الخصوم السياسيين في المنطقة المضطربة.

لكن بعد أربعة أعوام من الثورة، ما زال الكثير من التونسيين يشعرون بالضيق في ظل غلاء الأسعار وتفاقم معدلات البطالة في البلد الذي يعتمد أساسا على صناعة السياحة مع موارد طبيعية شحيحة عكس جارتيه ليبيا والجزائر.

ومنذ 2011 يحث المقرضون تونس باستمرار على إصلاحات اقتصادية لإنعاش نمو اقتصادها وتقليص عجز الميزانية عبر خفض الدعم لكثير من المواد الأساسية والبنزين.

وقبل أشهر فرضت الحكومة الانتقالية ضريبة مغادرة على المسافرين الأجانب قيمتها 20 دولارا للفرد.

وأثارت هذه الضريبة غضب سكان المناطق الحدودية مع ليبيا، التي فرضت بدورها ضريبة مماثلة على المسافرين التونسيين إليها مما أثار غضبهم ودفع بالآلاف من التجار للخروج في احتجاجات عنيفة ضد قوات الأمن وانتهت بمقتل شاب برصاص البوليس وإصابة آخرين.

وفي أول خطاب له، الأسبوع الماضي، أمام البرلمان، تعهد رئيس الوزراء الحبيب الصيد، بأن يبدأ فورا إصلاحات هيكلية للاقتصاد يطالب بها المقرضون.

وقال الصيد: ”بعد نجاح الانتقال الديمقراطي يتعين أن ننجح الانتقال الاقتصادي، ودفع النمو، ومحاربة الفقر، وإيجاد نوافذ أمل جديدة للشبان اليائسين.“

وأضاف ”يتعين وقف الحلول المؤقتة والمسكنات والبدء فورا في إصلاحات هيكلية للاقتصاد بمخططات تنمية جديدة“.

ورغم أن حكومة الصيد تضم الأحزاب الرئيسية وتحظى بدعم قوي في البرلمان، إلا أن الطريق لا تبدو سالكة أمامها لتنفيذ الإصلاحات التي تعهدت بها.

وقال سامي مجدوب، وهو شاب عمره 30 عاما، وعاطل عن العمل: ”ماذا يعنون بهذه الإصلاحات..طاعة صندوق النقد والغرب؟ الإصلاحات تعني مزيدا من البؤس والتضحيات من طرفنا نحن. أولويتهم يجب أن تكون إيجاد فرص عمل وليس رفع الأسعار.“

ويظهر تراجع الحكومة عن فرض ضريبة السفر صعوبة تطبيق بعض الإصلاحات في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة، وارتفاع البطالة، التي زادت من حوالي 12% في 2010 إلى 15.2% الآن.

لكن من بين الخطوات المتوقع فرضها بدعم من المقرضين، المزيد من الرسومات، وخفض الدعم على الوقود، وبعض المواد الغذائية.

وبدأت الحكومة الانتقالية العام الماضي بعض الإجراءات، لكنها لم تكن كافية لتوقعات صندوق النقد والبنك الدولي، الذي طالب بتسريع وتيرة الإصلاحات.

ويقول الصحافي زياد كريشان: ”الإصلاحات الاقتصادية أصبحت مثل الحلم المستحيل.. الجميع يريد الإصلاحات، لكن لا أحد يريد التفريط في بعض مكاسبه.“

وبينما تسعى الحكومة الجديدة لخفض الإنفاق، طالب اتحاد الشغل، الذي يتمتع بتأثير قوي، ببدء مفاوضات سريعة خلال وقت قريب بهدف زيادة رواتب أكثر من 800 ألف موظف في القطاع العام.

وقال الاتحاد إن ”هذه الخطوة ضرورية، ولا يتعين التأخر عنها بعد مماطلة الحكومة الانتقالية“.

ويلقى الطلب موافقة من البرلمان، لكن حكومة الصيد لم تقل كلمتها حتى الآن، وربما تجد نفسها مضطرة لتحقيق مطلب الاتحاد عبر زيادة نفقات أخرى.

وقالت مصادر إن ”الاتحاد سيطالب بزيادة لا تقل عن 6% في أجور الموظفين. ويبلغ حجم كتلة الأجور في تونس في 2015 حوالي 11 مليار دينار من إجمالي ميزانية قميتها 29 مليار دينار.

وربما يجد اتحاد الشغل، الذي يضم حوالي مليون عضو، نفسه مضطرا لتنظيم اضرابات عامة ربما تكلف الاقتصاد مئات ملايين الدولارات في حال عدم الاستجابة لمطالبه.

وقالت الحكومة الانتقالية، العام الماضي، إنها تدرس رفع سن التقاعد لخفض عجز الصناديق الاجتماعية، لكن القرار لقي رفضا كاسحا من اتحاد الشغل.

وفي الشهر الماضي، لجأت تونس لإصدار سندات بقيمة مليار دولار على السوق المالية دون ضمانات للمرة الأولى منذ 2007. وفي 2012 منح صندوق النقد الدولي قرضا لتونس بقيمة 1.74 مليار دولار، وتعهدت تونس في المقابل بالضغط على العجز وخفض الإنفاق. لكن يخشى خبراء من أن الأموال المقترضة ربما تصرف على الرواتب والزيادات.

وتخطط تونس أيضا لمراجعة نظام الضرائب بهدف حث الكثير من المهن مثل الأطباء والمحامين على دفع ضرائب أكثر لتكريس العدالة الجبائية. ومثل هذه الخطوات ربما تدفع قطاعات الأطباء إلى تنظيم إضرابات عن العمل.

وقال الصيد إنه سيجري كذلك مكافحة التهريب لدعم مداخيل الدولة، وهو أمر لا يبدو بسيطا خصوصا في المدن الحدودية مع ليبيا، التي تعودت لعشرات الأعوام على هذه التجارة. وحتى خلال حكم بن علي كان هناك تساهل مع التهريب في هذه المناطق التي تفتقر لمشاريع تنموية أخرى. ويطالب أهالي هذه المناطق بمشاريع لوقف التهريب.

وقال محمد عماري، وهو مواطن من بلدة الذهيبة الحدودية، في تصريح صحافي: ”نريد مشاريع وفرص شغل وسنترك تهريب البنزين وبعض المواد الإلكترونية من ليبيا. تجارة التهريب هي تجارة موت ونحن لسنا فرحين بها، لكن مضطرين لها.. من يوقف تجارتنا سنتصدى له سواء كان إسلاميا أو علمانيا.. نظام قديم أو نظام جديد“.

ورغم كل الصعوبات، هناك بعض المؤشرات الأخرى المشجعة التي ربما تسهل على حكومة الصيد إجراء جزء من الإصلاحات خصوصا في قطاع الطاقة تزامنا مع هبوط أسعار النفط إلى أقل من التوقعات.

وسيكون الاستقرار السياسي أمرا مهما للمستثمرين الأجانب للعودة لتونس وتوفير مزيد من فرص العمل داخل البلاد. ومن شأن خفض البطالة في المناطق الداخلية أن يساعد الحكومة على تنفيذ بعض إصلاحاتها دون الخوف من احتجاجات عنيفة شبيهة بتلك التي قتل خلالها شاب في الذهيبة.

ويقول الخبير الاقتصادي معز الجودي: ”الإصلاحات ربما تكون مؤلمة دون شك لكن ليس هناك الكثير من الخيارات المتاحة.. نحن أمام حتمية البدء فيها وبسرعة أيضا.“

ويضيف الجودي ”يتعين الاستفادة أيضا من تراجع أسعار البنزين في السوق العالمية، والذي ربما يستمر لأشهر إضافة إلى انتعاش نسبي للنمو في أوروبا واستقرار سياسي في تونس.“

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com