الموصل بين سندان ”التحرير“ ومطرقة اقتلاع أفكار ”داعش“

الموصل بين سندان ”التحرير“ ومطرقة اقتلاع أفكار ”داعش“

نينوى – تعيش مدينة الموصل، مركز محافظة نينوى، في العراق، حالة من الترقب والانتظار المغلف بالخوف والقلق مع تواتر الأنباء من قادة عراقيين وقادة بالتحالف الدولي عن اقتراب عملية برية كبرى لتحرير المدينة من قبضة تنظيم الدولة الإسلامية ”داعش“.

وبحسب سكان محليين، فإن الوضع الاقتصادي في الموصل يعد أحد أبرز الأوضاع التي تعرضت لحالة من الجمود والركود، في ظل الإحجام والتدني في حالة التداول والحركة التجارية بيعا وشراء، ومع توقف إنتاج المصانع وانعدام استيراد البضائع من خارج العراق جراء عزل المحافظة عن العالم الخارجي وقطع جميع الطرق المؤدية إليها ومنها.

أحمد النجار، أحد وكلاء السيارات وتجار قطع الغيار في مدينة الموصل، قال إن ”أعمال بيع وشراء السيارات في المدينة شهد توقفا شبه تام منذ العاشر من حزيران/ يونيو الماضي (تاريخ سيطرة داعش على المدينة) للعديد من الأسباب في مقدمتها الركود الاقتصادي الذي يخيم على الحركة التجارية في المدينة وكذلك إغلاق الدوائر الحكومية الخاصة بضمان تسيير المعاملات الرسمية“.

النجار، أضاف أنّ ”أغلب ممتهني تجارة السيارات بدأوا بالعزوف عن هذه المهنة والبحث عن مهن أخرى وإن كانت معدومة ونسب الظفر بها ضئيلة جدا لا سيما بعد ارتفاع نسب البطالة بين صفوف الشباب الموصلي“.

ووصلت نسب الفقر في الموصل إلى 30% في النصف الثاني من العام المنصرم 2014 بعد أن كانت 19% في عام 2013، حسب الإحصائية الأخيرة الرسمية الصادرة عن وزارة التخطيط العراقية.

الخبير الاقتصادي العراقي، مظفر البكري، يرى أن من أسباب الركود الاقتصادي الذي خيم على الموصل ومهنها بشكل واضح هو ”توجه اهتمام سكان الموصل نحو توفير المواد والاحتياجات الغذائية وتخزينها في منازلهم لتجنب الكوارث الإنسانية التي قد تحصل مع انطلاق موعد العملية العسكرية الكبرى في الربيع المقبل وهو الموعد الذي أعلنه التحالف الدولي في أكثر من مناسبة“.

وأضاف البكري أنّ ”سكان الموصل لا يهتمون الآن للاحتياجات الأخرى بقدر اهتمامهم لما يمكن أن يضمن لهم استمرارية الحياة“.

ويرى الأكاديمي والمحلل السياسي أشرف النعيمي، أنّ المواطن في مثل هذه الأجواء ”لا يمكنه التفكير إلا بالوسائل التي تؤمن له الحياة وتبعد عنه المخاطر لفترة أطول خاصة وأن المستقبل مجهول وغامض ولا يمكن التنبؤ به في أي حال من الأحوال“.

جمود مفاصل الحياة العامة

وامتدت حالة من الترقب والخوف إلى مرافق الحياة العامة الأخرى لتشمل كافة نواحيها، فاليوم تبدو الحياة معدومة في دوائر الموصل ومؤسساتها الحكومية والأهلية فيما تشهد الأوضاع الحياتية الأخرى تدهورا خطيرا.

ويصف الناشط في مجال المجتمع المدني محمد عز الدين، هذه الأوضاع، بالأمر ”الاعتيادي“ ليوضح وصفه بالقول إن المدينة ”سجلت رقما قياسيا بخروجها عن سيطرة الدولة منذ نصف عام دون أن تمد بالخدمات والاحتياجات اللازمة لها طيلة هذه الفترة مع وجودها تحت قيادة عناصر مسلحة ينصبّ جلّ اهتمامهم على القتال والأمور العسكرية ولا يعيرون اهتماما للحياة المدنية“.

وحسب سكان محليين، فإن اتخاذ تنظيم ”داعش“ من الدور السكنية والمراكز الحيوية والمرافق الخدمية في المدينة مقرات لتجمع عناصره أثار حفيظتهم وولد لديهم شعورا بالنفور والغضب خشية إلحاق الضرر بهم خلال استهداف التنظيم من قبل طيران التحالف الدولي.

ويعاني الشارع الموصلي من فرض حظر تجوال غير معلن منذ الساعة الرابعة مساء، فالمراكز التجارية تغلق أبوابها والشوارع تخلو من المارة خوفا من القصف.

إن الوضع العام الذي تعيشه المدينة كما يروي الباحث الاجتماعي والأستاذ في جامعة الموصل سنان الطائي، ”مجردة من مظاهر الحياة ومتعتها ولا توجد هناك رغبة في العمل لغياب الهدف“، مستدركا أن التنظيم ”يحاول جعل الموصل معزولة عن العالم وتجريدها من كل الأمور الإيجابية فهو يكرس جهده لحث الشباب على القتال والمواجهة ويمنعهم من التوجه نحو الابتكارات الحياتية والتطور لضمان بقائه في المنطقة لفترة أطول“.

ويواصل الطائي تحليله لآلية التنظيم في التعامل مع المجتمع الموصلي، بالقول إن ”اتجاه هذا التنظيم لبث أفكاره لفئة الأطفال من خلال فتح عدد كبير من المدارس وتدريس مناهجه فيها محاولة منه لتعزيز سيطرة فكره على المنطقة“.

ولفت الطائي إلى أن هذا الأمر ”له خطورة كبيرة جدا على المجتمع العراقي والمجتمع العربي عامة كون إزالة تأثيرات هذا الفكر ستتطلب وقتا طويلا جدا فكل الآراء تشير إلى أن صعوبة الوضع في مدينة الموصل لا تكمن في الخلاص من التنظيم وإنما في الوقت الذي ستحتاجه المدينة لإزالة آثار فكر هذا التنظيم الذي تغلغل في مرافق الحياة كافة وأصبح كالمرض المستعصي على الأطباء إزالته“.

غياب الموصل عن الخريطة

الموصل التي كانت تعد ثاني أكبر المدن العراقية بعد العاصمة بغداد وأول المدن العراقية من حيث التنوع الديني والمذهبي، لم تعد كذلك بعد فرار آلاف المسيحيين والايزيديين منها وعدم توجه أي مدني من أبناء المحافظات العراقية الأخرى إليها منذ العاشر من يونيو/حزيران الماضي خوفا من استهدافه من قبل التنظيم، حسبما ذكره سائقو النقل على طريق بغداد ـ الموصل الدولي.

حيث يقول سائقون كانوا يعملون على الطرق المؤدية للموصل إنهم لم ينقلوا مدني واحد إلى الموصل منذ نصف عام وإنهم بدأوا العمل على خطوط النقل الأخرى للحصول على لقمة العيش.

وتشهد الأوضاع الميدانية في المدينة وما حولها عمليات كر وفر بين مسلحي التنظيم من جانب والقوات العراقية وقوات البيشمركة مدعومة بالضربات الجوية لطائرات التحالف الدولي من جانب آخر، رغم ما يتم تداوله عن استعادة القوات الحكومية خلال الشهور الأخيرة لبلدات وقرى كان التنظيم يسيطر عليها، لتبقى الموصل رهينة لحالة من الترقب لمعركة ”تحرير“ ثنائية تشمل تحرير الأرض من سيطرة تنظيم ”داعش“ وتحرير عقول الموصليين من الأفكار التي قد يكون التنظيم المتشدد بثها في عقول شبابهم وأبنائهم.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com