مدينة طرابلس من ”قندهار“ لبنان إلى ”عروس الثورة“‎ – إرم نيوز‬‎

مدينة طرابلس من ”قندهار“ لبنان إلى ”عروس الثورة“‎

مدينة طرابلس من ”قندهار“ لبنان إلى ”عروس الثورة“‎

المصدر: أ ف ب

منذ أيام، يتحول ليل طرابلس في شمال لبنان التي وُصِفت يومًا بـ“قندهار“ لبنان، إلى مسرح كبير يصدح بالأغاني وحلقات الرقص وأناشيد حماسية، ليكسر آلاف الشبان والشابات الصورة النمطية لمدينة محافظة ارتبط اسمها بالحروب والتطرف والفقر.

ويتدفّق الآلاف من مختلف مناطق الشمال يوميًّا منذ ليل الجمعة إلى ساحة عبد الحميد كرامي المعروفة بساحة النور في المدينة الساحلية تنديدًا بالظروف المعيشية الصعبة والبطالة والفساد، كما هي الحال في بقية المناطق. لكن التظاهرات فيها سرعان ما اتخذت طابعًا احتفاليًّا استثنائيًّا.

وتتحول التظاهرات إلى حفلة راقصة في الهواء الطلق حول مجسم كبير مضاء لكلمة ”ألله“، يعكس طابع المدينة ذات الغالبية السنية المحافظة. ويرفع المعتصمون هواتفهم الخلوية مضاءة كالشموع، ويتمايلون على إيقاع موسيقى وأغانٍ صاخبة تتنوع بين الوطنية وتلك الحماسية الرائجة في صفوف الشباب.

وباتت المدينة محط أنظار اللبنانيين ووجهة وسائل إعلام محلية تفرد هواءَها للبث المباشر، بعدما كانت تتسابق قبل سنوات على مواكبة جولات اقتتال دامية شهدتها وتصوير أطفال يحملون الأسلحة أو تقصي أخبار إسلاميين متشددين في المدينة.

وتقول الطالبة الجامعية أمل (22 عامًا) ”دفعت طرابلس ثمنًا باهظًا جراء النظام السياسي القائم في البلد، وحملت وصمة الإرهاب وكان الجميع يخاف من الدخول إلى المدينة باعتبارها متشددة وإسلامية“.

وتوضح أن مدينتها ”عكس ذلك تمامًا (…) وجاءت هذه المناسبة المطلبية لنعبّر فيها عن مطالبنا بإسقاط السلطة“، مؤكدة أنها ”فخورة“ لأنها ”جزء من تحرك عكس الطابع الحضاري لطرابلس“.

وشهدت المدينة نزاعات عدّة على مدى عقود، والتحق مئات من أبنائها بالمقاتلين ضد النظام في سوريا المجاورة بعد اندلاع النزاع عام 2011. ولاحقت السلطات اللبنانية مجموعات إسلامية متشددة، وأوقفتهم بتهم التخطيط والمشاركة في عمليات إرهابية واعتداءات في لبنان، أو التوجه إلى سوريا للالتحاق في صفوف التنظيمات الإسلامية.

وشهدت المدينة في الفترة الممتدة بين العامين 2007 و2014، عشرين جولة اقتتال على الأقل بين سكان جبل محسن ذي الغالبية العلوية وسكان التبانة ذي الغالبية السنية، زاد النزاع السوري من طابعها الطائفي. وتوقفت مع فرض الدولة خطّتها الأمنية في عام 2014.

كما تعرضت لتفجيرات استهدف أبرزها مسجدين في المدينة صيف 2013؛ ما أوقع 45 قتيلًا وعشرات الجرحى، كما تتعرض مراكز الجيش فيها بين الحين والآخر لاطلاق قذائف واعتداءات.

عرس

تعد مدينة طرابلس عاصمة شمال لبنان لكنها تعاني إهمالًا شديدًا لمرافقها ويعيش 57 % من سكانها عند خط الفقر أو دونه، بينما يعاني 26 % فقرًا مدقعًا، وفق دراسة للأمم المتحدة عام 2015.

وفي الأيام الأولى للحراك الشعبي، مزّق المتظاهرون صورًا للزعماء تنتشر في الأحياء الفقيرة وعلى المحال والأعمدة الكهربائية، دون أن يستثنوا أحدًا، وفي مقدّمهم رئيس الحكومة سعد الحريري الذي كان يحظى بشعبية كبيرة، إضافة إلى زعماء سنة محليين بينهم رجال أعمال يعدون من أبرز أثرياء لبنان.

وبعدما انتشرت مقاطع فيديو مصورة في المدينة على مواقع التواصل الاجتماعي وعبر الإعلام، انضم متظاهرون من مختلف المناطق المجاورة إلى التحرك. وعبر مكبرات الصوت، يوجه المتظاهرون تحية إلى منطقتي زغرتا وبشري ذات الغالبية المسيحية والضاحية الجنوبية ذات الغالبية الشيعية ومناطق أخرى.

ويصف محمود شواك (50 عامًا) الذي يرأَس جمعية محلية تُسهِم في تنظيم التظاهرات، ما تشهده المدينة بأنه ”عرس بكل ما للكلمة من معنى“.

واختار أحد المتظاهرين أن يطلق على المدينة لقب ”عروس الثورة“.

ومن اليوم الأول، بادر مهدي كريمة (29 عامًا)، منسق موسيقى في المدينة، إلى تسلق سطح بناء مطل على الساحة مع عدد من أصدقائه وأجهزته الموسيقية، ليبدأ تنسيق موسيقى وأغان شكلت نقطة جذبٍ كبيرة للمتظاهرين.

ويقول كريمة، الذي لم يتخيل يومًا أن مبادرته الفردية ستتحول عدوى تجتاح مناطق أخرى ”قمتُ بهذه المبادرة بشكل فردي مع عدد من أصدقائي، وقد أسهمت بإعطاء طابع حضاري لتظاهرة طرابلس، وقد باتت حديث جميع اللبنانيين“.

أثرياء.. وحرمان

تطوعت مؤسسات محلية وأفراد لتوزيع حلويات تشتهر بها المدينة على المتظاهرين أو وجبات طعام وعبوات مياه وعصير الليمون، بينما يجد فقراء المدينة الذين يبيعون الفول المسلوق وعرانيس الذرة في هذه التجمعات مصدر رزق لهم.

وعلى غرار بقية المناطق اللبنانية، يتخذ الحراك المطلبي طابعًا اقتصاديًّا بالدرجة الأولى في المدينة التي تعاني إهمال الدولة لها؛ ما أدى إلى عدم تشغيل مرافقها الحيوية والاقتصادية وحولها مدينة معزولة.

وتضم المدينة مرفأً ذا موقع إستراتيجي بين لبنان وسوريا، بقي مهملًا لأكثر من نصف قرن، إضافة إلى تحفة معمارية من تصميم البرازيلي أوسكار نيماير أشهر معماريي العالم في القرن العشرين، لكنها مهدّدة بالانهيار في حال لا يُصار لترميمها.

وبينما تضمّ طرابلس أثرياء من سياسيين ورجال أعمال، تنقسم المدينة عموديًّا بين أحياء فقيرة تعاني  الحرمان وضواحٍ غنية.

وتقول وفاء خوري (48 عامًا) وهي ناشطة اجتماعية ”نريد طبقة حاكمة لديها كرامة مثلنا، ونريد دولة مدنية، وفصل السلطات، وفصل الدين عن السلطة“.

وتراجعت خلال الانتخابات النيابية الأخيرة عام 2018 شعبية تيار المستقبل الذي يتزعمه الحريري، الذي لطالما وعد أهالي المدينة الذين يشكلون حاضنة شعبية له بالإنماء وتحسين شأن المدينة.

ويقول الطبيب والناشط الاجتماعي نافذ مقدّم (60 عامًا) ”تثور طرابلس، تثور لأنها مظلومة ومقهورة“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com