الحرب تعيد تشكيل الخارطة السكانية في سوريا

الحرب تعيد تشكيل الخارطة السكانية في سوريا

المصدر: دمشق- من ربى الحايك

تشهد سوريا تغييرات ديمغرافية متسارعة تتمثل في نزوح سكاني داخلي قوي وباتجاهات مختلفة بسبب الأزمة التي تشهدها البلاد منذ عام 2011.

وغادر كثيرون أماكن إقامتهم بسبب ما لحق بمناطقهم من دمار، وحفاظاً على أنفسهم وعلى عائلاتهم، ليتوزعوا على بعض المناطق التي تعدّ آمنة مقارنة من غيرها، فضلا عن أن هناك من هاجر خارج البلاد.

الخريطة السكانية

تشير تقارير إلى أن ما يزيد عن ثلث سكان سوريا نزحوا من مكان إقامتهم الاعتيادي إلى مكان آخر.

وذكر تقرير أعده المعهد العالي للدراسات السكانية في سوريا، العام المنصرم، أن الأزمة السورية أدت إلى تغيير ديموغرافي سريع نتج عنه إعادة تشكل الخارطة السكانية بسوريا من ناحية توزعهم داخل البلاد وخارجها.

وذكر التقرير أن العدد الإجمالي للسكان تراجع في نهاية عام 2013 إلى 18.35 مليون نسمة بنسبة 10.7%، مقارنة مع ما كان عليه عدد السكان عام 2010.

وجاء هذا التراجع نتيجة عوامل عدة أبرزها ارتفاع معدل الوفيات بسبب مجريات الحرب وتداعياتها على قطاعات الحياة المختلفة. وإلى جانب الخسائر البشرية بسبب المعارك، كانت الحرب سبباً غير مباشر في كثير من الوفيات التي حدثت في سوريا.

وبحسب دراسة أخرى أجراها عدد من الباحثين والأكاديميين في سوريا، سجلت الأزمة السورية ارتفاعاً في معدل الوفيات الخام من 3,6 إلى حوالي 7 بالألف، نتيجة تداعيات الأزمة والأضرار الكبيرة التي لحقت بالقطاع الصحي، وخروج عدد لا بأس به من المنشآت والمستشفيات الصحية عن الخدمة، إما بشكل كلي أو جزئي. ومن المتوقع ارتفاع معدل وفيات الأطفال الرضّع إلى أكثر من 23 في الألف، ومعدل وفيات الأطفال دون الخمسة أعوام إلى 25 بالألف.

ومن العوامل الأخرى المؤثرة في هذا التغيير، الزيادة في هجرة السوريين اللاجئين إلى دول الجوار والمهاجرين نحو دول غربية، والتي بحسب دراسات مختلفة، تصل إلى أربعة ملايين شخص. يضاف إلى ذلك مغادرة نحو نصف مليون نسمة من المقيمين في سوريا من غير السوريين.

وفيما يتعلق بمعدلات النمو، أشار تقرير أعده معهد الدراسات السكانية، إلى تراجع معدل المواليد خلال أعوام الأزمة لأسباب عدة أبرزها غياب الرعاية الصحية، وعدم التحصين باللقاحات في المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة السورية وفي مخيمات اللاجئين السوريين، وصعوبة وتراجع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في المناطق المستقرة، والتي دفعت بالعائلات إلى تحديد النسل، وعزوف الشباب عن الزواج.

تأثر الهرم السكاني

يظهر جليا مما سلف تأثر التركيبة السكانية السورية بشكل واضح، وسيزداد هذا التأثر كلما طال أمد الأزمة في البلاد.

وكشفت تقارير عدة عن طبيعة هذا التأثر، وهو ما أكدته أيضاً دراسة أعدتها الهيئة العامة للبحث العلمي في سوريا، مبينة أنه ”كلما طال زمن الأزمة تتوسع الفجوات بين بعض الفئات العمرية، وتحديداً في الفئة العمرية الأولى من ( 0-4) أعوام، وبعض الفئات العمرية النشطة إنجابياً (15-49) عاما، وذلك ليس نتيجة الوفيات غير الاعتيادية لهذه الفئات خلال هذه الفترة وحسب، بل وأيضاً نتيجة التراجع النسبي المتوقع في عدد حالات الولادة بفعل عدة أسباب مثل تأخير الزواج، أو تأجيل الحمل“.

وإذا ما كانت هذه الفجوات عميقة بفعل شدة الخسائر، أو طول فترة الأزمة، سنجدها تعيد نفسها كل جيل سكاني، ولأربعة أجيال سكانية مقبلة على الأقل.

وفي النتيجة، ومع استمرار هذه الأحداث، وتوسع دائرة التهجير، وعدم القدرة على إجراء مسوحات إحصائية في سوريا، واستمرار تغيير التركيبة السكانية، وعدم استقرارها في المناطق الطاردة والجاذبة للسكان، تتزايد التوقعات في أن تكون التأثيرات على التغييرات الديموغرافية في البلاد حادة جداً لفترات زمنية ليست بالقصيرة بعد انتهاء الأزمة السورية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com