أسرار الحقائب الوزارية التي مُنحت للنساء اللبنانيات في حكومة الحريري الجديدة

أسرار الحقائب الوزارية التي مُنحت للنساء اللبنانيات في حكومة الحريري الجديدة

المصدر: إرم نيوز

لم يكن لرئيس الحكومة اللبنانية، سعد الحريري، أن يخصص للمرأة في التشكيلة الوزارية الجديدة أقل من أربع حقائب، ما يعادل 13.3% من إجمالي العدد البالغ 30 حقيبة.

فأي نسبة أقل من هذه، كما يقول ذوو الاختصاص في قوانين واعراف المنح والمساعدات الدولية، ستعتبر خرقًا مبكرًا لخطة الإنقاذ الدولية للبنان التي جرى الاتفاق عليها في الجولة الثانية من مؤتمر ”سيدرز“ الذي انعقد بباريس في الأسبوع الأول من أبريل/نيسان  2018.

وتتوافق كل القوى اللبنانية على أن ذلك المؤتمر وتلك الخطة تعتبر ”الترياق“ الذي سينقذ الدولة من انهيار اقتصادي محتوم تحت وطأة المديونية وشلل الفساد وتراجع النمو.

مقتضيات ”التنمية المستدامة“ 

مؤتمر ”سيدرز“ انتهى برزمة مساعدات تنموية دولية مشروطة بأن يتوازى فيها الاستثمار مع الإصلاحات، بآلية تندرج، في أدبيات البنك الدولي والبنك الأوروبي وصندوق النقد الدولي، تحت تعبير ”التنمية المستدامة“ الذي يتضمن في ثناياه شراكة بين القطاعين العام والخاص بالإضافة إلى تمثيل للمرأة في السلطة التنفيذية بنسب تُقنع بجدّية هذا البرنامج.

وهذه النسبة للتمثيل النسائي في الحكومات الخاضعة لشروط المساعدات الدولية، ليس منصوصًا عليها بالأرقام، لكنها معروفة بالحد الأدنى الذي يراوح حول 15%. وأيّ نسبة أقلّ من ذلك تعني عدم الجدية في تنفيذ بنود اتفاقية سيدرز بالنسبة للمانحين الذين سيكونون موجودين بشكل ”مستدام“ للتحقق من جدية الحكومة اللبنانية في تنفيذ برنامج إنقاذها.

التفاصيل المالية التي انتهى إليها مؤتمر ”سيدرز“ هي 11.8 مليار دولار تتشارك فيها بشكل رئيسي فرنسا والسعودية مع البنك الدولي والبنك الأوروبي لإعادة التعمير، بقروض ومساعدات تتوزع على سنوات يتجاوز عددها العمر الافتراضي للحكومة اللبنانية الجديدة حتى عام 2022.

حكومة ”سيدرز“ والعمل والحد الأدنى 

ثلاثة أوصاف ذات دلالات حاكمة، جرى إطلاقها على الحكومة اللبنانية الجديدة التي يُفترض أن تنال الثقة البرلمانية هذا الأسبوع:

الوصف الأول لها أطلقه رئيسها سعد الحريري بأنها ”حكومة الأعمال وليس الأقوال“، وكان في هذا التوصيف ينقل رسالة في الجدية، أراد توصيلها لفرنسا وصندوق النقد الدولي وبقية المانحين.

الوصف الثاني وهي أنها حكومة ”سيدرز“ ،أطلقه عليها النائب والزعيم الدرزي وليد جنبلاط بعد دقائق من إعلان أسماء وزرائها. وكان جنبلاط يمنحها توصيفا أيده فيه الكثير من خبراء الاقتصاد السياسي اللبنانيين.

أما الوصف الثالث، بأنها حكومة ”الحد الأدنى“ في كل شيء مطلوب، فهو الذي عمّمه حزب الله ومحازبوه، وضمنه الأمين العام للحزب حسن نصر الله خطابه الأسبوع الماضي، الذي فسّر فيه موافقته، أو بالأحرى موافقة إيران، على إنهاء مرحلة التعطيل الأخيرة التي دامت تسعة أشهر.

شعار الحكومة ”الحد الأدنى في كل شيء“، جرى تنفيذه في مسودّة البيان السياسي للحكومة، وكيف استخدم المهارات اللغوية من أجل أن يُمرّر الخلافات السياسية العميقة بين الفرقاء الرئيسيين، بدون أن يُلغّم التشكيلة الحكومية أو يضمن انفراطها قبل أوانها.

التمثيل النسائي في مجتمع ذكوري

في موضوع التمثيل النسائي بالحكومة والذي جاء بأربع سيدات، لأول مرة في التاريخ اللبناني، فإنه، كما جرت قراءته من طرف ذوي الاختصاص، يستوعب ويترجم المسميات الثلاث التي أُطلقت على التشكيلة الوزارية :حكومة الحد الأدنى ،وحكومة سيدرز، وحكومة الأعمال لا الأقوال.

في الكوتا الاجتماعية غير الرسمية، فإن مدنية المجتمع اللبناني ومستواه الثقافي، وقوانينه التي تعترف للمرأة بحق المساواة تقريبًا، مع الرجل، كان يُفترض بمثل هذا المجتمع أن يمثّل نفسه طوعًا، في البرلمان وبالتالي في الحكومة بأزيد كثيرًا من النسب الراهنة التي تُشكّل فيها المرأة 4 من 30 (13.3%) في الحكومة، و 6 من 128 (أقل من 5%) في مجلس النواب.

لكنها العقلية الذكورية، كما تقول دراسة سوسيولجية أخيرة صدرت من الجامعة الأمريكية في بيروت، التي تحكمها المجتمعات العربية عموما، فضلا عن أنها التركيبة اللبنانية التي تحكمها قوانين غير مكتوبة لها قوة نفاذ تماثل أو تزيد عن القوانين المكتوبة.

ولذلك لم يكن أحد يأخذ على محمل الجد كل تلك الدعاوي التي ترفعها منظمات المجتمع المدني بتحقيق المساواة بين الرجل والمرأة في التمثيل السياسي.فلبنان في قوائم الأمم المتحدة الجندرية، يقع بين أقل دول العام في تمثيل النساء بمواقع القرار التشريعي والتنفيذي. آخر هذه القوائم الأممية أظهرت أن المعدل الأقليمي لتمثيل المرأة هو 17.5%، في مقابل 4.3% كان عليها عام 1995.

خضوع لشروط الدول والمنظمات المانحة

لكن عندما اضطر لبنان أن يلجأ للمؤسسات الدولية للمانحين كما حصل في مؤتمر سيدرز، العام الماضي، لم يعد بمقدوره إلا أن يخضع لمواثيق المانحين التي تنبنى على مفهوم التوازي بين الاستثمار والإصلاح وعلى منطوق التنمية المستدامة الذي يشترط محاربة الفساد وعدالة تمثيل المرأة في السلطة التنفيذية. وظهر ذلك بأن مُنحت المرأة 13.3% من الحكومة، وهو الحد الأدنى الذي يستجيب لطموحات عالية للمانحين تصل نسبة 25%.

أما كيفية توزيع هذه الكوتا النسائية (المطلوبة دولياً)، في التشكيلة الحكومية، كما نفذها الرئيس الحريري بتوافق ”الحد الأدنى“ مع الأحزاب والزعامات اللبنانية الأخرى، فهذه مقتضيات إجرائية تخضع للمهارات السياسية في تنفيذ الأجندات الداخلية لكل زعيم أو حزب.

مواصفات ريا الحسن

في المواصفات الشخصية لوزيرة الداخلية الجديدة، السيدة ريا الحسن، أنها وثيقة وموثوقة لدى الجهات الدولية التي ستمنح لبنان 11.8 مليار دولار، وتراقب تنفيذ المنح والقروض.

فالسيدة الحسن (52 سنة) تعمل في المجال المالي والاقتصادي مع مختلف الحكومات المتعاقبة.آخر هذه المواقع قبل الانتقال للحكومة كان مع البنك الدولي، فضلاً عن أنها كمستشارة اقتصادية، كانت جزءًا من ورشة الإعداد لمؤتمر سيدرز، وتعرف تمامًا ما هو مطلوب من رئيسها، الحريري، أن يفعله في هذا المجال.

أما لماذا جاءت حصتها في وزارة الداخلية، التي هي في العرف السياسي غير المكتوب، من حصة تيار المستقبل، فذلك ما فسّره ذوو الصلة الوثيقة، بأنه يندرج تحت باب ”الثقة والولاء“، فضلاً عن الخبرة متعددة الأذرع التي جعلتها طوال السنة الماضية مستشارة للحريري في القضايا الاقتصاد سياسية.

وهذا يعني أن دورها في وزارة الداخلية (وهي حقيبة سيادية) سيكون أوسع كثيرًا من الإشراف الإداري والتنظيمي على الأمن العام، ويرتقي الى سوّية مستشارة الأمن السياسي، ولها في ذلك تاريخ من الاحتراف يرضي الرئيس الحريري ويطمئنه، ويرضي أيضًا الأطراف الدولية المانحة للمساعدات.

شروط المانحين في وزارة التمكين الاجتماعي

ومن بين التغييرات التي حصلت في التشكيلة الحكومية الجديدة، وألغت ثلاث حقائب، فقد كان ملفتًا ومدعاة تندر بين نشطاء التواصل الاجتماعي، أن ”وزارة دولة لشؤون التأهيل الاجتماعي والاقتصادي للشباب والمرأة“، تغيّر مسماها إلى ”وزارة دولة لشؤون التمكين الاجتماعي والاقتصادي للمرأة والشباب.

ففي أدبيات الدول والمنظمات والمؤسسات الدولية المانحة للقروض التنموية (ومنها مؤتمر سيدرز) أن المرأة والشباب يعتبران هدفًا رئيسيًا للتنمية المستدامة، كونهما في الدول العربية والنامية، مغبونين في حقوقهما السياسية والاقتصادية. ولذلك جرى دمجهما معًا في الوزارة اللبنانية.

كذلك جرى تغيير لفظ ”التأهيل“ إلى ”التمكين“، لأن التأهيل يعني قريبًا من مفهوم الإعاقة، بينما ”التمكين“ هو التعبير المستخدم في أدبيات التنمية المستدامة وفي قاموس المانحين.

أما لماذ منح الحريري هذه الحقيبة للسيدة فيوليت خير الله الصفدي، زوجة الملياردير محمد الصفدي، فذلك يفهمه السياسيون اللبنانيون من زاوية أنها تنوب في الحكومة عن زوجها الذي يخترق في الانتخابات البرلمانية كل سقوف التصويت في مدينة طرابلس ثاني أكبر المدن اللبنانية.

هذا فضلاً عن أن السيدة فيوليت الصفدي (مسيحية الأصل) متمرسة بكفاءة عالية في إدارة الأعمال وفي تنمية المشاريع، وبالتالي وجه مقبول جدًا لدى رعاة مؤتمر ”سيدرز“، الذي يتضمن تنمية واستثمارات وتشغيل… مع نزاهة.

فزوجها موّل دراسات عشرات الآلاف من شباب طرابلس وفقرائها، وهي شخصياً أنشأت للمشاريع الخيرية منظمة أهلية تحت اسم ”معاً“، علاوة على أنها تؤمن بحق المرأة أن تحصل على كوتا في السلطتين التشريعية والتنفيذية بنسبة 30%، كما سبق وقالت قبل ثلاث سنوات عندما كانت ترفض أن تدخل المجال السياسي وتصّر أن يكون ذلك من اختصاص زوجها.

مي شدياق صوت المعارضة للتقارب مع سوريا

الحقيبة النسائية الثالثة، وزارة دولة لشؤون التنمية الإدارية، والتي تولتها الإعلامية مي شدياق، هي من حصة حزب القوات اللبنانية الذي يترأسه سمير جعجع. وكان واضحًا في قبول جعجع لعرض الحريري بتسليم هذه الحقيبة لشدياق، أن الأولوية الاعتبارية هي لإظهار معارضة القوات اللبنانية لتوجهات حزب الله والتيار الوطني في سرعة التقارب مع سوريا أو التبعية لها. وقد ظهر ذلك بأقوى صورة في الذي قالته الإعلامية المحترفة، شدياق، أثناء المناقشة الحكومية للبيان الوزاري.، وكأنها في موقفها تستذكر ما حصل لها من إعاقات جسدية بسبب تفجير جرى في حينه اتهام الأمن السوري به.

ندى خوري وطموحات باسيل في رئاسة الجمهورية 2022

الحقيبة النسائية الرابعة كانت للسيدة ندى بستاني خوري، في وزارة الطاقة والمياه التي هي من حصة التيار الوطني الحر.

في مواصفات السيدة بستاني (36 سنة)، بالإضافة لكونها مقربّة من رئيس التيار الوطني، جبران باسيل، أنها خبيرة في شؤون هذه الوزارة على مدى ثماني سنوات عمل خلالها باسيل أن تكون ”الطاقة والمياه“ له وحزبه، لأنها ضمانة نفوذ وإنفاق يمكن أن يساعده في تحقيق حلمه بالترشح لرئاسة الجمهورية عام 2022.

ومعروف أن الحصة الأكبر في منح واستثمارات اتفاقية سيدرز التي تشكل البرنامج الرئيسي للحكومة الجديدة، هي من اختصاصات وزارة الطاقة والمياه.

وقد زاد من ترادف مبررات إعطاء حقيبة الطاقة والمياه للسيدة ندى خوري، أنها عملت لمدة أربع سنوات في دهاليز الشركات والمنظمات الدولية، وبالتالي فإن وجودها على راس وزارة الطاقة والمياه يرضي المنظمات المانحة، ويسهُل كفاءة توظيف المبالغ المالية الضخمة التي سترد لقطاع المياه، وأيضًا لقطاع الطاقة الذي سيشهد تخصيص واستثمار حقول الغاز الضخمة مقابل الشواطئ اللبنانية على البحر المتوسط.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com