هل تطوي وفاة الجنرال قنايزية صفحة أحداث انقلاب 92 في الجزائر؟

هل تطوي وفاة الجنرال قنايزية صفحة أحداث انقلاب 92 في الجزائر؟

المصدر: كمال بونوار - إرم نيوز 

أبقت وفاة الرئيس السابق لأركان الجيش الجزائري، الجنرال عبد المالك قنايزية، أهم منعطف في تاريخ الجزائر الحديث غامضًا ومعتمًا، إذ يتعلق الأمر بما حدث ليلة 11 كانون الثاني/يناير 1992، حين أقدم العسكر على إيقاف المسار الانتخابي في البلاد، ودفع الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، إلى الاستقالة في واقعة مفصلية بتاريخ الجزائر.

ويؤشر رحيل قنايزية، الموصوف بـ“أحد أهم صقور العسكر، ومهندس ما حصل قبل 27 عامًا“، على تمديد حالة الغموض بشأن ”الانقلاب الذي نفذه الجنرالات في شتاء 92″، وهو واقع سيطول بنظر مراقبين تحدثوا لـ“إرم نيوز“، خصوصًا مع افتقاد الفاعلين العسكريين والسياسيين في الجزائر لثقافة التوثيق.

حيال ذلك، أشار المدون فيصل عثمان، إلى أنّ ”مصيبة الجزائر في وطنيين ساكتين عن الحق، واستئصاليين متبجحين بالجريمة؛ لذا يبقى تاريخ الجزائر دائمًا أعرج، أو يمشي على رجل واحدة، وهي الرجل المريضة المتعفنة بتبجح الذين لهم أيادٍ سوداء في تاريخها، ومن بين هؤلاء صناع الردة الحضارية في انقلاب 1992 من دفعة لاكوست“.

وقال عثمان لـ“إرم نيوز“، ”كما يعلم الجزائريون، فإنّ هؤلاء هم من كتبوا ووثّقوا للجريمة انطلاقًا من رغبتهم في تبرير الانقلاب والمجازر الدموية التي ارتكبوها، لكنهم وقعوا في فخ وضعوه لأنفسهم، ووجدنا في كتاباتهم اعترافات ضمنية، وأحيانا صريحة بالانقلاب والمجازر وتفكيك المؤسسات العمومية، وتحطيم الاقتصاد الوطني والتآمر على الدولة، وورد ذلك في مذكرات اللواء خالد نزار، وكتابات علي هارون العضو السابق في مجلس الدولة، وفي مقابلات أدلى بها آخرون، مثل الجنرال محمد تواتي“.

ويتصور عثمان أنّ ”المعضلة في الطرف الآخر من الوطنيين والإسلاميين الذين يستنكفون عن الكتابة والتوثيق؛ مثل قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة، وجبهة التحرير وباقي أقطاب الأحزاب الإسلامية على اختلافها وتنوعها، وأمثالهم من المسؤولين الذين يحظون باحترام جزء كبير من الشعب، مثل الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد، الذي لم يكتب مذكراته حتى أيامه الأخيرة، ولم يقل كل شيء، بينما لا يزال الرئيس السابق اليامين زروال صامتًا مثل غيره“.

جبن وعزوف

يعترض عثمان على توصيف ما حدث ليلة 11 كانون الثاني/يناير 1992، بـ“الانقلاب الأبيض“، مشددًا على أنّه ”انقلاب دموي؛ لأنه كان أحمر بلون الدماء التي سالت بعده“، لافتًا إلى أن ”تلك الحقبة التي تلته تحتاج بحوثًا ودراسات جادة تكسر التابوهات، وتسمي المسؤولين عمّا حصل بأسمائهم، وهذا ما لم يحصل لأسباب مختلفة؛ من بينها جبن الأكاديميين من جهة، وعزوف بعض الانقلابيين عن الحديث، إضافة إلى ما يسمى ميثاق المصالحة الوطنية الذي يجرّم البحث في تلك المرحلة“.

وبشأن رحيل ذاك الجيل الذي عايش المرحلة وكان من صنّاعها، أفاد عثمان بأنّه ”في كل الأحوال تبقى الأجيال الجديدة هي الخاسرة؛ لأنّ ما وقع في التسعينيات يعدّ ثاني أهم مرحلة بعد الثورة التحريرية في تاريخ الجزائر المعاصر“، منوهًا بالقول: ”كم نودّ أن يستدرك الباحثون والفاعلون السياسيون الوضع، لتأريخ المرحلة قبل اندثار من تبقوا على قيد الحياة“.

السرّ مكشوف

من جهته، استحضر المحلل السياسي حسين بولحية، ما حصل قبل 27 عامًا بقوله، إنه ”ما من شيء خفي، فغالبية الذين قاموا بالانقلاب على إرادة الشعب يومها، كانوا ممن خدموا في صفوف الجيش الفرنسي بمن فيهم الجنرال الراحل عبد المالك قنايزية، وهذا ليس سرًا على أحد، وكانت أهدافهم معلنة وواضحة، وقام الجنرال نزار وعلي هارون وغيرهما بشرحها، بالتالي لم يعد ثمة سر“، حسب تعبيره.

وعزا بولحية، غياب التوثيق لحقبة هامة من تاريخ الجزائر إلى ”عدم وجود من يكتب، وانعدام هامش الحرية المسموح بها، ناهيك عن الخوف والجبن“، منوهًا إلى ”وجود كتب صدرت في الخارج قامت بتوثيق كل شيء“.

وقال إن ”الذين نفذوا انقلاب 1992، حتى وإن رحل الكثير منهم، إلاّ أنّهم انتشروا وكثروا في مختلف مؤسسات الدولة، وهم من يتحكمون في صناعة القرار السياسي والاقتصادي“، مشيرًا إلى أن ”هؤلاء محميون ومدعومون من الخارج، وهم مستعدون لمواصلة النهج نفسه، غير مستعدين للتخلي عن الحكم مهما كان الثمن الذي سيدفعه الشعب“ وفق قوله.

واتهم بولحية هؤلاء بأنهم ”قتلوا الرئيس محمد بوضياف في وضح النهار  والعالم كله يشاهد، وليس ثمة ما يردعهم، وهم مستعدون للقيام بالعمل نفسه اليوم وغدًا ومستقبلًا، طالما استمروا في الحكم“.

روايات تاريخية

بدوره، رأى الإعلامي مروان لوناس، أنّ ”الأصل في الفاعلين الجزائريين من عسكريين وسياسيين، أنهم لا يكتبون مذكراتهم ولا يدونون شهادتهم أمام التاريخ ولا يسردون أحداثًا كانوا أطرافًا فيها وفي صناعتها، والنتيجة أنهم يموتون وتموت معهم روايات تاريخية مهمة من تاريخ الوطن“.

وقال لوناس إن ”هذا هو حال من قام بانقلاب 92 الذي شكّل مرحلة مهمة في تاريخ الجزائر، حيث دخلت البلاد في طور جديد، وللأسف باستثناء الجنرال خالد نزار، فلا أحد تكلم عن تلك المرحلة“.

وأبدى لوناس أسفًا لكون مذكرات الرئيس الراحل، الشاذلي بن جديد، في جزئها الثاني، التي تتناول تلك الفترة قد منعت من النشر، في وقت لا يزال الجزائريون يتطلعون لمعرفة ما حصل من الرئيس الذي استقال حينها، بعدما سمعوا رواية وزير دفاعه آنذاك.

وذهب لوناس إلى التأكيد على أنّ ”امتناع هؤلاء القادة والسياسيين ممن كانوا فاعلين في يناير 1992، دون أن يقولوا لنا ما حدث، هو ضياع لجزء مهم من الذاكرة، والسبب هو الخوف من الكلام والصراحة التاريخية التي توارثها أبناء النظام منذ ثورة التحرير، وطابع السرية والخوف من تداعيات الحقيقة، ومازال واجب التحفظ متواصلًا“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة