ليبيا.. لجنة الدستور بين مطرقة الحياد وسندان السياسة

ليبيا.. لجنة الدستور بين مطرقة الحياد وسندان السياسة

طرابلس- تمثل الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور في ليبيا، جسماً سياسياً مهماً ويقع على عاتقها تقديم تصور متكامل، لشكل الدولة الجديد ونظام حكمها وحقوق أقليات المجتمع، وهي مهام توضح حجم وأهمية هذه الهيئة المتخصصة، في كتابة مسودة دستور لليبيين، وطرحه على الاستفتاء بنعم أو لا.

الآونة الأخيرة شهدت تصعيداً متنامياً ضد هيئة الدستور، ومحاولات عديدة لزجها في الصراع السياسي الذي تشهده ليبيا في غربها وشرقها، لكن لا أحد يعلم إلى متى ستظل الهيئة وأعضاؤها، في حالة من الصمود بوجه هذه الحملة العنيفة، التي يحاول عدد من السياسيين إرغامها على دخولها.

ويرى الكاتب والباحث الليبي محمد الجارح بمعهد رفيق الحريري للدراسات، بأن طلب المؤتمر الوطني العام (البرلمان) المنتهية ولايته، الحصول على آخر مستجدات كتابة الدستور من الهيئة، محاولة لجرها إلى الصراع السياسي المحتدم بين الفصائل، ومأزقاً كبيراً يواجههاً، فاستجابة الهيئة لهذا الطلب ستعد اعترافاً رسمياً منها بشرعية المؤتمر، ويضعها في مواجهة مع مجلس النواب، ورفضها الرد قد يدفع فجر ليبيا لرفض الاعتراف بالدستور الجديد.

ويؤكد الكاتب عبر مقال نشرته صحيفة “فورين بوليسي” الأمريكية قبل يومين، “في ظل حالة الانقسام التي تشهدها ليبيا والأوضاع الأمنية المتردية، لا يوجد أمام الدولة سوى سيناريوهات محددة للوصول إلى اتفاق على حكومة وحدة، كل منها ينطوي على مخاطر كبيرة (…)، إن المجتمع الدولي يستغل الأزمة السياسية والقانونية الحالية للضغط على أطراف الصراع للاتفاق وتكوين حكومة وحدة وطنية”.

ويتابع: “أول تلك السيناريوهات هو تعيين هيئة غير منتخبة تتولى إدارة البلاد، على غرار المؤتمر الوطني العام، يمكنها إدارة البلاد وترؤس الحكومة حتى الانتهاء من كتابة الدستور وتمريره خلال استفتاء، لكن هذا السيناريو قد يواجه معارضة من قبل فصيل معين غير راض عن نتائج الانتخابات أو الاستفتاء، مما يضع العملية السياسية في مأزق ويشعل دائرة لانهائية من العنف، لوجود عدد كبير من الفصائل المسلحة، وبهذا لن تصل ليبيا إلى الديمقراطية”.

وتشهد ليبيا انقساماً سياسياً عميقاً، بوجود حكومتين برئاسة عبدالله الثني وعمر الحاسي ومجلسين تشريعيين هما مجلس النواب المنتخب، والمؤتمر الوطني العام الذي قرر في نهاية آب/أغسطس الماضي استئناف نشاطه.

وقد قضت الدائرة الدستورية بالمحكمة الليبية العليا في السادس من تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، بحل مجلس النواب نتيجة تجاوزات في تعديل الإعلان الدستوري أدى إلى انتخابه، وهو ما رفضه المجلس واعتبره قراراً سياسياً اتخذ تحت تهديد السلاح.

وأعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا من جهتها، عزمها تنظيم جولة جديدة للحوار السياسي بين أطراف الصراع، في التاسع من كانون الأول/ديسمبر الجاري.

ويشير الكاتب الليبي محمد الجارح، بأن هذا المأزق يمكن تفاديه بالدعوة إلى انتخابات جديدة أو إتباع السيناريو الثاني، وهو إسناد الدور التشريعي إلى هيئة كتابة الدستور، ووضع خارطة طريق تتبعها الهيئة حتى الموافقة على الدستور الجديد، لأن هيئة صياغة الدستور هي الوحيدة التي تحظى بتوافق كل من مجلس النواب والمؤتمر الوطني العام.

لكنه لم يخف أن هذا الاتجاه ينطوي أيضاً على عدة مخاطر، كونه يقحم الخلافات السياسية في عملية صياغة الدستور، مما يهدد بفشلها.

ويعتزم أنصار قوات “فجر ليبيا” الخروج في مظاهرة الجمعة القادمة في ميدان الشهداء، في جمعة أطلقوا عليها “لا للمبادرات المشبوهة .. نعم للدستور”، وفسرها البعض كخطوة استباقية من جماعة الإخوان المسلمين ، للتشويش على هيئة الدستور التي اقتربت من عرض المسودة الأولية على الاستفتاء.

عبد الله الرايس المحلل السياسي، يرى أن فرضية تولي الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور دوراً في حلحلة الأزمة وارد، خاصة عبر شخصية رئيس الهيئة الدكتور علي الترهوني، الذي يحظى بالقبول نسبياً بين كافة الأطراف الليبية، مشدداً في ذات الوقت بأن هذا الأمر لن يكون ضامناً للخروج من الأزمة كلياً.

ويضيف الرايس في حديثه مع “إرم”، “الترهوني شخصية ليبرالية التوجه ومعارض بارز لنظام القذافي، وقد عاد إلى ليبيا في الأيام الأولى للثورة التي أسقطت نظامه في العام 2011، وقد تولى عقب عودته ملف الاقتصاد والمالية والنفط في المكتب التنفيذي للمجلس الوطني الانتقالي السابق الذي قاد مرحلة الثورة باقتدار، لذا فهو يمتلك من الخبرة والدراية، للاضطلاع بدور مهم في حل الصراع السياسي الجاري”.

واستدرك حديثه: “بالرغم من كل هذه التحليلات، يبدو أن الهيئة تحاول النأي بنفسها عن كل هذه التجاذبات، والالتزام بمسافة الأمان بين كل أطراف الصراع، خاصة وأن الدستور وعملية كتابته، لا تحتمل ضغوطاً سياسية معقدة بشكل كبير، وتنذر بفشل كتابته وانهيار الهيئة”.

هذا وانتخبت الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور المكونة من 60 عضواً ، في 20 من شباط/فبراير الماضي، ويتعين عليها كتابة المسودة في مدة أقصاها 120 يوماً من تاريخ أول اجتماع للهيئة، لتعرض المسودة بعد ذلك للاستفتاء على الشعب بنعم أولا .

لكنها تجاوزت المدة المحددة التي انتهت في 21 آب/أغسطس الماضي، بسبب الأوضاع السياسية والأمنية، بجانب تأخر انتخاب 13 من أعضاء الهيئة الـ 60، حيث لم تتمكن المفوضية العليا للانتخابات من إتمام عملية انتخابهم، بسبب احتجاجات من بعض الأقليات مثل الأمازيغ، على عدد المقاعد الممنوحة لهم.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع