المنطقة الآمنة شمال سوريا.. تفسيرات سياسية ناقصة تتجاهل التعقيدات اللوجستية

المنطقة الآمنة شمال سوريا.. تفسيرات سياسية ناقصة تتجاهل التعقيدات اللوجستية

المصدر: إبراهيم حاج عبدي ـ إرم نيوز

أدخلت تغريدة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول ”المنطقة الآمنة“ شمال سوريا، الأطراف المعنية بالملف السوري في نقاشات سياسية غامضة حول طبيعة هذه المنطقة ومساحتها والجهات التي ستديرها، وستتكفل بكلفتها المالية الباهظة، فضلًا عن تعقيدات تقنية لوجستية، ستظهر لاحقًا أثناء التطبيق العملي ”الشائك“ لتغريدة من ثلاث كلمات فقط.

وبدا واضحًا أن إشارة الرئيس الأمريكي العابرة حول المنطقة الآمنة، وقبل ذلك إعلانه انسحاب قواته من سوريا، قد فتحت شهية قوى إقليمية ودولية لملء الفراغ في مناطق شمال شرق سوريا الغنية بالثروات والموارد الطبيعية.

وكانت تركيا سباقة في تلقف هذه التغريدة، إذ أظهرت حماسة إزاء إنشائها، ساعية إلى تقديم تفسيرات من وجهة نظرها تلبي مطالبها في تقليص نفوذ قوات سوريا الديمقراطية، التي تشكل وحدات حماية الشعب الكردية قوامها الرئيس.

وأورد الإعلام التركي تقارير عدة حول طبيعة هذه المنطقة وحدودها والمناطق التي تشملها، ناقلًا تصريحات لمسؤولين أتراك يتطلعون إلى إدارة بلادهم لـ“المنطقة الآمنة“ المرتقبة التي ستنهي من المنظور التركي، طموحات الأكراد السوريين الذين يخوضون حاليًا، مفاوضات مع دمشق لاحتواء التهديدات التركية اليومية.

وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، قال الثلاثاء، إنه ”ينظر بإيجابية إلى مسألة إقامة منطقة آمنة بعمق 20 ميلًا (32كم) في شمالي سوريا“، مشيرًا إلى إمكانية توسيعها، على حد قوله.

ومن المنتظر أن يثير أردوغان هذه القضية مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين خلال زيارته المقررة إلى موسكو الأسبوع المقبل.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية التركية هامي أكسوي، الجمعة، إن ”أردوغان ينوي خلال محادثاته مع بوتين، بحث سبل إعلان منطقة آمنة شمال شرق سوريا“.

دمشق ترفض

في المقابل، أعربت دمشق عن رفضها جملة وتفصيلًا، إقامة هذه المنطقة، إذ اتهمت وزارة الخارجية السورية تركيا بالتعامل مع الوضع السوري بلغة وصفتها بالاحتلال والعدوان.

وقالت الخارجية السورية إن دمشق ستعتبر ”أي محاولة للمساس بوحدتها عدوانًا واضحًا واحتلالًا مباشرًا لأراضيها، وأن الحكومة ستواجه أي شكل من أشكال العدوان والاحتلال من جانب تركيا بكل الوسائل والإمكانيات“، حسب وكالة ”سانا“ الرسمية.

أما الأكراد السوريون فقد أعربوا عن استعدادهم لتقديم الدعم والمساعدة في إقامة المنطقة الآمنة شمال سوريا، بشرط أن تكون بضمانات دولية.

وفي أحدث موقف كردي بهذا الشأن، شبه القيادي الكردي صالح مسلم إدارة تركيا للمنطقة الآمنة بـ“تسليم الخروف للذئب“، في إشارة إلى الانتهاكات التركية المحتملة ضد الأكراد السوريين في حال إدارتها للمنطقة الآمنة.

وأضاف مسلم، في تصريحات لوكالة الأنباء الألمانية: ”أبدينا تعاطيًا إيجابيًا مع فكرة المنطقة الآمنة شريطة دعمها بقوات دولية تحمي الأكراد، وفي الوقت نفسه تثبت زيف الادعاءات التركية بأننا كأكراد سوريين نستهدف حدودهم وأمنهم“.

وكان مدير المركز الإعلامي لقوات سوريا الديمقراطية، مصطفي بالي قال، الخميس، إن ”هذه المنطقة الآمنة يجب أن تضمن حماية كل الإثنيات المتعايشة من مخاطر الإبادة، ومنع التدخل الخارجي فيها“.

وأكد بالي، على أن ”قوات سوريا الديمقراطية لم تكن عامل تهديد خارجي ضد دول الجوار وبخاصة تركيا“، مشيرًا إلى أن ”القوات تتطلع إلى الوصول إلى تفاهمات وحلول مع تركيا لتأمين استمرار الاستقرار والأمن في المناطق الحدودية معها“.

موقف واشنطن

ووسط هذه التفسيرات المتباينة، اكتفت واشنطن بتغريدة الرئيس، ولم تقدم أي إيضاحات بشأن المنطقة المرتقبة، غير أنها تخوض حوارات في هذا الاتجاه مع الأطراف المعنية.

ورجح مراقبون أن التفسيرات المتباينة بين واشنطن وأنقرة بشأن طبيعة المنطقة الآمنة وهويتها، قد تعيد التوتر إلى العلاقات بين البلدين، لا سيما وأن واشنطن تطالب بحماية شركائها من قوات سوريا الديمقراطية، بينما تأمل أنقرة في هدف واحد وهو إنهاء أي دور لهذه القوات.

وأفادت تسريبات إعلامية، بأن مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون، قدم رؤية بلاده حول منطقة شرق الفرات خلال زيارته الأخيرة لأنقرة، وتضمّنت شرطًا أمريكيًا بعدم دخول القوات التركية إلى شرق الفرات، وهو ما يجعل الجدل قائمًا بين واشنطن وأنقرة حول تلك المنطقة التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، الحليف الأبرز لأمريكا في محاربة تنظيم داعش.

وأوضحت التسريبات أن الجانب الأمريكي يرغب بأن تتولى حكم منطقة شرق الفرات قوى محلية مثل ”بيشمركة روج الكردية“، التابعة للمجلس الوطني الكردي المنخرط في صفوف المعارضة السورية، وكذلك عناصر من المكون العربي منضوية تحت راية ”قوات سورية الديمقراطية“، وخصوصًا في مناطق ذات غالبية عربية مثل تل أبيض.

يذكر أن ”بيشمركة روج“، هم مجموعة من الشباب السوريين، وغالبيتهم فرّوا من الخدمة الإلزامية السورية عند بدء الأزمة السورية في 2011، واستقروا في إقليم كردستان العراق وشكلوا بدعم من سلطات الإقليم، قوة عسكرية تابعة للمجلس الوطني الكردي السوري الذي لا يتفق مع سياسات حزب ”الاتحاد الديمقراطي“ وجناحه العسكري قوات ”سوريا الديمقراطية“، بل ينسق نشاطه مع الائتلاف السوري المعارض.

ورغم أن موسكو لم تعلن موقفها بشأن هذه المنطقة، غير أن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أكد في مؤتمره الصحفي السنوي، الأربعاء، على ضرورة عودة مناطق الإدارة الذاتية الكردية في شمال شرق سوريا إلى سيطرة الحكومة السورية، وهو ما يعني رفض موسكو لأية منطقة آمنة.

يذكر أن فكرة إقامة منطقة آمنة في شمال سوريا وردت للمرة الأولى في تغريدة للرئيس الأمريكي، الإثنين الماضي، على موقع ”تويتر“، لكنه لم يكشف عن أي تفاصيل حول طبيعة هذه المنطقة وكيفية إدارتها أو حمايتها.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com