“مسيحيو” العراق يوقدون شموع الحزن بدلاً من شجرة ميلاد

“مسيحيو” العراق يوقدون شموع الحزن بدلاً من شجرة ميلاد

في مخيم للنازحين بالقرب من كربلاء تختفي ملامح “لينا عيسى” خلف جسد يكسووه السواد، وعصابة رأس (شيلة) بذات اللون، حتى باتت تبدو كواحدة من نساء جنوب العراق.

لم نكد نميزها بين عشرات النسوة المتكئات على حائط صف مدرسي، تضع كل واحدة منهن يدها على خدها، سوى أن “لينا” كانت ترتدي قلادة تحمل الصليب تتدلى على صدرها.

بدأ العد التنازلي لرأس السنة الجديدة الذي تستعد فيه المدن في كافة أنحاء العالم للاحتفال بالعام الجديد، حيث تزين شجرة الميلاد، والشوارع تملؤها الأنوار الملونة، لكن لمسيحيي العراق حكاية مختلفة.

“حتى لو كنا أقلية في البلاد فمن حقنا أن نمارس طقوسنا بحرية”، هذا ماقالته “لينا” لشبكة “إرم” الأخبارية، وزادت “على الدولة أن تحمينا من بطش الأصوليين والمتشددين، من “داعش” والمليشيات على حد سواء”.

تركت لينا منزلها الفاره في منطقة سهل نينوى، لتلجأ بعدها إلى كربلاء (105 كم جنوب غرب بغداد) وسط العراق “فلم تستطع تحمل تكاليف العيش في أربيل لذا نصحوني بمخيمات كربلاء”، تضيف لينا.

حمل مسيحيوا العراق عامة والموصل خاصة بعد العاشر من حزيران يونيو الماضي، حملوا معهم قصص مروعة وأحزان جسدت بصور انفعالية بانت على تقاسيم وجوه رواتها، أناس حرمت من حياة وأرض ومنازل بنوها بعرق الجبين.

بنتا “لينا” التوأم لم تتجاوزا العاشرة من العمر، لم ينسجما مع أطفال الأسر المسلمة، التي ملأت المخيم من الموصل والرمادي وديالى وحتى صلاح الدين، فتباعد الأفكار حال دون ذلك.

دفعت طفولة (داليا ورونق) ابنتا لينا عن البحث والتساؤول عن شجرة ميلاد، وماذا سيجلب لهما بابا نويل أو “سانتا كلوز” هذا العام من هدايا.

تساؤلات التوأم كانت “تدفعني للبكاء في كل مرة، لأني لم أجد الكلمات التي أوضح خلالها الوضع الجديد الذي نحن فيه، وأتحاشى إقحام الأطفال في إيضاح حقيقي قد يتسبب لهم بالمزيد من الألم”، تختتم لينا حديثها مع “إرم”.

إلى الصف الدراسي الرابع “ج” كانت تقطن عائلة “جرجيس فراس”، الذي ترك منزله في منطقة السعدية في ديالى، بعد سيطرة تنظيك “داعش” على المدينة، هجره التنظيم المتشدد باعتباره المسيحي الوحيد في تلك المنطقة.

“جرجيس” صاحب الستون ربيعاً، لم ينقطع عن البكاء طوال حديثه مع “إرم” كمداً على مقتل اثنين من أولاده على يد عناصر “داعش”.

يوقد جرجيس شمعتين يومياً استذكاراً لأولاده القتلى، بعد أن نكل بهم التنظيم وسحلهم بإحدى مركباته العسكرية، التي استولى عليها من الجيش العراقي.

لم نستطع سؤاله عن رأس السنة الهجرية وأعياد الميلاد، إلا أن جرجيس هو من تحدث بالأمر بعد أن استخرج صورة من جيبه لولديه، فلذة كبده وهم يحتضنون شجرة رأس السنة المزينة بهدايا الأبوين والأعمام والجيران.

“لا أعرف كيف ستمر عليَّ ليلة رأس السنة وولداي لم أدفنهما حتى”، يروي جرجيس بألم وشهقة “كنت كل ميلاد رأس السنة أجلب شجرة الميلاد، قبل أكثر من شهر وأقوم بتزيينها وسط المنزل، ونعلق عليها في ليلة الميلاد الهدايا، كي أستطع أن أزرع الفرحة في قلب عائلتي”.

يختتم جرجيس بالقول “يبدو أن ليلة رأس عام 2015 ستمر على مسيحيي العراق ليس ككل الأعوام؛ سنوقد الشموع حزناً على حالنا بدلاً من إنارة شجرة الميلاد”.

تشير تقارير المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، عن هجرة كبيرة للمسيحيين في العراق إلى الخارج، بعد 2003 بسبب الأوضاع الأمنية.

وانخفض عدد المسيحيين في العراق من 1.15 مليون شخص، إلى 300 ألف شخص حتى قبيل العاشر من حزيران، فيما لم يتبق من 300 ألف سوى أقل من 70 ألفاً موزعين في بغداد وكردستان العراق، وغادر الآخرون العراق دون عودة، بحسب قولهم.