تونس.. أجندات متباينة في السباق نحو قصر قرطاج

تونس.. أجندات متباينة في السباق نحو قصر قرطاج

تتباين أهداف وأجندات المرشحين للفوز بالوصول إلى قصر قرطاج، ذلك أن الشخصية الفائزة ستلعب دورا كبيرا في رسم سياسات البلاد الإقليمية والدولية.

ويولي التونسيون أهمية لهذه الانتخابات وهم يرون أن الأثر الفوري للانتخابات يكمن في تحديد السياسات الداخلية وكيفية مواجهة المتشددين، ناهيك عن أن النتائج ستؤثر على المفاوضات حول تشكيل الحكومة.

أما بالنسبة إلى القوى الإقليمية والدولية، فإن نتائج الانتخابات، ستقدم أيضاً مؤشرات حول المسار الذي ستتخذه السياسة الخارجية التونسية على مدى السنوات القادمة.

ويرى مراقبون أنه في حال فوز الباجي قائد السبسي، وهو الأوفر حظا، فإن ذلك يعني علاقات أوثق مع دول مثل مصر والسعودية والإمارات العربية المتحدة، وهو ما يقود إلى تقليص نفوذ الإسلاميين المتشددين.

ويرجح المراقبون إن إعادة انتخاب المنصف المرزوقي سيعني اعطاء دور أكبر لحكة النهضة الإسلامية، وسط توقعات بأن تذهب اصوات هذه الحركة للمرزوقي.

وينظر إلى كل من المرشحين حمة الهمامي وسليم الرياحي على أنهما يمثلان النقيض، فالأول يمثل أحد أقطاب اليسار التونسي، بينما يعد الرياحي أحد أبرز رجال الأعمال التونسيين، ويرى مراقبون إن هذا الاختلاف الحاد بين الرجلين سيحدد طبيعة سياسات البلاد في حال فوز أحدهما.

وبمعزل عمن سيدخل قصر قرطاج، فإن اختيار الرئيس في إطار انتخابات حرة ونزيهة سيمثل بحد ذاته إنجازاً عظيماً.

مرجعية الدستور

يقسّم الدستور التونسي الجديد الذي تم اعتماده في كانون الثاني/يناير السلطة التنفيذية ما بين حكومة برئاسة رئيس وزراء ورئاسة جمهورية.

ونتيجة لكونه على رأس الدولة، فإن رئيس الجمهورية سيكون رئيس أركان القوات المسلحة، كما سيكون مسؤولاً عن إعداد سياسات الدفاع والأمن القومي والسياسات الخارجية.

وبالتشاور مع رئيس الوزراء، يعيّن الرئيس أيضاً حاكم البنك المركزي التونسي، وبالتالي فهو يمارس، على الأقل، نفوذاً غير مباشر على السياسات المالية الوطنية، وهو مجال أساسي نظراً إلى الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد وإلى الاحتمال القوي بإجراء إصلاحات اقتصادية في الأشهر المقبلة.

وفي ظل ظروف معينة، يمكن أيضاً لرئيس الجمهورية أن يقترح القوانين في البرلمان، ويحله ويدعو إلى انتخابات جديدة، ويعلن حالة الطوارئ، ففي إطار أوسع من كونه مجرد وجه رسميّ للبلاد، سيتمتع الرئيس التونسي بنفوذ سياسي.

متنافسون من مختلف المشارب

يختار التونسيون رئيسهم من بين قائمة تضم سبعة وعشرين مرشحاً وافقت عليهم المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.

وفي حال لم يحصل أي مرشح على غالبية الأصوات، ينتقل المرشحان الحاصلان على أكبر نسبة من الأصوات إلى جولة ثانية من الانتخابات في موعد أقصاه 31 كانون الأول/ ديسمبر.

يشار إلى أن حزب “النهضة” سيغيب بشكل تام وملحوظ عن عملية الاقتراع، وذلك بناءً على قرار الحزب الإسلامي بعدم ترشيح أي شخص، لافتا غلى سيمتنع أيضاً عن تأييد أي مرشح بشكل رسمي، على الرغم من أن بعض أعضاء الحزب البارزين أعربوا بشكل علني عن دعمهم لمرشحين من غير حزب “نداء تونس”.

ومن بين المرشحين للرئاسة، يبرز أربعة متنافسين رئيسيين.

الباجي قائد السبسي: تولى السبسي، زعيم حزب “نداء تونس”، منصب وزير الداخلية والدفاع والشؤون الخارجية في ظل نظام الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة (الذي حكم بين 1957 و1987)، وشغل بعد ذلك منصب رئيس مجلس النواب في ظل حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي (الذي حكم بين 1987 و2011).

أما آخر مهام السبسي في الحكومة فقد كانت تولي منصب رئاسة الوزراء بشكل مؤقت في أعقاب ثورة كانون الثاني/ يناير 2011 التي أطاحت بالرئيس السابق بن علي وأشعلت الأحداث التي شهدتها المنطقة بأكملها والتي عُرفت باسم الربيع العربي.

وقد قام السبسي ببناء حملته الانتخابية على مفاهيم التقدم والحداثة وإعادة الهيبة للدولة، وهي مفاهيم تذكر بعهد الرئيس السابق الحبيب بورقيبة.

وبالنسبة إلى مؤيديه، فإن أصداء “البورقيبية” هذه هي بالضبط عامل الجذب الذي يتمتع به السبسي.

أما بالنسبة إلى منتقديه، فإن تولي السبسي الرئاسة من شأنه أن يشكل عودة مقلقة إلى النظام القديم، خاصة بما أن حزب “نداء تونس” جذب أعضاءً من الحزب الحاكم السابق.

ويعتبر المنتقدون أيضاً أن السبسي، الذي يبلغ من العمر سبعة وثمانين عاماً والذي يُقال أنه في حالة صحية غير جيدة، فشل في تأسيس هيكليات ديمقراطية داخل حزب “نداء تونس”.

المنصف المرزوقي: وهو طبيب أعصاب كان ناشطاً في السياسات المعارضة منذ أواخر الثمانينات، عندما أصبح رئيساً للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان.

وفي العام 2001، أسس حزب “المؤتمر من أجل الجمهورية” الذي رفض نظام الرئيس السابق بن علي الاعتراف به، وفي ذلك العام نفسه، نفى المرزوقي نفسه إلى فرنسا، حيث بقي لمدة عشر سنوات.

وفي أعقاب الثورة التونسية، عاد المرزوقي إلى وطنه، حيث فاز حزبه في مرحلة لاحقة بتسعة وعشرين مقعداً في البرلمان الانتقالي. وحين انضم “المؤتمر من أجل الجمهورية” إلى الائتلاف الحاكم مع حزب “النهضة”، أصبح المرزوقي رئيساً للبلاد. وحتى الشهر الماضي، بدت فرصه في الاحتفاظ بمنصب الرئاسة ضئيلة، وذلك نظراً إلى عدم بروز حماسة شعبية تجاهه وإلى الإحباط العام المنتشر بسبب أداء الأحزاب الحالية على مدى السنوات الثلاثة الماضية.

بيد أن الظهور القوي لحزب “نداء تونس” في الانتخابات البرلمانية التي جرت الشهر الماضي أعطت دفعاً للمرزوقي من حيث الأضواء المسلطة عليه والدعم، إذ تسعى الفصائل إلى منع “نداء تونس” من السيطرة على كل من السلطتين التشريعية والتنفيذية.

حمة الهمامي: وهو ناشط سياسي على الساحة التونسية منذ فترة طويلة، وهو الناطق الرسمي باسم “الجبهة الشعبية”، وهي عبارة عن ائتلاف من 11 حزباً يسارياً فاز بخمسة عشر مقعداً، وهو رابع أكبر كتلة نيابية في الانتخابات التشريعية الأخيرة.

ارتبط إسم الهمامي منذ السبعينات بأقصى اليسار، وفي العام 1986 أسس “حزب العمال الشيوعي التونسي” وأصبح الناطق الرسمي الرئيسي له.

ولا بد من الإشارة إلى أنه وبسبب نشاطه السياسي، تعرض للسجن والتعذيب وأُجبر على الاختباء مرات عدّة في خلال عهدي الرئيسين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي.

وفي العام 2012، قام “حزب العمال الشيوعي التونسي”، وهو عضو مؤسس في “الجبهة الشعبية”، بتسمية نفسه “حزب العمال التونسي” وأصبح الهمامي أميناً عاماً له. وقد ركزت حملته الانتخابية، والتي تعكس الأولويات التشريعية بالنسبة إلى “الجبهة الشعبية”، على البطالة والعدالة الاجتماعية والتفاوتات الاقتصادية الإقليمية.

سليم الرياحي: كمنت المفاجأة التي حملتها الانتخابات التشريعية الأخيرة في وصول “حزب الاتحاد الوطني الحر”، وهو حزب لم يكن معروفاً كثيراً في السابق، إلى المركز الثالث مع ستة عشر مقعداً.

وقد أسس هذا الحزب سليم الرياحي، وهو رجل أعمال ثري نشأ في ليبيا المجاورة، ويُقال أنه جمع ثروته من خلال الاستثمار في مجالات النفط والطاقة والطيران والعقارات.

ومنذ عودته إلى تونس في العام 2011 وهو يموّل عدة مشاريع تنموية على نطاق واسع، وفي العام 2012 أصبح رئيساً لـ”نادي الإفريقي”، وهو فريق كرة قدم تونسي شهير.

قد تكون ثروة الرياحي من أكبر ما يملك، إذ أن أنصاره مقتنعون بأنه سيوزع من ثروته، وسيكون من المستبعد أن يسرق من المواطنين، في حين أن المتشككين يتهمونه بشراء دعم الناخبين.