لماذا يعلن النظام السوري في هذا الوقت قوائم المعتقلين المتوفين في سجونه؟

لماذا يعلن النظام السوري في هذا الوقت قوائم المعتقلين المتوفين في سجونه؟

المصدر:  إبراهيم حاج عبدي - إرم نيوز

التزمت السلطات السورية الصمت حيال ملف المعتقلين والمفقودين، طوال سنوات الأزمة، رغم صدور تقارير عديدة تدين ”سجلها العنيف“ في هذا المجال، لكنها أعلنت أخيرًا عن أسماء الآلاف من المعتقلين المتوفين في سجونها، في مؤشر على ”الثقة الزائدة“ بأنها لن تخضع لأي مساءلة.

وبدا النظام السوري حريصًا على اختيار التوقيت المناسب، فرغم أن شهادات وفاة المعتقلين تعود في غالبيتها إلى السنوات الأولى للاحتجاجات، لكن النظام انتظر كل هذه السنوات ليعلن عن ”قوائم المتوفين“ في هذا التوقيت الذي يركز فيه المجتمع الدولي على قضية اللاجئين، وأمن إسرائيل والنفوذ الإيراني، فيما يرى معارضون للنظام أن الأخير تناسى الحديث عن مصير الرئيس السوري بشار الأسد وضرورة محاسبته.

جلطة قلبية أو دماغية

واللافت أن شهادات الوفاة التي تصدرها السلطات السورية، وتسلمها لذوي المعتقل المتوفى من أجل التوقيع عليها، تفيد أن سبب الوفاة جلطة قلبية أو دماغية.

ويعتبر ناشطون ومعارضون أن شهادة ”الوفاة بالجلطة“ هي ”كليشيه ساذجة“ تستخدمها السلطات السورية، وتجبر ذوي المعتقلين على التوقيع عليها كـ“إجراء وقائي“ للتهرب من أي إدانة موثقة، مستقبلًا، مشددين على أن ”سبب وفاة المعتقلين هو التعذيب أو الإعدامات الميدانية“.

وتكتفي السلطات السورية بإبلاغ ذوي المعتقلين عبر شهادة وفاة من دون إرجاع الجثث أو إخبارهم عن أماكن دفنها، وهو ما يزيد الشكوك عن ”الأسباب الفعلية“ للوفاة.

وقالت صحيفة ”تلغراف“ إن روسيا تسعى عبر الدعوة إلى عودة اللاجئين وإطلاق شهادات الوفاة للمعتقلين في سجون النظام السوري إلى إغلاق ملف الحرب في سوريا، والإيحاء بأن الظروف باتت مهيأة لعملية سياسية.

تبييض السجون

وتشير التقارير الواردة من دمشق إلى أن الجهات الأمنية السورية تقوم، منذ أسابيع، بحملة واسعة لتحديث سجلات عشرات الآلاف من المعتقلين الذين اختفوا داخل سجونه، من أجل إغلاق هذا الملف وتبييض السجون، في سعي للتخلص من هذا ”العبء السياسي والإنساني“ الذي يلطخ صورة النظام في المحافل الدولية.

وكان ملف المعتقلين والمفقودين، من بين ملفات أخرى، يشكل على الدوام عقبة أمام التسويات التي تعثرت، ويمثل ”إحراجًا“ للوفود السورية الرسمية التي عجزت عن الدفاع عن ”السجل الأسود“ للنظام السوري في هذا المجال، كما يقول الناشطون.

ويرى خبراء أن ”جرأة النظام في إصدار شهادات الوفاة في هذه المرحلة من عمر الأزمة تعكس الانتصارات الميدانية التي حققها ضد المعارضة المسلحة، لدرجة لم يعد يخشى من أي ردة فعل مناهضة من قبل ذوي المعتقلين المتوفين“، مشيرين إلى أن هذه ”الانتصارات“ أسهمت كذلك في تراجع التصريحات السياسية الحادة من قبل عواصم صنع القرار إزاء انتهاكات النظام السوري.

وتنقل ”تلغراف“ عن كريستيان بنديكت مدير الاستجابة للأزمات في منظمة العفو الدولية قوله إن ”هناك الكثير من التكهنات بأن النظام وحليفته روسيا يتطلعان إلى وضع خط تحت ملف الاعتقال لإخراجه من الأجندة السياسية، سواء في أستانا أو جنيف“، مشيرًا إلى أنه ”ملف لا يحبونه فعلًا، وهم بالتأكيد لا يريدون مطالبة مفتشي السجون المستقلين بالدخول إلى مرافق الاحتجاز، الأمر الذي قد يفتح الطريق للتسبب بمتاعب أكبر للنظام في ظل هذه الظروف الرهيبة“.

إشهار شهادات الوفاة

ويقول معارضون سوريون إن الكشف عن مصائر المعتقلين يهدف، كذلك، إلى الحيلولة دون ظهور أصوات قد تطالب بالبحث في المعتقلات السورية عن مصير المفقودين والمعتقلين، فالنظام السوري سيشهر أوراق شهادات الوفاة، هذه، عند ظهور أي مطلب مماثل.

ويرجح المعارضون السوريون أن ”هذه الخطوة ستليها خطوات أخرى في الإفراج عن بعض المعتقلين الذين لم تظهر أسماؤهم في هذه القوائم، ليعلن بعدها أن معتقلاته خالية من أي معتقل، وبالتالي التنصل من أي تفتيش محتمل في المستقبل“.

ورغم أن إصدار شهادات الوفاة يمثل ”إدانة ضمنية“ واعترافًا خجولًا، للمرة الأولى، من قبل النظام أن أولئك المعتقلين ماتوا في سجونه، غير أن النظام يأمل في ”استثمار سياسي“ أكبر لهذه القضية مستقبلًا، ليغدو هذا ”الإحراج العابر والمؤقت“، أمرًا مقبولًا قياسًا إلى ”استحقاقات هذا الملف الشائك في المستقبل“.

وكانت السلطات الأمنية السورية سلمت قوائم بأسماء بعض المعتقلين الذين قضوا في معتقلاته، إلى العديد من دوائر النفوس في المدن والمحافظات السورية المختلفة، وهو ما أثار غضب المعارضين والناشطين، دون أن تصدر أي إدانة عن الأطراف المؤثرة في الملف السوري.

وأكد ناشطون سوريون أن عشرات العائلات في عدد من المحافظات السورية تمكنت من الحصول على شهادات وفاة لأبنائها من دوائر السجل المدني، ويعود تاريخ بعض حالات الوفاة إلى العام 2011، السنة التي شهدت انطلاقة الاحتجاجات.

وأشارت ”الشبكة السورية لحقوق الإنسان“ إلى أن السجلات المدنية في محافظة حماة تم تحديثها بأسماء المتوفين تبعتها حمص فدمشق ثم اللاذقية الساحلية والحسكة.

وكانت ”منظمة العفو الدولية“ اتهمت في تقرير لها النظام السوري بتنفيذ إعدامات جماعية في حق 17 ألفًا و700 معتقل، غالبيتهم من المدنيين المعارضين.

واشتهر سجن صيدنايا، التي تبعد 30 كم عن دمشق، شمالًا، كأحد أشهر المعتقلات الرهبية التي شهدت، لوحدها، إعدام 13 ألف معتقل، بحسب المنظمة.

وقالت المنظمة الحقوقية في التقرير الذي صدر العام الماضي بعنوان ”مسلخ بشري: شنق جماعي وإبادة في سجن صيدنايا“ إنه ”بين 2011 و2015، كل أسبوع، وغالبًا مرتين أسبوعيًا، كان يتم اقتياد مجموعات تصل أحيانًا إلى 50 شخصًا إلى خارج زنزاناتهم في السجن وشنقهم حتى الموت، في سرية تامة“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com