التيار الإسلامي في تونس يتلقى ضربة بخسارة النهضة

التيار الإسلامي في تونس يتلقى ضربة بخسارة النهضة

القاهرة – تمر تونس خلال هذه الفترة بمرحلة حاسمة تنتقل فيها من الثورة إلى الدولة، ويحدد فيها الشعب ملامح دولته ومستقبل ثورته، والتي تتمثل في الانتخابات التشريعية الأولى بعد الثورة والتي شهدت تحوّلاً دراماتيكياً للمشهد التونسي يتمثل فيما أظهرته نتائج تلك الانتخابات من تقدم حزب نداء تونس الذي يترأسه الباجي قائد السبسي على حركة النهضة الإسلامية، وفوزه بما يقرب من 37% من مقاعد البرلمان القادم، مما يدخل المشهد السياسي التونسي مرحلة جديدة ترسم ملامحه سقوط الإسلام السياسي وعودة الليبرالية لتتسلم مقاليد الحكم في تونس، في ضوء احتمالات الصدام وسيناريوهات التوافق واقتسام السلطة، ومع ما يمثله سقوط النهضة كحلقة في مسلسل السقوط المتتالي لأذرع جماعة الإخوان المسلمين الممتدة في مراكز الحكم بدول المنطقة، والذي ظهر في مصر ومر بليبيا إلى أن وصل أخيراً إلى تونس، تثار التساؤلات حول أسباب سقوط حركة النهضة وانعكاسات ذلك على المشهد السياسي التونسي، ومستقبل التيار الإسلامي في المنطقة في ظل الإخفاقات المتتالية.

وفي هذا السياق يقول د.أيمن شبانة أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة: إن الانتخابات التشريعية التونسية شهدت منافسة شرسة بين حزب نداء تونس الذي يتزعمه الباجي قائد السبسي الرئيس التونسي السابق وبين حركة النهضة التي تسيطر على المجلس التأسيسي وهذا يظهر في تقارب النتائج، حيث حصل حزب نداء تونس على ما يقرب من 37%، بينما حصل النهضة على حوالي 33%، لافتاً إلى أن الانتخابات شهدت مشاركة واسعة من جميع مكونات الساحة السياسية التونسية سواء على مستوى الأحزاب أو المستقلين، ومرت بسلام دون حدوث تجاوزات أو خروقات تؤثر على النتائج، مما يعطي مؤشراً على نجاح التجربة الديمقراطية في تونس، على الرغم من الفشل الذي حدق بالتجربة في محيطها، والتي نجحت تونس في تجاوزها وعدم التأثر السلبي بهذه المتغيرات.

ويرجع شبانة أسباب هزيمة حركة النهضة في الانتخابات التشريعية إلى عدة أسباب، يأتي في مقدمتها تراجع شعبيتها حالها في ذلك حال باقي فصائل التيار الإسلامي في المنطقة، نتيجة الفشل في إدارة شئون الدولة وعدم القدرة على تحقيق إي إنجاز يذكر، بالإضافة إلى الظروف الأمنية والاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي تعيشها البلاد وانتشار العنف والإرهاب، كذلك عودة رجال نظام زين العابدين بن علي الرئيس التونسي الأسبق إلى المشهد بما يملكونه من نفوذ ومال وخبرة سياسية، ساهمت في تشويه صورة النهضة تمهيداً لإسقاطها في البرلمان.

ويوضح شبانة أن المشهد السياسي في تونس سيحدد ملامحه طبيعة العلاقات بين قطبي السياسة هناك (حزب نداء تونس وحركة النهضة)، والذي من المتوقع أن يسيطر عليه أحد سيناريوهين؛ الأول تصادم بين الحزبين واستقطاب حاد يسيطر على المشهد، والثاني توافق واقتسام للسلطتين التنفيذية والتشريعية مقابل عدم دخول حركة النهضة في الانتخابات الرئاسية القادمة، وهذا هو السيناريو الأقرب للواقع، وتابع: فوز حزب نداء تونس بالانتخابات التشريعية لن يحدث تغييراً جوهرياً في المشهد السياسي التونسي، لكنه سيؤدي إلى شكل من أشكال التغيير النسبي سواء في اتجاهات الدولة أو مواقفها من العديد من الملفات والقضايا الداخلية والإقليمية.

بينما يرى ماهر فرغلي الباحث في شئون الحركات الإسلامية، أن هزيمة حركة النهضة ذي الخلفية الإسلامية يأتي كحلقة في مسلسل سقوط التيار الإسلامي، ويعكس تراجع شعبيتها في دول المنطقة، ووجود حالة من الرفض العام له تسيطر على المشهد، لافتاً إلى أن حركة النهضة حاولت خلال الحملة الانتخابية تغيير جلدها والظهور في ثوب مدني بعيداً عن التوجه الإسلامي وصلتها بجماعة الإخوان، الأمر الذي فشلت في تسويقه للشعب، وعدم قدرتها على إقناع المواطنين بمدنيتها، مما أدى إلى انفضاض الجماهير من حولها وفقدانها لشريحة كبيرة من الكتلة التصويتية للإسلاميين، ويشير فرغلي إلى أن حركة النهضة تأثرت بشكل مباشر بسقوط جماعة الإخوان المسلمين في مصر، لكونها تمثل امتداداً للجماعة في تونس ويأخذ زعيمها راشد الغنوشي رتبة مراقب عام داخل التنظيم الدولي للجماعة، بالإضافة إلى أن إخفاقات الإسلاميين المتتالية في الدول المحيطة بتونس، وانتشار ظاهرة الإرهاب والعنف والاضطرابات التي يشهده المحيط التونسي سواء من الانفلات الأمني في ليبيا والصراع المسلح هناك، أو فيما يحدث في مصر كان له انعكاسه وألقى بظلاله على الداخل التونسي وعلى التجربة الديمقراطية الوليدة هناك.

ومن جانبه يشير د.يسري العزباوي الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، إلى أن نتائج الانتخابات التشريعية عكست شعبية الأطراف التي تخوضها ورجاحة خياراتها السياسية ومدى تقبلها لدى المواطن التونسي، بعد أن اكتسب خبرة على مدار الثلاث سنوات الماضية تمكّنه من القدرة على الاختيار الصحيح.

ويؤكد أن المشهد السياسي التونسي اختلف كثيراً عن انتخابات 2011، التي فاز فيها حزب النهضة بالأغلبية، الأمر الذي يرجع إلى اختلاف المشهد العام في البلاد ودخول أحزاب سياسية جديدة على الساحة وعودة بعض رموز نظام بن علي، بالإضافة إلى اختلاف موازين القوى والتحالفات بين الأحزاب، كذلك فشل حركة النهضة في إدارة المجلس التأسيسي وقدرتها على إحداث توافق عام، لافتاً إلى أن الأحداث التي عاشتها تونس على مدار الثلاث سنوات الماضية، وضعت التونسيين أمام اختبار مصيري وصعب يحدد ملامح مستقبلهم، وإمكانية نجاح ثورتهم الذي تحدده الانتخابات البرلمانية، ويتوقع العزباوي أن المشهد السياسي الجديد سيسيطر عليه حالة من الاستقطاب بين حركة النهضة والتي سيتمحور حولها التيار الإسلامي والقوى المحافظة، وبين حزب نداء تونس الحاصل على الأغلبية في أول برلمان بعد الثورة، والذي سيجذب إليه القوى المدنية بجانب بقايا حزب التجمع، الأمر الذي قد يعقّد الحياة السياسية في المرحلة القادمة ويحدد ملامح الخريطة السياسية الجديدة فيها.

ومن ناحية أخرى، يؤكد د. السيد عليوة أستاذ العلوم السياسية بجامعة حلوان، أن التيار الإسلامي في شمال إفريقيا قد تلقى ضربة قوية بهزيمة حركة النهضة وخسارتها للبرلمان التونسي وبالتابعية خسارتها لحكم تونس، لافتاً إلى أن ذلك سيكون له انعكاساته على باقي فصائل التيار الإسلامي الموجودة في الحكم في دول المنطقة والذي سيظهر في الانتخابات القادمة، ويشير إلى أن الأداء السياسي للتيار الإسلامي في المنطقة أصبح يُعاني من العشوائية الفكرية وعدم وضوح الرؤية لديه، بالإضافة إلى عدم قدرته على صياغة استراتيجية واضحة لما يريده، الأمر الذي أدى إلى تراجع قدرته على التأثير في المواطنين والحشد وتوجيه الناخبين، ويضيف: أن حركة النهضة كانت تختلف عن باقي فصائل الإسلام السياسي، لكونها تتمتع بقدر أكبر من المرونة والقدرة على التواصل مع الاتجاهات المختلفة والانفتاح على المجتمع، إلا أنها تفتقد الرؤية للتغيُّر ولا تملك برامج واضحة تحقق أهداف الثورة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة