تونس عشية الانتخابات.. النهضة تسعى للعودة بثوب جديد

تونس عشية الانتخابات.. النهضة تسعى للعودة بثوب جديد

المصدر: تونس ـ ساسي جبيل

تعيش تونس الأحد 26 أكتوبرحدثا مفصليا مهما يقطع مع النظام المؤقت الذي تواصل لما يقارب الأربع سنوات، تراوحت بين الفوضى والاستقرار حينا، وبين الاضطراب والخوف من المصير المجهول، حينا آخر، إلا أن المكسب الأهم الذي تحقق هو ذلك المتمثل في كتابة دستور مدني لم تؤثر فيه الأغلبية المتمثلة في (الترويكا) التي حكمت فعليا لأكثر من سنتين قبل أن تغادر المشهد بعد حوار وطني أفضى إلى حكومة تكنوقراط.

ومثل دستور تونس الجديد حدثا مهما بالنسبة لجميع التونسيين باعتبار أنه يمثل تشريعا متقدما لم تؤثر فيه الرؤية الدينية التي سيطرت على الأغلبية في المجلس الوطني التأسيسي الذي كان مسرحا للكثيرمن التجاذبات السياسية.

انتهى هذا الواقع مع صدور النسخة النهائية للدستور، لتنقشع غيمة أخرى كانت خيمت على المشهد نظرا لخوف المجتمع المدني من أن تسيطر حركة النهضة التي يمثلها 89 نائبا متحالفين مع التكتل الديموقراطي للعمل والحريات برئاسة الدكتور مصطفى بن جعفر الذي ترأس المجلس الوطني التأسيسي والدكتور محمد المنصف المرزوقي رئيس حزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي ترأس البلد بصلاحيات أقل في إطار نظام برلماني يقود فيه رئيس الحكومة الدولة ويمتلك الصلاحيات الأكبر، والذي تداول عليه منذ انتخابات أكتوبر 2011 ثلاثة رؤساء حكومة اثنان منهما من حركة النهضة هما حمادي الجبالي الأمين العام لحركة النهضة، ثم علي العريض أحد صقور الحركة الدينية التي كانت تعرف في الثمانينات بالاتجاه الإسلامي، ثم مهدي جمعة الذي كان وزيرا للصناعة وهو أحد الوجوه المستقلة.

لم يستطع الإسلاميون في تونس الامساك بدواليب السلطة في ظل نفور داخلي من القوى التقدمية واليسار والدستوريين الذين وقفوا حجر عثرة أمام كل المخططات التي قاموا بها للسيطرة على الإدارة، فحاولوا إدماج عدد من الوجوه فيها وتمكنوا من الإمساك بزمام الأمور إلى حين، وكل ذلك بدعم مادي خارجي.

ولم يكن سقوط حكم الإخوان في مصر إلا الشعرة التي قصمت ظهر النهضة في تونس التي وجدت نفسها في أمس الحاجة إلى الكثير من المراجعات، وهي وإن كانت في حقيقة الأمر من المفاجآت التي لم ينتظرها التونسيون إلا أن الكثيرين يتخوفون اليوم من نظرية (المؤامرة ) التي يعتمدها راشد الغنوشي الذي تباينت تصريحاته في المدة الأخيرة.

يغازل الغنوشي، مرة، (نداء تونس)الحركة الأكثر شعبية في تونس من خلال دعوته إلى حكم مشترك في المستقبل وإمكانية التحالف بعد الانتخابات القادمة ، وفي مرة أخرى مع البورقيبيين حيث أصبح الغنوشي اليوم يترحم على روح الزعيم الحبيب بورقيبة بعد أن كان لا يتوانى على الاستنقاص من دوره في تاريخ تونس، ووصل به الأمر أحيانا إلى الاستشهاد بكارل ماركس في خطبه كأنه بذلك يريد أن يؤكد لليسار التونسي أن خطابه ليس أحاديا بالمرة، وأن تونس في حاجة إلى كل الحساسيات لبناء مستقبل بإمكانه أن يؤمن لها الاستقرار المنشود.

لكن هناك من يرى أن الغنوشي بمثل هذه (المناورات) يريد أن يؤكد للناخب التونسي أن حركته بامكانها الانفتاح على مختلف الأطراف في إطار توافق وطني هو الوحيد المستفيد منه بالضرورة، باعتبارأن حزبه يعتمد على مرجعية دينية بالأساس وهو ما يمثل بالنسبة لكثير من التونسيين أمرا غير مرغوب فيه نظرا لاعتماده أساسا على توظيف الدين في خدمة السياسة .

وبدخول تونس لهذا المنعرج الجديد تكون قد قطعت مع النظام (المؤقت) الذي خلف الكثير من المآسي منها غلاء الأسعار وتفاقم البطالة والفقر والفساد في أشكال جديدة ، إذ ظهرت (العائلات الإسلامية ) في ثوب الأغنياء الجدد بطرق مختلفة أهمها التمويل الخارجي سواء من بعض الدول التي ساندت الإخوان المسلمين ولا تزال، أو من خلال تسليم عدد من المطلوبين إلى ليبيا في إطار صفقات فاحت رائحتها مؤخرا بشكل رسمي.

وزاد الطين بلة تفاقم ظاهرة الإرهاب التي أتت على أرواح الكثير من الجنود من طرف الجماعات المتطرفة التي تتمركز عادة في الجبال بالوسط والشمال الغربي، وساعدها على تنفيذ مخططاتها قربها من الحدود الجزائرية الطويلة والوضع الأمني المضطرب في الجارة ليبيا التي باتت سوقا للسلاح الذي تمكن المهربون من إيصاله إلى عدد من المناطق بالبلاد.

وساعدت فترة حكم الترويكا على انتشاره نظرا لوجود أمن موازي ثبت اليوم أنه كان في كثير من الأحيان وراء غض النظر عن الكثير من التجاوزات وحتى الاغتيالات التي شملت الخصوم السياسيين للترويكا التي كانت حاكمة لأكثر من سنتين والتي وصلت بالبلاد إلى نفق مظلم على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي انتهى باغتيال شكري بلعيد الشخصية التي طالما أزعجت التيار الإسلامي وحلفاءه في الداخل والخارج وقبله كان قتل لطفي نقض من نداء تونس في واضحة النهار من طرف عدد من المحسوبين على رابطة حماية الثورة المتكونة أساسا من إسلاميين ينتمون إلى حركة النهضة الإسلامية والتي كانت بمثابة الجناح العسكري للحركة كما يصفها البعض.

وكان إغتيال النائب في المجلس الوطني التأسيسي محمد البراهمي أمين عام حركة الشعب القومية التوجه الفرصة المواتية للحركة للوقوف عند ضحالة إمكانياتها السياسية وعدم قدرتها على تأمين الشخصيات التونسية العامة التي أصبح كثير منها في حاجة الى حراسة أمنية وهو ما حصل مع عدد منها.

ولعل كل ذلك أفقد التونسيين الثقة في حركة النهضة التي تراجعت عن الحكم اضطراريا، لكنها أصبحت تعد العدة للعودة مجددا لحكم البلاد بكل الطرق من خلال تجييش قواعدها ومحاولة الظهور بثوب الحركة المدنية التي يمكنها استيعاب مختلف الحساسيات السياسية في البلد الذي طالما مثل نموذجا للتنوع والتعدد والانفتاح على الآخر.

ولم يعد التونسيون اليوم يثقون بالخطاب (المتقلب ) الذي تخاطب به الشعب التونسي الذي طالما عرف بالاعتدال والتوازن، وطالما استطاع بفضل جمعياته ومنظماته ومجتمعه المدني أن يكون نموذجا مختلفا لا يستطيع التعاطي مع الجمود الذي طالما ميز مرحلة حكم إخوان تونس في المرحلة الانتقالية ، المرحلة التي لم تكن سوى عنوانا للفشل والاضطراب وتدخل أطراف خارجية في شؤون البلد الذي استطاع مقارنة بغيره من بلدان ما سمي ب(الربيع العربي)أن يتجاوز محنه.

وبإمكان تونس أن تتجاوز الواقع الحالي في ظل انتخابات قد تعيد توزيع الأوراق من جديد وتشهد مفاجآت مذهلة للإسلاميين بالخصوص وهم الذين لا يملكون برامج ثقافية واقتصادية واجتماعية وسياسية واضحة المعالم، وأمام منافس عنيد اسمه الباجي قائد السبسي استطاع أن يخرج بتونس في أول فتراتها الانتقالية من عنق الزجاجة، وقد يخرجها مجددا من الفتور والغلاء والفساد ومن وضعية (فأر التجارب) التي تحاول بعض الأطراف الخارجية المتحالفة مع الاخوان المسلمين أن تضع فيها البلد، وهو مشروع لن تنجح هذه الأطراف في تجسيمه إذا ما تحالفت مختلف الأطراف في الداخل للوصول بتونس إلى بر الأمان.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com