ضيق العيش وغياب الأفق السياسي يرفعان معدلات هجرة الشباب من غزة

ضيق العيش وغياب الأفق السياسي يرفعان معدلات هجرة الشباب من غزة

المصدر: سامح المدهون ونسمة علي - إرم نيوز

ألقت الظروف الاقتصادية الصعبة، وحالة المد والجزر بين السلطة الفلسطينية، وحركة ”حماس“، بظلالها على الفلسطينيين الذين يعيشون بين أسوار قطاع غزة المحاصر، والذي يفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة.

أحلام وردية يبنيها الشباب الفلسطيني في خيالاتهم بالسفر إلى ملاذ آمن يضمن لهم مستقبلًا مستقرًا، وحياة هادئة، بعد أن أنهكتهم الحروب، والأحداث المختلفة، سواء بين الإخوة الأعداء، أو مع الاحتلال الإسرائيلي.

وأفادت مصادر فلسطينية أن أكثر من 18000 فلسطيني خرجوا من قطاع غزة عبر معبر رفح البري منذ فتحه بشكل مستمر من قبل الجانب المصري، في حين يسعى الآلاف من الشبان والعائلات الفلسطينية إلى مغادرة القطاع بحثًا عن حياة جديدة، أو قضاء ما تبقى من حياتهم في ظروف أكثر استقرارًا.

بين السفر والزواج

وفي هذا الصدد يقول المتخصص في حقوق الإنسان محمد أبو شمالة، إنّه ”لم يرَ في حياته فترة كهذه يحرص الشباب الفلسطيني فيها على الهجرة من غزة“.

ويضيف: ”أعرف أشخاصًا فضّلوا السفر على الزواج في غزة، فاستخدموا مهر زواجهم للخروج من غزة، بحثًا عن مستقبل آخر، أو بالأحرى لإكمال ما تبقى من أعمارهم في بلد يحترم حقوقهم“.

وتساءل أبو شمالة: ”ماذا يفعل الشاب الفلسطيني إذا بلغ سن الثلاثين دون إيجاد فرصة عمل في بلده، وماذا يفعل إذا شعر بخيبة أمل من موضوع المصالحة الفلسطينية الذي لم يخرج من طور توجيه الاتهامات المتبادلة بين حركتي فتح وحماس منذ 12 عامًا؟، فضلًا عن السياسية الإسرائيلية تجاه قطاع غزة ”.

وأشار في تصريح لـ ”إرم نيوز“، إلى أن ”حالة الإحباط التي يعيشها الفلسطينيون، جعلتهم ينتظرون فتح المعبر على أحر من الجمر للخروج من غزة بحثًا عن حياة أكثر أمنًا، وعلى الرغم من صعوبة تنقل الفلسطينيين بين المعابر، والدول، والمطارات، إلا أنهم يحاولون البحث عن بدائل خطيرة لتحقيق أحلامهم“.

وتابع: ”الآلاف من الفلسطينيين لا يمنعهم عن الهجرة سوى عدم توافر تكاليف السفر معهم، وأعتقد أن السبب في هذه الحالة يعود إلى الاحتلال الإسرائيلي أولًا، والانقسام الفلسطيني ثانيًا، لأن هذه الأسباب هي التي أدت إلى انعدام الفرص في غزة، وعدم توافر حياة تليق بالفلسطينيين الصامدين على مدار سنوات طويلة“.

تدارك الموقف

مدير ”شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية“ أمجد الشوا، بدوره قال إن ”نسبة البطالة بين الخريجين وصلت إلى 74%، في حين أن نسب الفقر، وانعدام الأمن الغذائي، وصلتا إلى معدلات غير مسبوقة، وهو ما تسبب بحدوث تداعيات خطيرة على واقع الشباب في قطاع غزة، وأدى إلى فقدانهم الأمل بحدوث تغيير جدّي على أرض الواقع“.

وأوضح الشوا أنه ”من ضمن الأسباب التي دفعت الشباب كذلك للتفكير في الهجرة، عدم وجود خطة للتعامل مع احتياجات الشباب“، مشيرًا إلى أن ”عجز التمويل الدولي، وتناقصه بشكل كبير، كانا دافعًا كذلك للتفكير في البحث عن بدائل“.

وأضاف أن ”هذا ما حدث تحديدًا مع شباب من غزة خلال الحرب الأخيرة عندما دفعهم الدمار والقصف إلى الذهاب في عرض البحر كي يهاجروا، وغرقت سفنهم في البحر الأبيض المتوسط“.

وتابع:“الجميع يجب أن يتدارك الموقف، ولا بد من العمل على توفير بيئة صديقة للشباب تعزز صمودهم، وتوفر لهم فرص عمل حقيقية، وأن يشارك الشباب في المصالحة الفلسطينية، مع العمل على رفع الحصار، ودفع التعهدات المالية التي أُقرّت في القاهرة من أجل إعادة إعمار غزة“.

أرقام حقيقة

من جهته أكد مدير ”مركز مسارات لحقوق الإنسان“ صلاح عبد العاطي، أنه ”لا توجد حتى الآن إحصاءات موثقة من جهات رسمية حول أعداد الشباب الذين هاجروا من قطاع غزة“.

وأشار إلى أن ”هناك استطلاعات وأرقامًا حقيقية تظهر أن 40% من الشباب الغزيين يفكرون بالهجرة، إضافة إلى أن 40 ألف شخص رغبوا بالهجرة منذ العام 2008 وحتى العام 2011“.

وأضاف أن ”هناك حديثًا جديًا عن تحرك الشباب باتجاه تركيا، والعديد من الدول الأوروبية للعيش فيها، وهم يجدون في الهروب من غزة حلًا لمشاكلهم التي يعانون منها، ولم يجدوا لها أذانًا صاغية في بلادهم“.

رحلة الهجرة

فاطمة حمودة، 32 عامًا، وهي امرأة متزوجة من غزة كانت تعيش ظروفًا مادية صعبة جدًا، تقول لـ“إرم نيوز“ عن تجربتها في السفر لإحدى الدول الأوروبية:“عندما علمت أن ابنتي مصابة بمرض التوحد، ولا يوجد لها علاج هنا، كان لا بد من البحث عن طريقة مناسبة للسفر، وعلاجها في الخارج، ولكن الظروف المادية الصعبة لم تساعدني، فوالدها يعمل في سلطة رام الله، ولا يحصل سوى على مبلغ بسيط جدًا لن يساعدنا في العلاج“.

وأضافت أن ”قلة الاهتمام بمرضى التوحد في غزة، وعدم وجود أفق للحل هنا، اضطراني للمغامرة بحياتي أنا وابنتي، واضطررت لدفع مبلغ 3 آلاف دولار من أجل التنسيق للسفر إلى مصر، وهناك عشت مرحلة صعبة للغاية، إلا أن وجدت أحد المهربين الذي ساعدني على السفر إلى اليونان“.

وتابعت حديثها:“كانت الرحلة صعبة جدًا، حيث اضطررت للمرور بعدة دول، منها ماليزيا، وتركيا، حتى وصلت إلى اليونان، ومنها استطعت الذهاب لأحد أقاربي الذي ساعدني من أجل تقديم طلب الهجرة هناك، وعلى الرغم من أن الظروف صعبة هنا علينا، ولكنها أفضل بكثير من الواقع المر الذي نعيشه في غزة“.

 طرق التهريب

جهاد محمد هو أحد الذين يعملون على توفير فرص مناسبة للغزيين من أجل السفر خارج غزة قال لـ ”إرم نيوز“، إن ”هناك الكثير من الوسائل التي يلجأ لها الغزّيون في هذه الفترة للهجرة، فالبعض منهم مستعد لدفع ما يزيد على 10 آلاف دولار من أجل السفر إلى دولة أوروبية ليحصل على إقامة فيها“.

وتابع:“خلال فترة عملي نسقت لأعداد كبيرة من الشباب، منهم قادة في تنظيمات وفصائل فلسطينية، وهم الآن في إحدى الدول الأوروبية، وقد حصلوا على إقامة هناك، وآخر تنسيق كان لرجل في الخمسينات من عمره يعمل الآن كسائق على سيارة أجرة في دبي“.

وأضاف:“بسبب رفض مصر لفيز تركيا في الوقت الحالي يُضطر الكثير من الشباب للسفر إلى مصر، ومن ثم التنسيق من هناك من أجل الحصول على فيزة تركيا، وهذه الأعمال نقوم بها في المكتب، ولكن بمقابل مادي كبير“.

وقال :“الطريقة التي يلجأ لها الغزيون الآن من أجل السفر للدول الأوروبية هي السفر إلى تركيا، ومن ثم يتم الترحيل عن طريق اليونان، وهناك طرق أخرى كالسفر إلى الأكوادور، أو السفر الترانزيت، وكل وسيلة لها ثمنها، ولنا أشخاص هناك يستقبلون الشباب، ويستطيعون توجيههم“.

وأضاف:“خلال فترة فتح المعبر نسق ما يزيد على ألف شخص معي من أجل السفر، وهذه الإجراءات لا تأخذ وقتًا طويلًا، وإذا كانت الأموال جاهزة يستطيع الشخص السفر إلى أي دولة يريدها، وهذا الأمر متوافر لدى العديد من مكاتب السفر التي تعمل بهذا النظام، ولكن دون علم الحكومة في غزة“.

وكان مئات الفلسطينيين من الكفاءات هاجروا من قطاع غزة خلال الأيام الماضية، بينهم أطباء، ومعلمون، ومبدعون، بهدف البحث عن مستقبلهم في المهن التي يعملون بها، خاصة أن قطاع غزة يعاني من البطالة، والفقر، والتضخم، ما قد يتسبب في المزيد من الكوارث الإنسانية في قادم الأيام.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com