بعد تكليفه رسميًا.. من هو عمر الرزاز رئيس الحكومة الأردنية الجديدة؟

بعد تكليفه رسميًا.. من هو عمر الرزاز رئيس الحكومة الأردنية الجديدة؟

المصدر: خالد أبو الخير - إرم نيوز

أعلن الديوان الملكي الأردني، اليوم الثلاثاء، أن العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني عيّن رسميًا وزير التربية والتعليم الدكتور عمر الرزاز، رئيسًا للوزراء خلفًا لهاني الملقي.

وقدم الملقي استقالته في وقت سابق، عقب لقاء جمعه مع الملك، وذلك على وقع احتجاجات شعبية كبيرة منذ الخميس الماضي.

وقال الملك في خطاب التكليف: ”..أمّا وقد قَبِلنا استقالة حكومة دولة الأخ الدكتور هاني الملقي، فإننا نعهد إليك بتشكيل حكومة جديدة تنهض بالمسؤوليات الوطنية الكبيرة في هذا الظرف الدقيق وتستكمل مسيرة الإصلاح والبناء والتطوير“.

تعيين الرزاز خلفًا للملقي في هذا الظرف، وبعد احتقان شابَ الشارع الأردني، ليس وليد صدفة، فقد حقق الكثير خلال السنوات العشر الماضية، وختمها بما أنجزه في حقيبة التعليم، وحظي به باحترام المواطنين، طلابًا وولياء أمور، لدرجة أن أكاديميين وصفوا الوزارة بأنها ”مقتل لمن يستلمها“ بعده.

الأفكار والأساليب الجديدة التي اختطها وابتكرها في التعليم، وأتت أكلها رغم التشكيك الذي طاله، تطرح السؤال اليوم: هل ينجح الرزاز في إحداث استدارة وتغيير في الاقتصاد؟.

إرثه كبير، يفاخر به، لكن دأبه هو العمل والإنجاز في الطريق المغاير الذي اختطه لنفسه.

والده منيف الرزاز المفكر القومي البارز صاحب كتاب ”التجربة المرة“، وأحد آباء حزب ”البعث“، وشقيقه مؤنس، الأديب والروائي الذي كتب بضع روايات أشار فيها إلى القبضة الحديدية لبعث العراق.

وما بينهما يقع عمرالرزاز الاقتصادي اللامع الذي يجمع بين التوقد العقلي وعصارة الأدب.

تدرج منذ الطفولة في مدارج المأساة بمواصفاتها الإغريقية، مع نكهة عربية لا يخطئها القمع، متنقلًا بين عمان ودمشق وبغداد وبيروت، ومعانيًا هاجس فقدان الأب جراء اعتقاله أو اختفائه بحكم طبيعة العمل السري، وأخيرًا موته المفاجئ وهو حبيس إقامة جبرية بأمر من الرئيس العراقي السابق صدام حسين.

رأى عمر النور في عمان عام 1961، وفي شوارع اللويبدة وحاراتها وبيت جده ومدرسة ”تراسنطة“، حيث درس حتى الثانوية، وترك هناك أجمل ذكرياته.

في طفولته الباكرة كان سعيدًا بوجود والده إلى جواره، يداعبه ويقرأ له سطورًا من قصص أمجاد العرب في غابر الأزمان، وأبرزها ”سيف بن ذي يزن“.. لم يكن يدرك أن أباه باق بجواره بحكم الضرورة، فقد كان رهن الإقامة الجبرية.

وقال الرزاز: ”عندما كبرت أدركت أن أبي كان تحت ضغوط نفسية وسياسية هائلة وأن الإقامة الجبرية لم تكن إجازة وأن المنافي ليست سياحة“.

كثيرون جادلوا بعد وفاة الأب، أن الأخ مؤنس أخذ مكانه كـ“أب“ بالنسبة لعمر، وربما كان في ذلك بعض الصواب، غير أن مخطوطة نادرة لمؤنس بخط اليد لم تنشر من قبل، تفصح عن العلاقة بين الشقيقين:

وفي تلك المخطوطة يقول مؤنس: ”لعب عمر دوراً عجائبيا في حياتي، لا دور الشقيق التقليدي، وإنما دور الأب والابن معاً كيف؟ كان عمر في واحدة من تجليات علاقتنا عنصر المناعة الصلبة في عمودي الفقري. يصغرني بعشر سنوات، فهو بمنزلة ابني بهذا القياس، لكنه لعب دور الأب المسؤول عن ابنه الطائش غير المتزن (أنا) منذ وقت مبكر“.

ويضيف: ”كان شقيقي عمر- أبي وابني- نقيضي الذي يكملني، هو الأقرب لمزاج أبي وطبيعته. في كيميائه اعتدال وفي تركيبه توازن. ولعله كان يحسب مجازفاته بدقة، لم يعرفها أبي، ويسيطر على مغامراته بإحكام“.

أنهى عمر دراسته الثانوية في عمان، وقد طمح للدراسة في الجامعة الأمريكية في بيروت، في الوقت الذي أصبح فيه والده الأمين العام المساعد لحزب البعث العربي الاشتراكي، وقد استدعاه الأب إلى بغداد (عاصمة الحزب) ليفاجأ هناك بالاستقبال ”الرئاسي“ له، فقد صعد ضابط عراقي إلى الطائرة التي أقلته من عمان ومنع الركاب من النزول، باستثناء ”الأستاذ عمر الرزاز“ الذي كان في التاسعة عشرة من عمره، وتمت استضافته في مقصورة الشرف، لتقله بعد استراحة قصيرة سيارة ”ليموزين“ إلى منزل العائلة.

السلطة لم تغو الفتى الذي لا تستوقفه القشور والزخارف، ويجهد أن يبحث في العمق، خصوصًا عندما ذهب إلى زيارة جامعة بغداد، ووجد رئيس الجامعة بانتظاره عند الباب، بكامل قيافته وحتى بربطة عنقه، والجو قائظ لا يرحم. يناديه بلقب ”استاذ عمر“.

لم ينه دراسته في الجامعة الأمريكية في بيروت، فقد اجتاحت إسرائيل أول عاصمة عربية في العام 1982، فعاد إلى الوطن لفترة قصيرة، فيما الأهل في بغداد رهن الإقامة الجبرية، ليشد الرحال إلى الولايات المتحدة ليدرس في تخصص الاقتصاد الذي اختاره، والتحق بجامعة لويزيانا التي حصل منها على شهادة البكالوريوس ثم الماجستير من جامعة ”الام أي تي“ والدكتوراه من هارفارد، أرقى الجامعات الأمريكية.

وعن سفره يقول: ”افتخر بإرث أسرتي، وهو إرث لا أسمح لنفسي باستنزافه، لذلك كان أحد أسباب ابتعادي عن الأردن أنني أردت اكتشاف قدراتي الشخصية خارج هذا الإرث“.

طال الاغتراب بعمر في سنوات الدراسة والعمل لدى البنك الدولي، وحيث كانت محطته الأخيرة في بيروت، مديرًا لمكتب البنك الدولي فيها، وكان  اقترب من سن الخامسة والأربعين، ففكر بالعودة.

ولطالما حاول العودة لكن السفر ظل دائمًا يقوده إلى سفر. حينها كانت الحكومة أعلنت عن وظيفة مدير الضمان الاجتماعي، فتقدم للوظيفة يسكنه الحنين إلى عمان، وملاعب الصبا في اللويبدة وحميمية الأهل والأصحاب القدماء، مدركًا أنه إذا لم يرجع الآن، بعد 25 عامًا من الغياب، فسيفقد القدرة على العودة للمساهمة في مسيرة بلده، إلا متقاعدًا.

وكان يشك بأن يكون له نصيب في منصب مدير الضمان الاجتماعي، رغم أهليته له، لأنه لم يكن يعرف أحدًا من المسؤولين وأصحاب القرار وواسطته الوحيدة اسمه وخبراته.

حين علم أن اسمه بات ضمن 12 اسمًا يتنافسون على المنصب، بدأ الاتصال بينه وبين حكومة معروف البخيت. وعمد البنك الدولي لمضاعفة راتبه متمسكًا به، ولوقت طويل بقي مسؤولو البنك يقولون إن موقع عمر الرزاز ما زال بانتظاره، وفي أي وقت.

إدارته للضمان تركت انطباعات عديدة، خصوصًا بعد أن عُدل القانون بناء على توصيته بما لم يلق ارتياحا شعبياً.

يتميز عمر الرزاز كاقتصادي، بطرحه الذي لا يخلو من مضمون اجتماعي متقدم. ويشهد له موظفوه ”بأنه ذكي وعاقل ودارس جيد“، ويروون أنه ابتعد عن الإعلام والسياسة وأغلق بابه على نفسه لمدة 6 أشهر لكي يلم بموقعه، الذي هو أصلا مؤهل له.

بعد الضمان عين رئيسًا لمجلس أمناء صندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية، ثم رئيسًا لمجلس إدارة البنك الأهلي الأردني.

دقت الوزارة بابه لأول مرة حين اختير وزيرًا للتربية والتعليم في حكومة هاني الملقي خلفًا للوزير المثير للجدل محمد الذنيبات، الذي شهد عهده أكبر نسبة رسوب في الثانوية العامة؛ ما عدّ ذلك تحديًا بحد ذاته؛ ومهمة ليست سهلة أبداً، ونجح بها باقتدار.

من صفاته بحسب مقربين، استقرار المزاج أكثر من اللازم، فقد علمته الحياة بظروفها الصعبة التي توالت عليه، أن يمسك أعصابه.

ومن صفاته أيضًا عشقه الدائم للتحدي، لدرجة أنه وعائلته يشعرون بالحاجة إلى شيء من الرتابة والاستقرار.

ويقول بسخرية مريرة ”أنهم لطالما وهم أطفال لاموا الوالد على حياته المتقلبة، لكنهم اكتشفوا أنه ترك فيهم الرغبة في خوض غمار الحياة“.

من هواياته أنه قارئ جيد للأدب، وأول كتاب قرأه كان لمؤنس ”مد اللسان الصغير في وجه العالم الكبير“، يقول عن الكتاب أنه ”أذهله، إذ رأى فيه معاناة أخيه واستطاع أن يتحسس فيه كل معنى وكلمة“.

أما الكتاب الذي أثر فيه فهو ”النمور في اليوم العاشر“ لزكريا تامر، الذي تعرض لمفهوم الترويض، وتعلم منه ”أن على الإنسان الحذر من الترويض ليقبل بشروط تحد من حريته وتهشم بوصلته الداخلية، وتكون غير مرضية لإنسانيته، فيصبح مثل تلك النمور التي أكلت العشب في النهاية“.

ولعمر ابنان: آية وطارق، ولعلها محض مصادفة أنه كان يقرأ لهما أحيانًا بعضًا مما كتبه مؤنس للأطفال، وشذراً من قصص أمجاد العرب القدماء. وتحديدًا ”سيف بن ذي يزن“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com