14 مايو 2018.. مشهد فلسطيني سيريالي يختلط فيه السياسي بالديني برؤية مأزومة إلى يوم الدين

14 مايو 2018.. مشهد فلسطيني سيريالي يختلط فيه السياسي بالديني برؤية مأزومة إلى يوم الدين

المصدر: إرم نيوز

طوال السنوات السبعين الماضية، ظلّ الفلسطينيون والعرب وبعض المسلمين يحيون ذكرى حرب فلسطين والاحتلال الإسرائيلي وقيام دولة إسرائيل (15 أيار 1948) بتعبير ”النكبة“، مضافًا له أحيانًا شعار مفتاح البيت، إشارة للإصرار على العودة.

ومنذ حرب الخامس من حزيران 1967، أضيف لقاموس المناسبات السنوية الحزينة تعبير ”النكسة“، وأضحى اللفظان: النكبة والنكسة، اختصارًا للرفض الوجداني الأممي لقيام وتوسع إسرائيل على الأرض الفلسطينية، رغم ما شكّله التعبيران والإحياء السنوي لذكرياتهما الدامية، من مظاهر التعايش أو التطبيع الرسمي المموّه مع الواقع.

تقاطع الافتراضي والواقعي

سبعون سنة من دراما أو معضلة العيش المرير في حال يتقاطع فيه الواقعي Actual مع الافتراضي Virtual الشرعي.

ويوم أمس، الرابع عشر من أيار 2018، بما شهده من تناقض فاجع بين الاحتفالات في القدس المحتلة بنقل السفارة الأمريكية واعتراف واشنطن بالقدس عاصمة لإسرائيل، وبين المحرقة التي طالت غزة بآلاف القتلى والجرحى، فقد أُضيف للتاريخ الفلسطيني والعربي والإسلامي مناسبة سنوية ثالثة مثقلة هذه المرة بالمضامين السياسية والدينية التي لم يجر حتى الآن توصيفها بتعبير لغوي، يجعلها“ثالث أيام النكبة والنكسة“.

ربما لأن الرابع عشر من أيار والخامس عشر منه هما في الواقع يوم واحد طويل للنكبة… ففي ثنايا ما حصل يوم أمس، إشارة رآها الكثيرون، بمن فيهم صحيفة نيويورك ماغازين الأمريكية، بأنه يوم واحد طويل مستمر إلى يوم القيامة.

مشهد سريالي

صحيفة ”نيويورك ماغازين“ استخدمت تعبير ”السيريالي المحتشد بالتناقضات“ في وصفها لما حصل في القدس، يوم أمس، متزامنًا مع ما حصل على حدود قطاع غزة. ومن كليهما تشكّلت صورة خرافية في استحضار السياسي مع الديني بشكل يؤكد أن البركان في الأرض الموعودة لدى الديانات الثلاث، محكوم بالثوران الأزلي وإن تقطعت أزمنة تدفق حممه الحمراء.

القس جيفرسن

وزاد في وطأة البُعد الديني لواقعة السفارة الأمريكية والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، مشاركة القس الأمريكي روبرت جيفرسن، في الاحتفال، وهو الذي سبق ووصف الإسلام بأنه شرّ، كما سبق وقال إن المسلمين واليهود وفئة المورمون من المسيحيين، مصيرهم المحتوم أن يكونوا في النار.

مشهد ابنة ترامب (التي قيل إنها تهوّدت) وزوجها كوشنر أمام الحاخام اليهودي الأكبر إسحق يوسف وهو يباركهما، أثار المزيد من الغبار الملوّث في المشهد العام ليوم الرابع عشر من أيار 2018. فبالإضافة للبُعد الديني الملتبس في هذه المباركة السياسية، فقد استحضر الكثيرون ما يعرفونه عن الحاخام يوسف الذي كان شبّه النساء بالحيوانات، أنه كان أيضًا قبل بضعة أسابيع شبّه الأمريكان الزنوج بالقردة. ويومها سمع الكثير من التقريعات التي استذكرت أن اسم ”يوسف“ (وهو اسم الحاخام) جاء في التوارة رديفًا لكلمة ”كوشي“ التي تعني الآن شتيمة عنصرية.

ظلال سياسية 

وكما كان مشهد السفارة الأمريكية في القدس، يوم أمس، مُثقلًا بالمضامين الدينية التي تجعله يُحرّك خلفيات عقائدية متفاوتة ومتناقضة بمفعول أزلي.

كذلك لم يخلُ المشهد من إيحاءات وإسقاطات سياسية. فهو بالنسبة لجاريد كوشنر الذي يغرق داخل واشنطن باتهامات وتحقيقات بشبهات فتح قنوات سرية مع الروس، يشكل حبل إنقاذ سياسي يعطي الانطباع بأنه ما زال قويًا في البيت الأبيض ويتولى منصب المبعوث الخاص للشرق الأوسط.

الولاية على المقدسات

لقد أمضى كوشنر عدة أسابيع وهو يكتب الكلمة التي ألقاها، يوم أمس، حسب ما أكد مصدر من داخل البيت الأبيض. ولذلك فإن ما تضمنه خطابه من إشارات، جرى تناولها بتوزين سياسي ثقيل، كان أبرزه ما صدر من الناطق الرسمي الأردني د. محمد المومني، الذي شجب بقوة إشارة كوشنر بأن ”إسرائيل أصبحت بعد الآن الراعي الرسمي للمقدسات المقدسية“، وهي إشارة فيها إيحاءات غاية في الصدامية؛ كونها تنزع الولاية على المقدسات الإسلامية والمسيحية عن أي طرف إسلامي، بقدر ما تلغي احتمالات تدويل الإشراف على هذه المقدسات.

طموحات أردوغان 

وحتى التحشيد الذي أشرفت عليه حكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يوم أمس، لم يُخف هو الآخر طموحات أردوغان بأن يكون يومًا ما شريكًا في رعاية المقدسات، من زاوية أن تركيا العثمانية كانت تحتل القدس، وأن لها حتى الآن مزارات وشواهد يستغلها أردوغان لأسباب عثمانية في التظاهرات السياسية المتصلة بالقدس.

غسيل سياسي لنتنياهو

ولم يخلُ المشهد السيريالي لاحتفال السفارة الأمريكية في القدس، يوم أمس، من إشارات ضمنية استخدمها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لتبرئة نفسه من السقطات الأخلاقية في الفساد السياسي الذي يخضع فيه، هو وزوجته للتحقيق والتقاضي.

ذروة السيريالية في المشهد الذي يجمع احتفالات السفارة بالقدس مع المذبحة التي حصلت في غزة، كان في إلقاء واشنطن مسؤولية المجزرة على حركة حماس، وهو موقف يعني أن جهود مجلس الأمن من أجل تشكيل لجنة تحقيق أو لفرض حماية دولية على غزة، هي جهود محكومة سلفًا بتفشيل الفيتو الأمريكي.

شهادة وفاة حلم السلام

شبكة ”سي أن أن“ وفي مقابلة أجرتها مع رئيس الوزراء الأسبق إيهود أولمرت، خرجت برؤية سياسية مفادها أن ”ما حصل، يوم أمس، في القدس وعلى حدود غزة، هو شهادة وفاة موثقة لحلم السلام في الشرق الأوسط“، لكنها لا تعني أن الأطفال الفلسطينيين سيتخلون عن رفع الراية.

مُقدّمات مشهد يوم القيامة

محررة نيويورك تايمز هيثر هيرتبرت أشارت إلى الذي لا يعرفه الكثيرون من الأمريكان، وهو أن القدس تحديدًا وفلسطين عمومًا هي في الديانات الثلاث، البقعة الأرضية المقدسة التي فيها ستكون مُقدمات مشهد يوم القيامة، من تجليات وحروب. وهي موروثات معروفة لذوي الاختصاص والمتدينين، لا جديد فيها إلا مشاركة إيفانكا ابنة ترامب وزوجها جاريد كوشنر في الاحتفال الذي يعني بالنسبة للمسيحيين البروستانت (ومنهم ترامب) ولليهود (ومنهم كوشنر) حدثًا دينيًا عميقًا يجري توظيفه سياسيًا.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة