فوضى ليبيا تلقي بظلالها على المواد الغذائية

فوضى ليبيا تلقي بظلالها على المواد الغذائية

طبرق/ لندن – ارتفعت أسعار المواد الغذائية في ليبيا بعد أن أدت مشاكل السداد والمعارك وانهيار سلطة الدولة إلى تعطيل الواردات من الخارج بعد ثلاث سنوات من الإطاحة بمعمر القذافي.

وزادت أسعار الأرز والخضراوات مثل الطماطم (البندورة) والعصائر ما يصل إلى عشرة في المئة في مدن مثل بنغازي التي يوجد بها ميناء رئيسي حيث زاد العنف من الصعوبات التي يواجهها الموردون في توصيل سلعهم وهو ما اضطر المستوردين إلى البحث عن سبل جديدة لجلب الغذاء.

وتصدر ليبيا النفط لكنها تعتمد على استيراد كل شيء من القمح إلى الحليب لتلبية احتياجات سكانها البالغ عددهم ستة ملايين من المواد الغذائية.

وحتى الآن لم يظهر أي نقص في الغذاء لكن المستوردين الليبيين اضطروا للتحايل على الوضع باستخدام الحدود البرية أو جلب كميات أقل عبر موانيء أصغر أو السحب من المخزونات الحالية.

ويقول تجار قمح أوروبيون إن العنف وارتفاع أسعار التأمين ومسائل تتعلق بصلاحيات الموانيء الغربية التي لم تعد الآن تحت سيطرة الحكومة دفعت شركات الشحن إلى رفض التعامل مع ليبيا.

وقال مصدر تجاري أوروبي يتعامل مع ليبيا وطلب عدم نشر اسمه ”أصبح إبرام الصفقات أكثر صعوبة. من المفهوم أن المسألة لا تستحق العناء في الوقت الحالي لكثير من موردي (السلع الغذائية).“

ويبعث انهيار النظام على خيبة الأمل لدى القوى الغربية التي كانت تأمل إقامة نظام ديمقراطي في ليبيا عندما دعمت الانتفاضة على حكم القذافي عام 2011.

وتمول الحكومة واردات القمح وغيره من السلع الأساسية المدعومة بسداد الأموال للمستوردين من القطاعين العام والخاص لضمان بقاء الأسعار منخفضة. لكن العمل في بعض الدوائر الحكومية والبنوك توقف لغياب الموظفين الذين يخافون على سلامتهم بعد سلسلة من الهجمات.

وقال حسني بي رئيس مجموعة اتش بي -وهي من الشركات الكبرى في ليبيا- ”موظفو صندوق تثبيت الأسعار لم يحضروا لعملهم ولذلك لا يسددون أي مدفوعات للموردين المحليين والاجانب.“

وأضاف أن للموردين مستحقات تقدر بمبلغ 500 مليون دينار ليبي بعضها مضى على استحقاقه عام.

ويسهم الصندوق في بقاء أسعار بعض السلع منخفضة. ويبلغ سعر رغيف الخبز ما يعادل سنتين فقط وهو ما يعني أن استيراد القمح ليس تجارة مربحة للمستثمرين لولا التمويل الحكومي.

وفي ظل هذا النظام يشتري الليبيون كميات كبيرة من الخبز ولا يستخدم جانب كبير منه لكن الحكومة أضعف من أن ترفع أسعار الخبز رغم ارتفاع كلفة الدعم.

وقال حسني بي إنه إذا استمر تعطل الصندوق عن العمل بسبب العنف فإن المطاحن قد تسعى للحصول على تمويل لاستيراد القمح من البنوك التجارية المحلية التي تواجه مشاكل أيضا.

القمح والسكر

ولأن الوزارات لا تعمل على الوجه الصحيح لا توجد بيانات حديثة تذكر. وقال مسؤول في ميناء بنغازي التجاري البوابة الرئيسية للقمح وغيره من الواردات المتجهة إلى شرق البلاد إن الكميات انخفضت بنسبة تزيد على 60 في المئة منذ مايو ايار عندما تصاعد القتال بين القوات الموالية للحكومة وفصائل اسلامية.

وقال مصطفى العبار مدير الميناء ”اعتدنا رسو عشر سفن على الرصيف وانتظار 17 سفينة. والآن عندنا سفينتين أو ثلاثة.“

ومن المحتمل أن يتوقف العمل في ميناء بنغازي بالكامل إذا نفذت قوات اللواء المنشق خليفة حفتر تهديدها بقصف أي سفينة تقترب من أجل وقف ما يقول انها امدادت أسلحة للاسلاميين.

وتظهر بيانات متابعة السفن أن أربع سفن على الأقل تحمل سلعا من بينها حبوب راسية حاليا قبالة بنغازي. وإحدى هذه السفن راسية منذ ثلاثة أسابيع على الأقل بشحنة قمح.

كذلك توجد مؤشرات على تباطوء تسليم شحنات السكر الأبيض الذي يقدر حجم استهلاكه بين 230 الف طن و250 ألفا في ليبيا سنويا في السنوات الأخيرة.

وقال مصدر تجاري أوروبي ثان ”أصحاب السفن يخشون جلب سفنهم إلى المواني الليبية الآن ولا يبدو أن ثمة شحنات كبيرة عديدة في الاونة الاخيرة خاصة من السكر الابيض.“

مسارات بديلة

وقالت مصادر تجارية إن بعض المشترين الليبيين ينقلون شحنات السلع ومنها القمح والسكر برا عن طريق تونس ومصر.

وقال المصدر الأوروبي الثاني ”هذا ليس مثاليا والتكاليف كبيرة. على الأقل إذا اختطفت الشاحنة لن يكون الأمر مثل خسارة سفينة كاملة بالسلع داخل ليبيا.“

ويرسل آخرون شحنات أصغر حجما إلى موانيء أصغر.

وقد انقسمت ليبيا فعليا إلى ثلاثة كيانات وأصبحت الحكومة والبرلمان المنتخب تتركزان في طبرق الواقعة على مسافة 1200 كيلومتر من طرابلس حيث أقامت المعارضة المسلحة برلمانا وحكومة منافسين. أما بنغازي حيث يتواجه الجيش والإسلاميون فما من طرف يسيطر عليها.

وتقول مصادر ملاحية إن بعض الموردين يفضلون تغيير المواقع وارسال كميات أصغر لتقليل المخاطر وتفريع الشحنات بشكل أسرع. وأظهر أمر شحن اطلعت عليه رويترز أن مصدرا أوكرانيا كان يعتزم ارسال 3000 طن من العلف الحيواني إلى ميناء البيضاء الصغير شرقي بنغازي الواقع تحت سيطرة الحكومة.

وقال مصدر تجاري أوروبي آخر ”لم يعد بإمكانك شحن حبوب إلى ليبيا بالطريقة العادية لأن شركات التأمين تعتبر بعض المواني في ليبيا مناطق حرب وحتى التأمين من مخاطر الحرب لم يعد يمنحك الحماية.“

وقال متحدث باسم شركة ميرسك لاين أكبر شركات شحن الحاويات في العالم إن لديها خدمة شحن اسبوعية لليبيا عن طريق طرف ثالث. وأضاف ”مازالت تعمل حسب جدول العمل. لكن الأحجام تأثرت بالأوضاع.“

مشاكل مصرفية

وقال حسني بي من مجموعة اتش بي إن السفن مازالت تقوم بتوصيل السلع لمستوردي القطاع الخاص الذين يملكون حسابات في بنوك خارجية رغم أن توزيع المنتجات في ليبيا أصبح أكثر كلفة.

وقد خططت ليبيا لاستيراد 1.8 مليون طن من القمح هذا العام لكن المحللين يتشككون في امكانية استيراد هذه الكمية لأن انهيار الأمن أضعف النظام المصرفي.

وأصبح البنك المركزي الذي يحتفظ بايرادات النفط يرفض تزويد البنوك بالسيولة لتجنب السرقات. وقالت مصادر مصرفية إن مسلحين اقتحموا بنكا في بنغازي الأسبوع الماضي وسرقوا نحو 560 ألف دينار ليبي.

وأدى ذلك إلى نقص الدولارات رغم أن البنك المركزي كان لديه 109 مليارات دولار في صورة احتياطيات أجنبية في نهاية يونيو حزيران.

وقال البنك المركزي إن ارتفاع كلفة التأمين جعل من الصعب نقل أموال النفط المسجلة في حسابات خارجية إلى ليبيا.

وتتساءل شركات الشحن الآن عمن يمثل الدولة التي كانت المستورد الرئيسي.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com