بعد واقعة ”بن عروس“.. مخاوف من خروج الأمن عن الحياد في تونس – إرم نيوز‬‎

بعد واقعة ”بن عروس“.. مخاوف من خروج الأمن عن الحياد في تونس

بعد واقعة ”بن عروس“.. مخاوف من خروج الأمن عن الحياد في تونس

المصدر: الأناضول

تتصاعد مخاوف في تونس من خروج قوات الأمن عن الحياد، بعد تجمهر عناصر أمنية داخل محكمة ”بن عروس“، في الضاحية الجنوبية لتونس العاصمة، قرب العاصمة، يوم 26 شباط/فبراير الماضي، للمطالبة بإطلاق سراح زملاء لهم تم توقيفهم بشبهة تعذيب موقوف.

وعقب جلسة مغلقة أمام لجنة الأمن والدفاع بمجلس نواب الشعب (البرلمان)، الإثنين الماضي، أعلن وزير العدل، غازي الجريبي، فتح تحقيق ”قضائي وإداري“ حول هذا التجمهر.

الجريبي قال، في تصريحات صحفية: ”عندما تم إعلامنا بالحادثة تدخلنا، وتم فتح تحقيق قضائي“.

وتابع: ”هناك اتفاق داخل السلطة على أمرين، الأول ألا نقبل أي وجه من أوجه التأثير على القضاء، والثاني ألا نتهاون في التصدي لكل أشكال التعذيب“.

وبعد الجلسة نفسها، قال وزير الداخلية، لطفي براهم، إن التحقيقات الإدارية بشأن الواقعة ”جارية وفيها تطورات“.

مجموعة مسلحة

وفق العميد متقاعد من الجيش التونسي، رئيس مركز تونس لدراسات الأمن الشامل، المختار بن نصر، فإن ”النقابات الأمنية خرجت عن الانضباط وقيم الأمن الجمهوري، وأصبحت تتصرف وكأنها مجموعة مسلحة خارجة عن القانون“.

وتجمهر العشرات من عناصر الأمن، بينهم حاملون للسلاح، داخل محكمة ”بن عروس“، وطوّقوا مقرّها بالسيارات الرسمية، أثناء جلسة تحقيق قضائي مع ثلاثة من زملائهم، بشبهة تعذيب موقوف.

ونُظم التحرك استجابة لبلاغ من نقابة موظفي الإدارة العامة للأمن العمومي، التي دعتهم إلى عدم مغادرة المحكمة إلى حين الإفراج عن زملائهم.

وحثت النقابة، في بلاغها يوم 25 شباط/فبراير الماضي، جميع الأمنيين على“عدم المثول مستقبلًا أمام الجهات القضائية بخصوص القضايا المرتبطة بممارستهم لمهامهم“،

وشدّد ”بن نصر“ على أن ”هذه الحادثة تؤثر بشكل بالغ على مستوى ثقة المواطن في المؤسسة الأمنية، وتضرب التوجه نحو بناء أمن جمهوري“.

ومضى قائلًا: ”نحن بصدد إرساء أمن جمهورية يقتضي علوية القانون والثقة في أجهزة الدولة والحياد. والأمنيون هم أحد أجهزة السلطة، ولا يجوز لأجهزة السلطة أن تكون خصمًا أو منازعًا لها“.

وانتقد ما أسماه ”انزلاقات“ في العمل النقابي الأمني، مضيفًا: ”لما أُعطي الحق في تشكيل النقابات تم التأكيد أنّه ليس لها حق الإضراب، خوفًا من الانزلاقات“.

وتابع: ”لكن لوحظ خلال السنوات الفارطة أنّ هناك عدم فهم لخصوصية الأمن، الذي يحمل السلاح وله مهمّة إنفاذ القانون.. يغيب عن النقابات أحيانًا أنّ تحركا مثل هذا يقرأ باعتباره تهديدًا وخروجًا عن الانضباط وانعدام الحيادية“.

ودعا الخبير العسكري النقابات الأمنية إلى أن ”تراجع نفسها بشكل جدّي، وتضع ميثاقًا لعملها“.

كما حمّل المسؤولية لوزارة الداخلية، وقال إنّ عليها ”أن تنظر في هذه المسألة بكل جدّية“.

”خطأ فادح“

في أيار/مايو 2011 صدر مرسوم سمح لأعوان قوات الأمن الداخلي بممارسة العمل النقابي، وتكوين نقابات مهنية مستقلة.

لكن ورد في نص المرسوم أنّه ”يُحجر على أعوان قوات الأمن الداخلي، في ممارستهم العمل النقابي، الإضراب عن العمل أو تعطيل سيره بأي وجه“.

وتم بعدها تأسيس أكثر من 10 نقابات في مختلف الأجهزة الأمنية.

واعتبر ”بن نصر“ أنّ السماح بتكوين النقابات ”كان خطأ فادحًا، في وقت لم تنضج فيه الديمقراطية في البلاد“، حسب قوله.

وأشار إلى تعدد حالات الانحرافات والخروج عن الانضباط الواجب على حملة السلاح، على غرار رفع شعار ”إرحل“، في وجه رؤساء الجمهورية، والحكومة، والبرلمان، في تشرين الأول/أكتوبر 2013، وتكررت الحادثة مع رئيس الحكومة (السابق)، الحبيب الصيد، في شباط/فبراير 2016.

وشدد على أن هذه النقابات تجاوزت شرط ”الحياد التام ”المنصوص عليه في الباب الثامن عشر المتعلق بالمؤسسة الأمنية في الدستور التونسي.

الثقة في القضاء

المجلس الأعلى للقضاء (هيئة دستورية منتخبة) من جانبه استنكر، في بيان، سلوك عناصر الأمن في المحكمة، محذرا من أن من شأنه ”زعزعة الثقة في الجهاز القضائي بما يهدد مقومات النظام الجمهوري الديمقراطي“.

واعتبرت نقابة القضاة التونسيين ما حدث ”تجاوزات ترقى إلى مرتبة الجرائم المنظمة، وتتطلب التصدي لها ولمرتكبيها“.

ودعت النقابة، في بيان، ”كافة القضاة إلى الثبات على مبادئ استقلالية السلطة القضائية، وعدم الرضوخ لأي ضغوط“.

ونفذ القضاة التونسيون، في 8 آذار/مارس الجاري، ”يوم غضب“ في كافّة محاكم تونس، مطالبين بتفعيل جهاز ”شرطة قضائية“ تؤمن العمل داخل المحاكم.

وتجمع القضاة بالزّيّ القضائي، أمام المحكمة الابتدائية في بن عروس، في وقفة احتجاجية، رافقتها وقفات مماثلة في مختلف محاكم البلاد.

هذه التحركات قالت عائشة بن بلحسن، عضو جمعية القضاة (مستقلة)، إنها ”جاءت احتجاجًا على التعدّي الذي لحق بالسلطة القضائية، والانتهاك الصّارخ لمقرّ المحكمة الابتدائية في بن عروس“.

دعوة إلى العصيان

ومحذرة من التداعيات، اعتبرت ست منظمات، بينها نقابة الصحفيين التونسيين وجمعية المحامين الشبان، في بيانت مشترك، أن دخول عناصر الامن لقمر المحكمة في محاولة للضغط على القضاء يمثل ”دعوة واضحة إلى العصيان والتمرد على مؤسسات الدولة، وسط لامبالاة من السلطات“.

وقالت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان إن الأفعال الصادرة عن بعض النقابات الأمنية تمثل ”تأصيلا لاستفحال ظاهرة الإفلات من العقاب في جرائم التعذيب، التي يكون فيها الأمنيون متهمين“.

كما صدرت بيانات استنكار للحادث عن أحزاب، بينها حركة النهضة والحزب الجمهورية وحراك تونس الإرادة، والتيار الديمقراطي.

وقفة

على الجانب الآخر، رفض مسؤول الإعلام في نقابة موظفي الإدارة العامة لوحدات التدخل، نسيم الرويسي، وصف تحرك عناصر الأمن في ”بن عروس“ بـ“التمرّد“.

وقال الرويسي، إنها كانت ”وقفة تلقائية خالية من أي تهديد، وإذا سجلت تجاوزات، فنحن لسنا ضد فتح تحقيق وتحميل المسؤوليات“.

وشدد على أنه ”إذا تعرض أي طرف للمضايقة أو النيل من اعتباره، فالقضاء هو الفيصل، وكل من ارتكب خطأ مثل هذا سيتحمل مسؤوليته“.

واعتبر أن ”الأمنيين لم يسعوا إلى الضغط على القضاء، بل عملوا تحت إمرته“.

وتساءل مستنكرًا: ”نحن من أوقف زملاءنا (المتهمين بالتعذيب)، وجلبناهم إلى المحكمة، تنفيذًا لتعليمات القضاء، فكيف يجري الحديث عن تمرّد (؟!)“.

ووجه الرويسي أصابع الاتهام إلى ”أطراف“ (لم يسمّها) قال إنها ”تريد افتعال صراع بين المؤسسة الأمنية والمؤسسة القضائية“.

وأضاف: ”لا مشكل لنا مع القضاء، وإن ثبتت إدانة زملائنا المعنيين بملف التعذيب المذكور، فنحن نقبل ذلك“.

وانتقد الرويسي أعمال القضاء الذي أشرف، في يوم عطلة، على إيقاف أعوان الأمن بشبهة التعذيب، بينما كان بالإمكان توجيه الاستدعاءات القضائية إلى عناوين سكناهم أو عملهم، وهو السبب الداعي إلى تلك الوقفة الاحتجاجية التلقائية بالمحكمة، وفق تعبيره.

وعقب التحقيق مع أعوان الأمن الثلاثة، المشتبه في تعذيبهم موقفًا، جرى إطلاق سراحهم.

وكان مندوب الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب (هيئة دستورية منتخبة) قد عاين آثار جروح وكدمات على الموقوف المشتكي، ودوّن روايته بخصوص تعرضه للتعذيب في مركز للشرطة بمحافظة بنعروس، وأصدرت الهيئة تقريرًا تفصيليًا في حالته الصحية والبدنية.

وأيا كان حكم القضاء في اتهام عناصر الأمن الثلاثة فإن المخاوف تتزايد من أن يمثل ما حدث من زملائهم في المحكمة بداية لخروج قوات الأمن عن الحياد، بما له من تداعيات خطيرة على المجتمع.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com