هجمات طائفية تربك تشكيل الحكومة العراقية

هجمات طائفية تربك تشكيل الحكومة العراقية

70 قتيلا في استهداف ميليشيا شيعية لمسجد والكتل السنية تحتج

المصدر: إرم ـ خاص

لم تمض سوى أيام قليلة على التسوية السياسية التي قضت باختيار حيدر العبادي، الشيعي المعتدل، لتشكيل الحكومة العراقية، حتى شهد العراق اليوم الجمعة أعنف هجوم طائفي، شنته ميليشيا شيعية، وراح ضحيته نحو 70 شخصا، حسب مصادر رسمية عراقية.

الهجوم الذي وقع في محافظة ديالي شمال بغداد، استهدف مسجدا للسنة خلال صلاة الجمعة، وفي حين تضاربت التقارير حول عدد الضحايا، وفي كيفية وقوع الهجوم، إلا أن مصادر عراقية أفادت أن مليشيات ”عصائب أهل الحق وسرايا السلام“، الموالية لرئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي، هاجمت خلال صلاة الجمعة مسجد مصعب ابن عمير في قرية إمام ويس التابعة لناحية جلولاء شمال شرق قضاء بعقوبة مركز محافظة ديالى“.

وأضافت المصادر أن ”المليشيات الشيعية قامت بإطلاق النار عشوائيا على المصلين في المسجد، ما أدى الى مقتل 9 مصلين على الفور واصابة 20 اخرين بجروح مختلفة“، قبل أن يعلن مصدر طبي ارتفاع الحصيلة إلى 70 قتيلاً.

انسحاب النواب السنة

وفي رد فعل سريع، انسحب النواب السنة من المحادثات الخاصة بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة إثر الهجوم الدامي.

واتهم النواب ميليشيا شيعية بالضلوع في الحادث، وهو ما دفع الكتلتين البرلمانيتين السنتين الرئيسيتين إلى الانسحاب من محادثات تشكيل حكومة جديدة لتضعا تحديا كبيرا أمام رئيس الوزراء المكلف، الذي يسعى بقوة لتشكيل حكومة تضم جميع الأطياف.

وطالبت الكتلتان اللتان يرأسهما رئيس البرلمان سالم الجبوري ونائب رئيس الوزراء صالح المطلك رئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي والكتلة البرلمانية الشيعية الرئيسية بتسليم الجناة خلال 48 ساعة وتعويض عائلات الضحايا ”إذا أرادوا للعملية السياسة والحكومة الجديدة أن ترى النور“.

وألقى البيان المشترك باللائمة في الهجوم على ”الميليشيات“ في إشارة واضحة إلى الجماعات الشيعية المسلحة المتحالفة مع الحكومة.

ويرى المراقبون أن توقيت هذا الهجوم يحمل أبعادا لا يمكن تجاهلها، فهو يأتي في أعقاب خسارة المالكي لمعركته التي خاضها من أجل الفوز بولاية ثالثة في رئاسة الوزراء، وإذ إذعن لتوافق إقليمي ودولي واسع بتكليف العبادي لتكشيل الحكومة، فان عين المالكي بقيت شاخصة نحو السلطة التي فقدها مكرها، ولا سيما بعد أن رحبت السعودية وإيران بذلك المخرج السياسي اللافت الذي جاء بعد مخاض عسير.

وتقول مصادر عراقية إن هذا العنف الطائفي، الذي ضرب العراق المضطرب أصلا، سوف يربك تشكيل الحكومة العراقية المرتقبة، وسيقوض جهود العبادي ومحاولاته في انجاز تشكيلة وزارية توحد العراقيين في استقطاب المكون السني وفي مواجهة تنظيم داعش المتشدد الذي يسيطر على مناطق واسعة شمال وغرب العراق، مشيرين الى أن التداعيات قد لا تقتصر على مجرد الانسحاب من محادثات تشكيل الحكومة.

الرقم الصعب

ومن المرجح أن تكون لهذه الهجمات ارتدادات سلبية على المشهد السياسي في العراق، خصوصا وان اصابع الاتهام تتوجه الى مليشيات موالية للمالكي الذي همش المكون السني خلال ولايتيه السابقتين، وما جرى اليوم أحبط آمال هذا المكون الذي استبشر خيرا بمجيء العبادي وبرحيل المالكي، غير أن هذا الأخير مصر على خوض معركته حتى النهاية، وكأنه يريد إيصال رسالة الى العراقيين مفادها أنه الرقم الصعب سواء كان داخل الحكومة وخارجها.

ولم يخف بعض المراقبين هواجسهم إزاء مثل هذا الاحتمال، قبل وقوع هذا الهجوم، إذ أعربوا عن اعتقادهم أن المالكي سيثأر بطريقة غير مباشرة، للحفاظ لا على منصبه، وإنما على دوره وحضوره، عبر الاستعانة بميليشيات ورجالات الأمن والجيش الذين يدينون له بالولاء، كي يضع العصي في عجلات الحكومة التي راحت تدور وسط ارتياح داخلي وترحيب دولي.

ومن المعروف أن المالكي عمد المالكي خلال توليه لمنصب رئاسة الحكومة إلى بسط سيطرته على الأجهزة الأمنية في العراق من خلال انشاء أجهزة اضافية متصلة اتصالا مباشرا بمكتبه عبر سلسلة من الامتيازات والمناصب.

ويأتي هذا الاستهداف في وقت ظهرت فيه دعوات لاعادة دمج حزب البعث العراقي في الحياة السياسية، وهي دعوات طالب بها شخصيات سياسية عراقية بارزة، وذهبت بعض التحليلات الى ان واشنطن ستعمل على تلافي أخطاء الإدارات السابقة في العراق، إذ أكد ضابط عراقي سابق مقيم في الولايات المتحدة أن هناك ”احتمالا كبيرا في أن الولايات المتحدة حاليا على اتصال مباشر مع قيادات بارزة في حزب البعث العراقي وقيادات معارضة عشائرية وعسكرية وبعض الجماعات المسلحة السنية غير المتطرفة بهدف إصلاح ما أفسده المالكي“.

حساسية استهداف المساجد

ولا يمكن، هنا، أن نغفل ما تتمتع به محافظة ديالي من رمزية لدى العراقيين، فهي تمثل عراقا مصغرا كونها تضم خليطا من القوميات والاديان والمذاهب، فضلا عن أن استهداف المساجد، بدوره، له حساسية خاصة في وجدان العراقيين، إذ فجرت استهدافات مماثلة، من قبل، موجة من عمليات الثأر المتبادلة في العراق الذي ارتفع فيه العنف الى مستويات عالية عامي 2006 و2007 في ذروة الاقتتال الطائفي في البلاد.

وتعتبر ميليشيا عصائب أهل الحق إحدى الجماعات المنشقة عن التيار الصدري لتدين بالولاء للمالكي، وتقول المصادر إن هذه المليشيا قامت بتنفيذ حملات اغتيال استهدفت رموز المكون السني من المشايخ والعلماء والكفاءات الشبابية والاكاديمية، وبتواطىء ومساعدة مع القوات الحكومية.

السيستاني يجدد الدعوة لمواجهة داعش

في سياق متصل، جدد المرجع الشيعي الأعلى في العراق علي السيستاني دعوته بضرورة توحد العراقيين في محاربة تنظيم داعش الذي استولى على مناطق واسعة من شمال وغرب العراق.

وقال ممثل السيستاني، عبد المهدي الكربلائي، في خطبة الجمعة التي ألقاها في مدينة كربلاء إن مطالب وشروط السياسيين يمكن أن تعرقل تشكيل الحكومة الجديدة في العراق.

وأضاف ممثل السيستاني أن الدفاع عن العراق ضد مجموعات إرهابية ينبغي أن ينظر إليه على أنه ”شرف عظيم“.

وتابع الكربلائي قائلا إن جميع الأطراف اتفقت على الحاجة إلى تشكيل حكومة ”مقبولة“ في بغداد، مضيفا أن التعجيل بتشكيل الحكومة العراقية ضروري لمواجهة تهديد تنظيم الدولة الإسلامي المتنامي.

وأوضح ممثل السيستاني أن الحكومة العراقية المقبلة ينبغي أن تتشكل من جميع العراقيين الذين يهتمون بـ ”مستقبل البلد ومواطنيه“، لافتا إلى أن خلافات السياسيين العراقيين ينبغي أن تحل على نحو ”واقعي وقابل للتنفيذ“.

يذكر أن رئيس الوزراء المكلف، العبادي، لديه مهلة حتى 10 سبتمبر/أيلول المقبل لتقديم قائمة بأعضاء حكومته إلى مجلس النواب العراقي للموافقة عليها، لكن المهل الدستورية في العراق لم تحترم سابقا بسبب الخلافات والانقسامات السياسية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com