التدخل العسكري في ليبيا.. والأمن القومي المصري

التدخل العسكري في ليبيا.. والأمن القومي المصري

القاهرة – تشهد الساحة الليبية منذ الإطاحة بالرئيس السابق، معمر القذافي، حالة من الفوضى، وعدم الاستقرار والتدهور الأمني المريع في ظل ظاهرة انتشار سلاح غير مسبوق، وزاد الأمر تعقيداً إعلان اللواء المتقاعد خليفة خفتر، عن عملية الكرامة التي تهدف لتطهير ليبيا، من الجماعات الإسلامية المسلحة، وهو الأمر الذي قابلته كتائب الإسلاميين المسلحة برد فعل بذات المستوى من العنف تحت مسمى ”فجر ليبيا“، مما أدى إلى تفجر الأوضاع على كافة الأصعدة، في غضون ذلك دعا بعض نواب البرلمان الليبي المنعقد في طبرق بمطالبة المجتمع الدولي بالتدخل لحماية المدنيين على غرار ما حدث إبان ثورة 17 فبراير، مما يعني فتح الباب على مصراعيه على كافة الاحتمالات بما فيها التدخل العسكري الأجنبي، الأمر الذي بات يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي المصري بشكل كانت أبرز مظاهره حالات الانفلات التي تشهدها حدود مصر الغربية المتاخمة لليبيا.

وفي ظل تصاعد الأعمال المسلحة في ساحة تمثل عمقاً استراتيجياً لمصر ولأمنها القومي تجد مصر نفسها في وضع لا تستطيع معه غض الطرف عما يحدث، فيما يرى مراقبون ومحللون أن الوضع خطير.. يقول د.أيمن شبانه، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة: إن ما تمر به ليبيا اليوم من تدهور الأوضاع الأمنية والصراع بين الجماعات المسلحة، يمثل تهديداً خطيراً للأمن القومي المصري وينعكس بشكل مباشر على استقرار البلاد، خاصةً وأن الحدود الليبية المصرية هي حدود شاسعة تمتد لآلاف الكيلومترات، مما يجعل عملية تأمينها والسيطرة عليها أمراً في غاية الصعوبة. ويشير إلى أن المجتمع الليبي يشهد حالة من الاستقطاب الحاد التي سوف تقود البلاد إلى الهاوية، إذا لم يتم نزع فتيل الأزمة وتصدر العقلاء المشهد والاحتكام إلى الإرادة الشعبية لا إلى السلاح.

ومن جانبه، قال د.زياد عقل، الخبير في الشأن الليبي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية: إن التدخل العسكري الأجنبي إذا تم سوف يكون بمثابة الضربة للكيان الليبي مما يعرض وحدة أراضيه إلى التفتيت. ويُعتبر خياراً لا يدعمه سند قانوني، ويُعتبر استقواء بالخارج ليس إلا ويمنح الغرب ذريعة لإعادة احتلال ليبيا. ويضيف: إن التدخل العسكري لن يجلب الاستقرار والأمن، بل سيقود البلاد إلى مزيد من الفوضى والصراعات المسلحة.

ويختلف مع الرأي السابق د.هدى راغب، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية، حيث ترى أن تدخل المجتمع الدولي في ليبيا أصبح ضرورة لحماية المدنيين من الجماعات الإرهابية، التي باتت تسيطر على مناطق واسعة من ليبيا، متخذة من الشرق الليبي وبنغازي مركزاً لها، مشيرة إلى أن للتدخل الدولي أشكالاً متعددة في إطار حماية المدنيين في ليبيا وحفظ الحريات، وتقول: إن أرواح الليبيين مهددة وفي خطر يفوق ذلك الخطر، الذي استدعى مجلس الأمن للتدخل إبان بدايات ثورة السابع عشر من فبراير، وفي الوقت الذي لم تخل فيه ليبيا من التدخل الأجنبي خفياً كان أو ظاهراً وبأشكال متعددة، لافتة إلى أن مطالبة البرلمان الليبي للمجتمع الدولي للتدخل في ليبيا جاءت عقب استهداف الجماعات المسلحة للمواطنين وقمعها للحريات. ودعت إلى ضرورة تكوين حلف عسكري دولي تشارك فيه دول عربية، على غرار ما حدث في التحالف الذي قادته فرنسا، وشاركت فيه الإمارات وقطر لإسقاط الرئيس الليبي السابق معمر القذافي إبان ثورة 17 فبراير، للتدخل وحماية المواطنين وتحرير مؤسسات الدولة الليبية من قبضة الجماعات المسلحة، وتابعت قائلة: إن مشاركة مصر في هذا الحلف ضرورية لتأمين حدودها الغربية، التي أصبحت تمثل مصدر تهديد رئيسي للأمن القومي المصري، وتحمي أراضيها من تصدير الإرهاب من الشرق الليبي.

وعن تأثير التدخل العسكري الدولي في ليبيا على الأمن القومي المصري يقول اللواء محمد قدري سعيد الخبير الاستراتيجي: إن التدخل الدولي له أشكال متعددة منها تقديم الدعم اللوجيستي والمساعدات العسكرية للقوات الليبية النظامية، حتى تستطيع السيطرة على الأوضاع، وكل هذا مقبول باستثناء التدخل العسكري في ليبيا، الذي يمثل خطورة على الأمن القومي المصري، وتابع: وجود قوات عسكرية أجنبية على الأراضي الليبية سواء تحت غطاء دولي أو لا يعتبر بمثابة محاصرة لمصر من جهة الغرب مما يوقع مصر بين فكيّ الكماشة شرقاً وغرباً، لافتاً إلى أن مصر عارضت هذا الأمر إبان الثورة الليبية، أما الآن ومع المتغيرات السياسية على الساحة الليبية ووجود مجموعات مسلحة تنتشر على طول الحدود مع مصر أصبح الموقف يتطلب دراسة جيدة وتقييماً أكثر مرونة للوضع في المنطقة.

وأشار إلى أن ليبيا تمثل العمق الغربي للأمن القومي المصري ومن ثم أي تهديد لليبيا يعتبر بمثابة تهديد لمصر، الأمر الذي يدفع بمصر لكي تكون لاعباً أساسياً ومؤثراً فيما يحدث في ليبيا، إلا أنه يستبعد مشاركة الجيش المصري في أي عمليات عسكريا في ليبيا، أو دخولها في أي حلف عسكري ضد المجموعات المسلحة هناك، وهذا يرجع إلى عدة أسباب منها الحالة الأمنية الداخلية في مصر، وانتشار المجموعات المسلحة في الشرق الليبي بمحاذاة الحدود المصرية، كذلك الوضع الإقليمي المعقد، بالإضافة إلى وجود مئات الآلاف من المصريين في ليبيا، مما يمثل عائقاً أمام إمكانية تدخل عسكري مصري في ليبيا ويجعله أمراً في غاية الصعوبة، مما يضع مصر في موقف صعب بين رغبتها في حماية أمنها القومي وتأمين حدودها ورفضها للتدخل العسكري في ليبيا، ويضيف: إنه إذا كان التدخل الدولي في ليبيا لا مفر منه، فيجب على مصر أن يكون لها تواجد مؤثر وفعَّال في أي حلف عسكري، أو قوات موجودة على الأراضي الليبية بما يضم حماية الأمن القومي المصري.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com