إسقاط الطائرات بسوريا.. تغيير لقواعد الاشتباك أم اختبار متبادل؟

إسقاط الطائرات بسوريا.. تغيير لقواعد الاشتباك أم اختبار متبادل؟

أعلن الجيش الإسرائيلي عن إسقاط طائرة إسرائيلية من طراز F16 قرب الحدود السورية، بعد فترة وجيزة من إعلان تل أبيب إسقاط طائرة استطلاع عسكرية إيرانية من دون طيار دخلت إسرائيل.

وحمل الناطق باسم جيش الاحتلال، أفيخاي أدرعي، إيران مسؤولية إسقاط الطائرة، قائلًا “إيران تجر المنطقة نحو مغامرة لا تعلم كيف تنتهي”.

غير أن وكالة الأنباء التابعة للنظام السوري (سانا)، هي من أعلنت أن الدفاعات الجوية السورية تصدت للطائرات الحربية الإسرائيلية التي قصفت قاعدة عسكرية في المنطقة الوسطى، وأصابت أكثر من طائرة، ولم يأتِ الإعلان من قبل وزارة الدفاع أو هيئة الأركان العامة لجيش النظام السوري؛ ما يثير التساؤل الآتي: لماذا تغييب الجيش والأركان ووزارة الدفاع عن المشهد؟.

وبحسب ما نقلته صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، فقد أصدر الجيش الإسرائيلي أوامره للمستوطنين في جميع المناطق القريبة من الجولان، بالبقاء قرب الملاجئ والمباني المحصنة.

وتغلق إسرائيل مجالها الجوي، مع تجدد دوي صفارات الإنذار في الجولان، والبلدات الإسرائيلية في الشمال، وتفتح الملاجئ العامة تحسبًا لتدهور الأوضاع.

وردًا على إسقاط طائرتها قصفت إسرائيل 12 هدفًا عسكريًا داخل سوريا، الأهداف الأربعة الرئيسة منها مواقع إيرانية، يأتي في مقدمتها قاعدة ” T – 4″ الجوية في منطقة تدمر.

ونظرًا لأهمية هذه القاعدة الإستراتيجية التي يستخدمها الإيرانيون والروس معًا، فهل نسق الإسرائيليون مع الروس مسبقًا؟، أو اعتمدوا على الثقة الشديدة بالنفس، والدقة الحادة في التصويب، حتى لا تتعرض الطائرات أو بطاريات الصواريخ الروسية للإصابة؟.. أيًا كان الأمر فقد أعلنت وزارة الدفاع الروسية، أن قواتها المتمركزة في مطار ” T – 4″ لم تصب بأذى.

هل بدأ الأمريكان باستخدام إسرائيل وسيلة للتصعيد ضد إيران في سوريا؟

يرى الإيرانيون، أن جميع السيناريوهات المطروحة لتقاسم /الكعكة/ النفوذ في سوريا، لا توفيهم حقهم، ويصرحون بأنهم، وليس غيرهم، مَن منع نظام بشار الأسد من السقوط، بعد أن كان على وشك الانهيار، يترنح تحت ضربات المعارضة، وهم الذين خاضوا المعارك، جنبًا إلى جنب، أو قبل قوات النظام، ضد المعارضة في جميع أنحاء سوريا.

السيناريوهات المطروحة وخريطة النفوذ الآخذة طريقها نحو التبلور والتشكيل، لا تمنح إيران والنظام سوى دمشق والقلمون وريفها، والسيطرة على مراكز المدن الرئيسة، وهذا لا يرضي طموحات الإيرانيين، لذلك يعمدون إلى سياسة التعطيل والإعاقة، أي: تعطيل وعرقلة جميع الاتفاقيات والتفاهمات العسكرية منها والسياسية؛ ما يفسر المحاولات المستميتة من طرف الإيرانيين للإبقاء على جذوة الصراع العسكري ملتهبة على جميع الجبهات، والضغط على الروس من أجل سد منافذ الحل السياسي والاقتصار فقط على سيناريو الحسم العسكري.

هذا السيناريو الوحيد الذي يكسبهم الأولوية على غيرهم من القوى، بسبب تواجد ميليشياتهم على الأرض.

ولكن المحاولات الإيرانية المستميتة في الحسم العسكري، وتثبيت مناطق النفوذ في سوريا بناء عليه، قوبلت بجدار صد أمريكي من جهة، وبرودٍ وعدم تجاوب وقلة دعم من طرف الروس.

ومن الواضح أن إستراتيجية إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تحجيم الدور الإيراني عمومًا وفي سوريا خصوصًا، قد أخذت طريقها إلى حيز التنفيذ، إذ تتجه الجهود الأمريكية إلى محاصرة الوجود الإيراني في منطقة دمشق وما حولها، ومنع إيران وأذرعها، حزب الله وبقية الميليشيات المسلحة التي جلبتها إيران للحرب في سوريا، من التمدد جنوبًا نحو الحدود مع إسرائيل.

التدخل التركي

ويتم ذلك بالتوازي مع إجلاء الروس للإيرانيين وإخراجهم من منطقة الساحل، باعتبارها منطقة نفوذ روسية، وحرص الروس -أيضًا- على إبعاد الإيرانيين عن حلب، من خلال سيطرتهم على مركز المدينة، وعدم ممانعة التدخل العسكري التركي، في ريفها الشمالي والغربي، من خلال عمليتي درع الفرات وغصن الزيتون، رغم المعارضة الإيرانية الشديدة.

سيطرة الجيش التركي على ريف حلب الشمالي والغربي، من أجل تأمين المدنيين، ضمن اتفاق خفض التصعيد الذي تم التوصل إليه في أستانا، وتموضع قوات الجيش التركي في مواقع حساسة، مثل تلة العيس الإستراتيجية، وفي سراقب بريف إدلب، سيمنح هذه القوات فرصة السيطرة والتحكم بطريق حلب – دمشق الدولي، شريان الحياة بالنسبة للشمال السوري.

تفرد سياسي

وعلى الصعيد السياسي، تسبب الاستخدام الروسي المزمن للفيتو، ضد جميع قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالشأن السوري، بحالة من الاستعصاء السياسي العقيم.

ومما يزيد الطين بلة، إصرار الروس على التفرد بالحل السياسي في سوريا على طريقتهم، فيما يتّبع الأمريكان مقابل ذلك سياسة الحياد السلبي، التي تعتمد على تعطيل جميع مساعي ومبادرات الروس، بالطرق الدبلوماسية الناعمة، من خلال حرمانها من الشرعية الأممية الدولية، دون التدخل المباشر، أو الدخول مع الروس في اشتباك دبلوماسي.

كما يمسك الأمريكان والأوربيون بورقة إعادة الإعمار في سوريا، إذ لا قدرة مادية للروس على عملية إعادة الإعمار.

اعتماد الأمريكان على أسلوب المصارعة خارج الحلبة، سببه امتناعهم عن إعطاء الروس أي مكاسب أو تنازلات إستراتيجية خارج سوريا، إذ يصر الروس على مقايضة حل الأزمة السورية، بالحصول على تنازلات من الأمريكان والناتو في الأزمة الأوكرانية، وأزمة الصواريخ الباليستية في أوربا، فضلًا عن كسر العقوبات التي تفرضها أمريكا ضد روسيا وغيرها من المسائل الإستراتيجية العالقة بين الطرفين.

ارتفاع حدة التوتر

وبدأ ارتفاع حدة التوتر وتسخين الأجواء بين القوى المتنافسة في سوريا بهجوم “الدرونز” الشهير على قاعدة حميميم الروسية، ثم أعقبه إسقاط الطائرة الحربية الروسية، في ظروف لا يزال الغموض يعتريها من جميع جوانبها، ثم إسقاط الطائرة F16 الإسرائيلية في ظروف مريبة أيضًا.

فهل تشهد الأيام المقبلة صراعًا يكون طرفاه، أمريكا وإسرائيل من جهة، وروسيا وإيران في الجهة المقابلة؟

الجواب متعلق إلى حد كبير بقواعد الاشتباك المتفق عليها بين أطراف الصراع، إذ كانت تنص في المرحلة السابقة، على منع وصول السلاح النوعي للأطراف السورية المتقاتلة، من مضادات الطيران، ومضادات الدروع النوعية وغيرهما.

وإن كان تم استخدام السلاح النوعي في إسقاط المقاتلات الروسية والإسرائيلية وغيرهما، فهذا معناه ومؤداه تغيير لقواعد الاشتباك.

وعلى فرض حدوثه، فهل كان التغيير في قواعد الاشتباك، في الأسبوع الماضي، مقصودًا بدافع من الأطراف المتصارعة، أو هو عبارة عن جس نبض، واختبار متبادل بين الفرقاء؟.

هذا ما ستشهد آثاره وعواقبه الأيام القليلة المقبلة، إما زيادة في وتيرة التصعيد، وإما ضبطًا للنفس، واحتواءً للأزمات، كما جرت العادة خلال السنوات السبع الماضية.