لماذا يتعثر الانتقال الديمقراطي في تونس؟ (الحلقة 2).. التعثر السياسي – إرم نيوز‬‎

لماذا يتعثر الانتقال الديمقراطي في تونس؟ (الحلقة 2).. التعثر السياسي

لماذا يتعثر الانتقال الديمقراطي في تونس؟ (الحلقة 2).. التعثر السياسي

المصدر: جلال مناد- إرم نيوز

لم تغب الاحتجاجات الشعبية عن الشارع التونسي خلال 7 سنوات أعقبت الثورة التي اندلعت في مثل هذا اليوم بعد مقتل بائع الخضار محمد البوعزيزي حرقًا بالنار احتجاجًا على ظروفه المعيشية واعتداء الشرطة عليه.

ورغم انشغال الشارع بالاحتجاجات وإحياء ذكرى الثورة، بدا لافتًا أنّ الأحزاب السياسية باتت منشغلة بالانتخابات البلدية المقررة في الـ6 من مايو/آيار المقبل، لارتباطها عضويًّا بانتخابات الرئاسة المزمع إجراؤها في نوفمبر/تشرين الثاني 2019.

ويظهر جليًّا في نظر قطاع واسع من المراقبين أن ”معركة كسر العظام“ قد بدأت بين لاعبين من تيارات شتّى وأحزاب عدة، إذ يربط سياسيون نجاح حكومة يوسف الشاهد من عدمها في إدارة الأزمة الراهنة، بمستقبل الرجل السياسي والذي يشقُّ طريقه بثباتٍ لقصر قرطاج من بوابة الانتخابات الرئاسية، على طريقة مشابهة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بتقاطعات ونقاط مشتركة في مسيرتيهما المهنية والسياسية.

وأثار الشاهد زوبعة في البلاد بتوجيهه اتهامًا صريحًا صوب قادة الجبهة الشعبية وهي كيان سياسي يضمّ أحزابًا وحركات قومية ويسارية معارضة، محمّلًا إياهم مسؤولية إشعال فتيل الاحتجاجات الشعبية الأخيرة المناهضة للحكومة التي تحظى برعاية من حزبي ”النهضة“ و“نداء تونس“ اللذين دافعا عن إجراءات الحكومة ”التقشفية“.

وأمام الغياب اللافت للوزراء في أزمة الحكومة الأخيرة مع الشارع، رجح البعض اللجوء لتعديل وزاري وأن يلجأ الرئيس لتفعيل ”وثيقة قرطاج“ ببنود وأطراف جديدة لكسر حالة الركود والمشاحنات التي ميّزت العلاقة بين الحلفاء أنفسهم دون تجاهل العداء القائم بين الموالاة والمعارضة.

واستدعى رئيس البلاد، أمس السبت، الأطراف الموقعة على الوثيقة في اجتماع طارئ قبل ساعاتٍ من إحياء الذكرى السابعة للثورة، بغرض بحث تصور شامل ومخرج من الأزمة الجديدة، لكنّ الغائب عن اللقاء بالقصر الرئاسي كان ياسين إبراهيم رئيس حزب ”آفاق تونس“ المنسحب من الاتفاق مقابل التحاق رئيس الاتحاد الوطني للمرأة التونسية نادية الجربي، في توجه يكرس رهان السبسي على هذه الشريحة التي منحته فوزًا عريضًا في انتخابات 2014 بواقع مليون صوت.

ويُعوّل السبسي الذي يقود البلاد بتحالف مع شركاء آخرين في السلطة وبمنطق ”الأبوة“ في تعامله مع التونسيين استئناسًا بحكم الرئيس الأول للجمهورية لحبيب بورقيبة، على منظمة اتحاد الشغل وأرباب العمل واتحاد المحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وهم الرباعي الراعي للحوار الوطني والحائز على جائزة نوبل للسلام في العام 2015.

وكلّما اشتدّ الضغط على الحكومة، اتجهت بوصلة السبسي نحو الحلفاء بحثًا عن توافق سياسي يُخمد الأزمة في المهد، أسوةً بميثاق قرطاج الذي صادق في العام 2016 على مجموعة أولويات وسياسات عامة للحكومة التونسية وهي: ”كسب الحرب على الإرهاب، وتسريع نسق النمو والتشغيل، ومقاومة الفساد، وإرساء مقومات الحكومة الرشيدة، والتحكم في التوازنات المالية، وإرساء سياسة خاصة بالمدن والجماعات المحلية، ودعم نجاعة العمل الحكومي، واستكمال تركيز وتثبيت المؤسسات“.

 الأداء الحكومي على المحك

ويتضح أن الارتباك الحاصل بين المؤسسات وغياب الثقة بين مختلف الأطراف السياسية في تونس، قد يفرض على الحكومة تقييم أدائها في إدارة الملفات الكبرى والالتزام بمضامين ”وثيقة قرطاج“، وهو ما دفع بكثيرين إلى رفع ”نقطة نظام“ بوجه الشاهد وإخضاعه إلى المساءلة على منجزات المرحلة منذ تعيينه بعد سقوط حكومة الصيد في أغسطس/آب2016.

ووصف الناطق الرسمي السابق باسم الحكومة والقيادي بحركة ”نداء تونس“، خالد شوكات، في وثيقة سرّبتها لاحقًا وسائل إعلام محلية، الأداء الحكومي بالباهت مقارنة بالتزامات الأطراف الموقعة على وثيقة قرطاج.

وخلص شوكات في تقييمه لعمل حكومة الوحدة الوطنية إلى ما يلي: ”ضعف الأداء الاقتصادي والتنموي، وضعف الأداء السياسي والإعلامي، ضبابية الرؤية المستقبلية ومواصلة السياسات اليومية والترقيعية والعجز عن تنفيذ الإصلاحات الضرورية، تواضع الكفاءة لدى عددٍ كبيرٍ من أعضاء الفريق الحكومي وقلة التضامن والانسجام، وتراجع هيبة الدولة واستمراء المواطنين لأجهزتها ومؤسساتها وتطاولهم على القوانين والأنظمة“.

واقترح شوكات في تقييم حزبه لعمل الحكومة، وجود مزيد من ”الجرأة السياسية والشجاعة لمواجهة أزمة القيادة حيث لا يشعر رئيس الحكومة ذو الصلاحيات الواسعة ولا حتى رئيس البرلمان بأي ثقة في ممارسة المسؤولية، وكذلك الأمر بالنسبة لرئيس البلاد المنتخب وذي الصلاحيات المحددة في طبيعة النظام السياسي شبه البرلماني“.

وثمّة تركيبة غير منسجمة لحكومة الوحدة الوطنية لتعدد الأطراف المشكلة لها بتناقض مرجعياتها وتصادمها في فتراتٍ كثيرة ما أثّر على تنسيق العمل الرسمي مقابل إهدار الفرص، علاوةً على أنّها تخترق قواعد الديمقراطية لأنّها متعارضة مع نتائج الانتخابات البرلمانية للعام 2014، والتي تُجيز لحزب ”النداء“ دون غيره تشكيل الحكومة لحصوله على الأغلبية وإن اضطرّه ذلك للتحالف مع ”النهضة“ التي حلّت ثانيًا في عدد المقاعد النيابية.

ويشير بعض المحللين إلى أن الأحداث المتسارعة في تونس، تلزم مختلف الأطراف بكسر قواعد العمل الديمقراطي لحماية ”الأنموذج“ من السقوط بفخ العنف المسلح كما شهدته أقطار عربية أخرى بينها الجارة ليبيا، وتجنّبته الجزائر بفضل حزمة تدابير وتجربة سنوات في محاربة الإرهاب ووضع إجراءات اقتصادية روعيَ فيها البعد الاجتماعي والتنوع الثقافي واللغوي في البلاد.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com