الانتخابات البلدية في تونس.. ”انتقال ديمقراطي“ تهدده مخاوف المقاطعة

الانتخابات البلدية في تونس.. ”انتقال ديمقراطي“ تهدده مخاوف المقاطعة
(CHINA OUT, SOUTH KOREA OUT) on December 15, 2014 in UNSPECIFIED, Japan.

المصدر: الأناضول

يرى خبراء تونسيون أن الانتخابات البلدية تعد أهم حدث منتظر في تونس العام المقبل، باعتبارها خطوة مهمة وأخيرة في طريق الانتقال الديمقراطي، رغم المخاوف من عزوف الناخبين، واحتمالات عرقلة الانتخابات التي وُصفت بأنها ”مفتاح الانتقال الديمقراطي“.

ودعا الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي، التونسيين، الثلاثاء الماضي، إلى انتخاب أعضاء المجالس البلدية في الـ6 من مايو/ أيار المقبل.

وجاءت دعوة السبسي عقب جدل واسع رافق موعد الاقتراع الذي تأجل أكثر من مرة، كان آخرها في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، حين قررت هيئة الانتخابات إرجاءه إلى الـ25 من مارس/ آذار المقبل، بعد أن كانت مقررة في الـ17 من ديسمبر/ كانون الثاني الجاري.

وسبق أن شهدت تونس انتخابات تشريعية ورئاسية في 2014.

مفتاح الانتقال الديمقراطي

واعتبر أستاذ التاريخ المعاصر في الجامعة التونسية، عبداللطيف الحناشي، أن أهم مرحلة من مراحل الانتقال الديمقراطي هي إنجاز الانتخابات المحلية والبلدية.

وأضاف الحناشي أن: ”الترتيب يفرض البدء بالخدمات المقدمة للمواطن، ونحن في هذه التجربة الرائدة بدأنا من فوق“، في إشارة إلى الانتخابات التشريعية والرئاسية.

 ورغم أن إجراء الانتخابات البلدية تأخر، وفق الحناشي، إلا أن: ”اتخاذ القرار الآن يعطي بعدًا آخر للانتقال الديمقراطي“، محذرًا من احتمالات عرقلة الانتخابات.

وأعرب الأكاديمي عن أمله في عدم وقوع مشاكل تعرقل المسار الانتخابي، لافتًا إلى أن: ”بعض الأطراف“، التي لم يسمها، ”ستحاول العرقلة، فالتجربة التونسية مستهدفة من الخارج والداخل“، على حد قوله.

وفسر الحناشي ذلك بأن: ”المنطقة عمومًا لم تهدأ بعد، وأن التوترات مستمرة فيها، كما أن بعض القوى الداخلية قد تعرقل المسار لسبب أو لآخر“.

وفي السياق ذاته، قال أستاذ القانون المتخصص في الجماعات المحلية البلديات، الصغير الزكراوي، إن: ”الانتخابات البلدية هي أم المعارك، ولابد من إجرائها وتفعيل الباب السابع من الدستور“.

ويتناول الباب السابع من الدستور التونسي المصدق عليه في يناير/ كانون الثاني 2014، ”السلطة المحلية“، ويتشكل من 12 مادة.

وينص الدستور التونسي على أن: ”الجماعات المحلية تتمتع بالشخصية القانونية، وبالاستقلالية الإدارية والمالية، وتدير المصالح المحلية وفقًا لمبدأ التدبر الحر“، ما يعطيها ما يشبه الحصانة والاستقلالية عن السلطة المركزية.

بدوره، أكد المحلل السياسي التونسي، الحبيب بوعجيلة، أهمية الانتخابات البلدية في ترسيخ مسار الانتقال الديمقراطي، رغم الرفض الذي أبدته أطراف سياسية في إشارة إلى حزب نداء تونس، للحكم المحلي والباب السابع من الدستور، معتبرًا أن هناك حرصًا دوليًا على استكمال تونس لمسارها.

ويفسر بوعجيلة هذا الحرص الدولي بأن: ”هناك قوى دولية تريد إثبات أن الخيار الديمقراطي وخيار الحريات هو خيار مضمون، لأنه لم يتبق الا الأنموذج التونسي لإبراز قيمة ما جرى في ما سماه البعض بالربيع العربي“، وفق قوله.

لكن بوعجيلة قلل من احتمال استمرار حماس القوى الدولية للتجربة التونسية، نظرًا لانشغالها حاليًا بمسائل أخرى، داعيًا التونسيين إلى ”التعويل على أنفسهم في حماية المشروع الديمقراطي والأنموذج التونسي لهذه الثورة“.

مخاطر العزوف ودعوات للتدارك

ويبدي الخبراء تخوفات من عزوف متوقع للناخبين عن المشاركة في الانتخابات البلدية القادمة، قد ينقلب إلى ما يشبه المقاطعة.

 ويعتبر الصغير الزكراوي أن أكبر خطر يهدد المسار هو عزوف الناخبين عن الذهاب إلى صناديق الاقتراع في السادس من مايو/ أيار المقبل، معتبرًا أن: ”المشكلة الحقيقية التي تهدد المسار الانتخابي تكمن في العزوف، الذي قد يتحول إلى عدم ثقة بالانتخابات“.

ويرجع الزكراوي العزوف إلى: ”فقدان الناس الثقة في الأحزاب، التي يعتبرها الناخب لم تحسن صياغة برامج، ولم تفتح آمالًا للشعب التونسي“، مطالبًا الأحزاب بـ“تحسين أدائها لتدارك الأمر“.

ويؤكد الزكراوي أن: ”الحزب الوحيد الذي يمكن أن يحسّن نسبة المشاركة في الانتخابات هو حركة النهضة بـ58 نائبًا من أصل 217، بما له من قاعدة ثابتة باعتباره حزبًا عقائديًا“، وفق تعبيره.

ويذهب الحناشي في الاتجاه ذاته، معربًا بدوره عن مخاوفه من تسجيل نسب متدنية للمشاركة في الانتخابات البلدية القادمة.

ويعتبر الحناشي أن: ”العزوف وارد جدًا“، بحكم أن الأحزاب السياسية كانت ومازالت عاجزة في علاقتها مع المواطنين، بسبب خطابها الذي لم يستطع التفاعل مع هموم الناس“، متوقعًا عزوفًا ومقاطعة  للانتخابات البلدية كشكل من أشكال معاقبة النخبة السياسية“.

ويؤكد الحناشي أن: ”الفكرة  التي ارتسمت لدى الناس تتلخص في أن: ”الأحزاب تبحث عن الغنائم من الحكم“.

 وويوافقه بوعجيلة في ذلك قائلًا إن: ”وضعية الملل والإحباط واليأس من الحياة السياسية، ومن فشل تحقيق الاستحقاقات الكبرى للثورة، ستنعكس على نسبة المشاركة؛ إذا لم تتكثف جهود الأحزاب والإعلام، وكل المعنيين بنجاح التجربة الديمقراطية من أجل ”إعادة ثقة المواطن في السياسة“.

ويعتبر بوعجيلة أن القيمة الرمزية للانتخابات تكمن في أنها: ”اختبار لمدى ثقة المواطن في الحياة السياسية“.

 وتابع: ”إذا لم يعمل الإعلام والأحزاب والسياسيون على رأب الصدع بين الطبقة السياسية والمواطنين، أتوقع أن تتكرر الكارثة، التي وقعت خلال انتخابات ألمانيا في الانتخابات البلدية، وعندها سيكون هناك ناقوس خطر كبير يتعلق بانفصام تام بين الطبقة السياسية والمجتمع، وهذا ما قد يفتح البلاد على الغموض والمجهول“.

 ووفق بلاغ للهيئة العليا المستقلة للانتخابات، بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات الجزئية البرلمانية بألمانيا، التي فاز بها المدون المعارض ياسين العياري، 5.02 %، وهي نسبة ضئيلة للغاية.

 ووفق بوعجيلة، فإن: ”توقعات سبر الآراء تشير إلى حالة غضب وإحباط، ربما تجعل المواطن يعزف عن إبداء رأيه في الانتخابات البلدية“.

 وتوقعت نتائج سبر آراء نشرتها مؤسسة ”سيغما كونساي“، نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، أن نسبة المقاطعة في الانتخابات البلدية ستكون في حدود 69.2 %.

النهضة الأكثر استعدادًا

ورغم أن عمليات سبر الآراء تعطي المرتبة الأولى في توقعات الفوز خلال الانتخابات البلدية القادمة لحزب نداء تونس بـ56 نائبًا، فإن الخبراء أجمعوا أن أكثر الأحزاب استعدادًا لاستحقاق البلديات القادمة هي حركة ”النهضة“.

ويعتبر الحبيب بوعجيلة أن حركة النهضة، هي الحزب الأكثر استعدادًا للانتخابات البلدية، باعتبارها: ”حزبًا كبيرًا وموحدًا“.

إلا أن بوعجيلة توقع أن تخسر النهضة جزءًا من قاعدتها خلال الانتخابات البلدية القادمة، لعدة أسباب منها سياسة التوافق مع ”نداء تونس“، مؤكدًا أن: ”نداء تونس في 2018 لن يكون نفسه الذي عرفه التونسيون في 2014“.

وفاز حزب نداء تونس بقيادة السبسي، بالانتخابات التشريعية المقامة في أكتوبر/ تشرين الأول 2014، إثر حصوله على 85 مقعدًا، فيما حلت النهضة ثانيًا بـ69 نائبًا .

ويسانده في ذلك الصغير الزكراوي الذي يعتبر أن الانتخابات البلدية تختلف عن الانتخابات السابقة، إلا أنه يصعب توقع نتيجتها، لافتًا إلى أنه لا يصدق نتائج سبر الآراء، وأن ”النهضة“ هي الحزب الأكثر استعدادًا للاقتراع، ويمكنها حصد 20 % على الأقل من أصوات الناخبين.