رفع العقوبات الأمريكية عن السودان.. فرح ينغصه البقاء على قوائم الإرهاب‎

رفع العقوبات الأمريكية عن السودان.. فرح ينغصه البقاء على قوائم الإرهاب‎

المصدر: الأناضول 

منذ نوفمبر/تشرين الثاني سنة 1997، والسودان خاضع لعقوبات اقتصادية أمريكية صارمة، حرمته التعامل مع قائمة كبيرة من الصادرات والواردات، وقيدت تعاملاته المصرفية مع بنوك العالم.

وقبلها بأربع سنوات، أدرجته واشنطن في ”القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب“، ردًا على استضافته لزعيم تنظم القاعدة ”أسامة بن لادن“ عام 1991، وظلت الخرطوم فيها رغم إبعاد الأخير عنها منذ 1996.

ولا شك أن هذه العقوبات، ألحقت بالسودان خسائر اقتصادية، لكن ليس ثمة إحصائيات رسمية، في حين ذكرت تقديرات غير رسمية أن المباشر منها زهاء 500 مليار دولار، فيما تراوحت غير المباشرة بحدود 4 مليارات دولار سنوياً.

وفي الـ6 من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، أصدر الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب أمرين تنفيذيين (1307، 13412)، ألغى بموجبهما العقوبات على السودان ”اعترافًا بالإجراءات الإيجابية التي اتخذتها حكومة السودان“؛ لكنه أبقى عليه في قائمة الدول الراعية للإرهاب.

ولأثره الكبير على الأوضاع السياسية والاقتصادية في البلاد، يمكن اعتبار قرار رفع العقوبات الأمريكية ”أيقونة“ عام 2017، بل ومن أهم أحداثه بالنسبة للسودان، وربما يتعداه إلى الإقليم.

وأهمية القرار الأمريكي نابعة مما أشارت إليه تقارير المراقبين والواقع على الأرض، بأن شعب السودان دفع ثمن العقوبات الباهظ وليس حكومته، رغم مزاعم الولايات المتحدة، أنها لا تستهدف الشعب السوداني.

الإطار الزمني 

في الـ3 من نوفمبر/تشرين الثاني 1997، أصدر الرئيس الأمريكي الأسبق، بيل كلينتون، أمرًا تنفيذيًا (13067)، فرض بموجبه عقوبات على السودان، تضمنت تجميد الأصول السودانية، ومنع تصدير التكنولوجيا، وإلزام ”الأشخاص“ الأمريكان التعامل مع السودان.

ووسع الرئيس جورج بوش في الـ26 من أبريل/ نيسان 2006 بأمره التنفيذي (13400) الحظر، ليشمل ممتلكات شركات وأفراد سودانيين (170 بين شركة وفرد)، ثم الأمر التنفيذي (13412) في الـ13 من أكتوبر من العام نفسه اعتبر بموجبه سياسة السودان النفطية مهددًا لأمن وسلام وسياسات بلاده.

وقبلها وُقع في أكتوبر/ تشرين الأول 2002 قانون ”سلام السودان“ الصادر عن الكونغرس الأمريكي، ونص على تقديم تقرير شبه سنوي عن مباحثات السلام بين السودان وجنوبها بجدية.

وفي أكتوبر/ تشرين الأول 2006 وُقع ”قانون سلام دارفور“، حجز بموجبه الكونغرس ممتلكات وأوقف تعاملات مع أفراد في حكومة السودان متهمين ”بالإبادة الجماعية، وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية“.

وعمد الرئيس السابق باراك أوباما في الـ17 من فبراير/ شباط 2015، إلى تخفيف العقوبات، فسمح للشركات الأمريكية بتصدير أجهزة اتصالات شخصية، وبرمجيات تتيح للسودانيين الاتصال بالإنترنت.

وعلى خلفية تقارير أمريكية حول تعاون السودان في مجال مكافحة الإرهاب، أصدر أوباما في الـ13 من يناير/ كانون الثاني 2017، أمرًا تنفيذيًا (13761)، برفع جزئي للعقوبات الواردة في القرارين (1307، 13412)، بسبب التقدم الذي أحرزه السودان.

وسمح القرار بالتحويلات المصرفية، وباستئناف التبادل التجاري بين الخرطوم وواشنطن، لكنه أبقى على العقوبات المفروضة على السودان بموجب قائمة الدول الراعية للإرهاب.

المسارات الخمسة

وحدد البيت الأبيض 180 يومًا، يتم خلالها التحقق من التزام الخرطوم، بخمسة شروط أمريكية لرفع العقوبات كليًا، عرفت بـ“خطة المسارات الخمسة“.

وتتضمن خطة المسارات الخمسة ”التعاون في مكافحة الإرهاب، ودفع سلام جنوب السودان، ووقف الحروب، ووقف دعم وإيواء جيش الرب الأوغندي، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية لمناطق النزاعات“.

وأعلن وزير الخارجية السوداني إبراهيم غندور فور قرار أوباما، التزامه بـ“خطة المسارات الخمسة“، ليست باعتبارها شروطًا أمريكية، بل باعتبارها ”أجندة وطنية“.

لكن ترامب، الذي خلف أوباما في البيت الأبيض، سارع بتأجيل البت في الرفع الدائم للعقوبات لثلاثة أشهر بدأت في الـ12 من يوليو/ تموز 2017، للتأكد من التزام السودان الكامل بالشروط الأمريكية.

وأجّل الرئيس الأمريكي الحالي رفع العقوبات ثلاثة أشهر، رغم تقارير الخارجية الأمريكية، التي تقول إن ”السودان أحرز تقدمًا كبيرًا في المجالات كافة وتعاون لتطمين مخاوف واشنطن“.

وأغضب قرار التأجيل القيادة السودانية، ودفع الرئيس عمر البشير إلى ”حل لجنة التفاوض“ مع الإدارة الأمريكية، لكن الحديث لم يتوقف بين البلدين، إلى أن أعلن ترامب في الـ6 من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي رفع العقوبات بشكل كامل عن السودان.

وبموجب القرار لم يعد السودان خاضعًا لعقوبات اقتصادية وتجارية؛ لكنه خاضع لعقوبات يفرضها بقاؤه ضمن قائمة رعاة الإهارب، وتشمل حظراً لمبيعات السلاح، والسلع مزدوجة الاستخدام، والمساعدات الاقتصادية، وقيود مالية تتضمن عدم استفادته من مبادرة إعفاء الديون.

انفراج اقتصادي

قوبل القرار بحفاوة شعبية ورسمية لافتة، بأمل أن يؤدي إلى ”انفراجة اقتصادية وسياسية“ في مواجهة الأوضاع المتعثرة في البلاد، ورفعت فيه التصريحات الحكومية سقف توقعات المواطنين، بالقول إن رفع العقوبات سيخفف الضائقة المعيشية التي يعانونها.

وبالفعل، ارتفع سعر العملة الوطنية ”الجنيه“ مقابل العملات الأجنبية (18 جنيهًا مقابل الدولار الأمريكي) عشية القرار، بعد أن كان قد انخفض بـ“جنون“ قبيل صدور القرار بأيام (28 جنيهًا للدولار الأمريكي).

لكن الدولار عاد للارتفاع مجددًا إلى قرابة (26 جنيهًا للدولار)، فاتخذت الرئاسة السودانية قرارات جرمت بموجبها مضاربي العملات وتجارها بقوانين تخريب الاقتصاد الوطني، ومكافحة الإرهاب، وغسل الأموال، والتي تصل عقوبتها القصوى الإعدام، لكن دون جدوى فقد واصل الجنيه السوداني انخفاضه.

وعود أمريكية.. وتوجس سوداني

وبعد رفع العقوبات بأيام، وصل نائب وزير الخارجية الأمريكي، جون سوليفان، إلى السودان في الـ16 من نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي في زيارة ليومين، كأرفع مسؤول أمريكي يزور البلاد منذ أكثر من عقد.

وفي زيارته طلب ”سوليفان“ قطع علاقة السودان مع كوريا الشمالية، وحصل على تعهد بذلك.

كما طلب من الخرطوم إعلان وقف إطلاق نار شامل، ووقف الهجمات في مناطق العمليات، وكفالة الحريات الدينية وحقوق الإنسان، لحذفه من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

السودان بدوره، اعتبر مطالب سوليفان ”أجندة وطنية“.

وقال وزير الخارجية إبراهيم غندور، إن حكومته ملتزمة بهذه المطالب قبل أن تكون مطالب وطنية، ولم ير فيها استمرارًا لسلسلة المطالب الأمريكية اللانهائية.

وفي المقابل حصلت الخرطوم على ”وعود“ من سوليفان، باستعداد واشنطن “ إلى النظر في إزالة اسم السودان من قائمة الإرهاب“، مشترطاً التقدم في المطالب الجديدة.

وقال سوليفان في مؤتمر صحافي بالخرطوم في الـ17 من نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، إنه بحث مع المسؤولين السودانيين علاقات البلدين.

وتابع: ”الولايات المتحدة ستواصل العمل مع السودان من أجل رفع اسمه نهائيًا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، استنادًا إلى سجل حكومة الخرطوم“.

وأعلنت الحكومة السودانية، قبل إنهاء الرجل لزيارته، قطع علاقتها الدبلوماسية مع كوريا الشمالية، وعلقت واشنطن على القرار السوداني بأنه ”أسعدها“.

واشنطن قالت إنها ”سعيدة“ بما حصلت عليه من السودان، لكنها ما تزال تبقيه على قائمتها لرعاة الإرهاب، فيما تركت للخرطوم ”توجسها القديم“ من الوعود الأمريكية.

وتخلت الخرطوم عن توجسها تجاه واشنطن، بأمل أن يشهد العام 2018 تطبيعًا كاملاً لعلاقة العاصمتين.

ولكن مراقبين يرون أن تقديرات حصاد الحقل، قد لا تتوافق مع حصاد البيدر، وأن الطريق ما يزال شائكًا وطويلًا، رغم أن ”كل شيء ممكن في عهد دونالد ترمب“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com