المهدي يروي لـ إرم تفاصيل اعتقاله الأخير

المهدي يروي لـ إرم تفاصيل اعتقاله الأخير

حاوره في عمان: شاكر الجوهري

وضع المعارض السوداني، رئيس حزب الأمة الصادق المهدي، شروطا لتجديد الحوار مع نظام الرئيس عمر البشير.

وقال رئيس الحكومة الأسبق في حديث لـ إرم إن الحوار في صيغته السابقة لم يعد قائما وإنه لابد من توحيد الرأي السوداني كله، ثم نذهب به إلى النظام، كمطلب شعبي يتوحد عليه حملة السلاح والمدنيون.

وتطرق المهدي إلى العديد من المحاور التي تحكم المشهد السياسي في السودان، وهذا نص الحوار:

• ما هو السبب الذي أدى إلى اعتقالك في هذه المرة الأخيرة؟

ـ أعتقد أن النظام الاستبدادي لا يحتاج لسبب موضوعي كي يقرر اعتقال شخص ما.. ”إذا ساء فعل المرء.. ساءت ظنونه.. وصدق ما يعتاده من توهم“.

أي نظام استبدادي لا يحتاج إلى سبب موضوعي لاعتقال أي انسان.. هو يستند إلى أوهام سببها عدم شرعية النظام، وإنني أمثل شرعية.

• ما هي الشرعية التي تمثلها؟

ـ أنا أمثل مجموعة من شرعيات تاريخية, وشعبية.. فأنا آخر رئيس وزراء منتخب في السودان, وشرعية فكرية, لأنني أقدم مبادرات فكرية, وشرعية سياسية.. بمعنى أنني أحظى الآن بسند شعبي.

وكذلك, فإنني لم أسكت في وجه نظم الطغيان, وكنت دائماً, بصورة أو بأخرى, أعبر عن رأيي الحر. وطبعاً هذا غير مقبول. وقد مررت طوال عهدي نميري والبشير على سجون السودان المختلفة.. سجنت في جابيت, بورسودان, شندي, الخرطوم, كما سجنت في القاهرة..!

• في عهد من سجنت في القاهرة؟

ـ سجنت في القاهرة في عهد النميري, عندما وقعت أحداث ”الجزيرة أبا“ سنة 1970, وكان هنالك خوف مما قد يحدث في السودان, فارتؤا أن يتم اعتقالي في القاهرة. وقد تم احتجازي في منزل داخل كلية الشرطة. وبقيت هناك عامين، حيث سجنتني الحكومة المصرية نيابة عن نظام النميري.

(ملاحظة: تم اعتقال المهدي في القاهرة في عهد الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر, حيث أن أحداث الجزيرة أبا انطلقت في 20/3/1970, فيما توفي عبد الناصر بتاريخ 28/9/1970. لم يذكر الصادق المهدي ذلك).

• ما هي التصريحات التي صدرت عنك واستوجبت اعتقالك..؟

ـ أنا قلت أن هناك قوة غير نظامية تسمى قوة الدعم السريع, وهي قوة غير نظامية, لم تلتزم بقوانين الحرب, ولا بأخلاقها.. وأنها ارتكبت اخطاء. وقلت أن هذه الأخطاء تضمنت تعديات على حقوق الإنسان السوداني, وعلى حقوقه المدنية. وقلت إنني في عام 2004 زرت دارفور, وأنني لاحظت ارتكاب جرائم حرب, وجرائم ضد الإنسانية. وقلت إن هذه الجرائم ينبغي أن نشكل لجنة تحقيق فيها, ومعاقبة الجناة, والإ فإن الأسرة الدولية سوف تتدخل, وتسائل الجناة.

وأضفت أن الأسرة الدولية بموجب قوانينها ستفعل ذلك, ما لم يفعل النظام السوداني ذلك.

قلت ذلك في حزيران/ يونيو 2004, وفي تشرين أول/ اكتوبر 2004 أرسل مجلس الأمن بعثة للسودان حققت في هذه الإتهامات, وأكدت ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية, ورفعت تقريرها إلى مجلس الأمن الدولي. وبموجب ذلك التقرير أصدر مجلس الأمن القرار 1593, الذي إتهم قيادة السودان بإرتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية, وتحويل هذا الأمر إلى محكمة الجنايات الدولية.

وقلت في تصريحاتي الأخيرة أن هذه المسألة يمكن أن تتكرر مرة أخرى, وذلك في ضوء وجود تجاوزات ارتكبتها قوة الدعم السريع. وأضفت أن ما يؤكد صحة قولي أن جهات مسؤولة في السودان قالت ذلك أيضاً، مثل أحمد هارون والي ولاية شمال دارفور, وهو مسؤول حكومي, وآخرين. وحذرت من تكرار ما سبق حدوثه سنة 2004. وقد اعتبر النظام أن ما قلته غير صحيح, وأن فيه تحريض، مع أن جهات دولية عديدة سبقتني إلى قول ما قلته. وهذا ينفي عني تهمة التحريض لأنه قيل من جهات أخرى قبلي.

وقد شرحت في التحقيق أن ممثلي حزب الأمة في دارفور ذكروا في اجتماع للهيئة المركزية للحزب حدوث هذه التجاوزات, وقد بدا لنا كمسؤولين لنا صلة وثيقة بالنظام, لأننا دخلنا في حوار معه.. أننا لابد أن نعرف هذه الأمور, فإما أن نكون نعرفها ونوافق عليها, أو نكون نعرفها ونخاف من التحدث عنها.. وهذا يجلب لنا اتهامات من قواعدنا الحزبية: كيف تعلمون ما يجري وتلتزمون الصمت..؟ وهل أنتم موافقون عليه..؟ وما هو موقفكم..؟

لذلك, فإنني بعد انتهاء اجتماع الهيئة المركزية للحزب, دعوت إلى مؤتمر صحفي, قلت فيه ما قلته من وصف وإدانة لهذه الأفعال, وتنبيه إلى أنه ما لم يجر تحقيق فيها فسوف يؤدي هذا إلى تدخل من جهات دولية كما سبق أن حدث عام 2004. وأكدت كذلك استعدادي لأن احاكم على ما قلته, ولأن أحضر شهوداً على صحة ما قلته.

وفي ضوء ذلك, لم يكن هنالك من داع لأن يتم احتجازي لمدة شهر, طالما أنني قد اعترفت بقول ما قلته, وهذا كان يوجب احالتي للمحاكمة, أو سحب الإتهام.. ولكن كلا الأمرين لم يحدث. وقد كان واضحاً أن ما قلته يشهد كثيرون من داخل النظام على صحته.

• هل سئلت عن تهمة التحريض؟

ـ لا.. هذه جاءت في لائحة الاتهام.. وفي تقديري أن المحققين لم يذكروا ذلك لأنهم اعتبروه كلاماً فارغاً.. ذلك أن الجهات الدولية موجودة في السودان.. حيث توجد في السودان قوة دولية افريقية لديها 30 ألف جندي في دارفور, ولديها وجود في ولاية كردفان. كما أن الأمم المتحدة, وكثير من الجهات الدولية تقدم اغاثات بحجم كبير جداً في دار فور.. وهم يعرفون كل ما يجري. ولذلك هم لا يحتاجون لي لأن اكشف لهم ما يجري. وقد قلت ذلك أيضاً في التحقيق.

والواقع أن مسؤولين في الحكومة السودانية قد قالوا أيضاً ما قلته أنا, ورفضوا هذه الممارسات.

معاملة غير خشنة

• كم استغرق التحقيق معك من وقت..؟

ـ يوماً واحداً.

• هل حدث معك في السجن أي شيء لافت..؟

ـ لا.. لا شيء. في السوادان إذا احتجزت عند جهاز الأمن, يمكن أن تتعرض لممارسات خشنة.

لكنك عندما تكون تحت سلطات السجون, فإن هذه السلطات منضبطة قانونياً, وتتعامل مع السجين كمواطن، فيما تتعامل الجهات الأمنية معك كعدو, والفرق واضح.

لقد خلا التعامل معي من أي حشونة, وكان يصلني الطعام من منزلي يومياً, وكانت زيارتي مسموحة بأكثر مما يتوقع الإنسان. كل من طلب زيارتي ووفق على طلبه.

وهذا أظهر أن الرأي العام السوداني كله.. سياسيون.. رجال دين.. صحفيون.. رجال أعمال.. الخ. كل هذه الفئات كانت متعاطفة معي, وناقدة لإجراء اعتقالي, الذي اعتبروه ظلماً..

صفقة الإشراف.

• كيف أفرج عنك..؟

ـ ببساطة شديدة, توسطت احدى الجهات..

• وهي..؟

ـ مجموعة من المواطنين..

• مواطنون أم أحزاب..؟

ـ مواطنون من بينهم حزبيون وقانونيون.. توسطوا ليجدوا مخرجاً للحالة. وتم التواصل مع الأستاذ علي قيلوب من حزب الأمة, وتم الإتفاق معه على أن يصدر بياناً بإسم الحزب يوضح فيه حقيقة ما قلته, وأنني لم أهاجم القوات المسلحة السودانية.. أنا هاجمت القوات غير النظامية, وما قلته أنا كان المطالبة بتشكيل لجنة تحقيق بشأن ممارسات قوة الدعم, دون أن اتبنى صحة الإتهامات.

ومن ضمن ما قلته أيضاً إنني لم اراجع موقفي السياسي حيال التوصل إلى حل لما يجري في السودان. وقد أوضح الأستاذ قليوب في بيانه كل هذه النقاط.

على كل حال.. كان واضحاً أن النظام أدرك أن البلاغ (لائحة الاتهام) في غير محلها, وإن جرت لي محاكمة عادلة ستكون النتيجة البراءة.

سنواجه النظام ببرنامج اصلاح سياسي سوداني.

• هل سحب البلاغ؟

ـ نعم.. تم سحبه, ولم تعد هنالك الآن قضية.

كان قد تم التفاهم مع النظام قبل اعتقالك على حل سياسي في السودان.. ما مصير هذا التفاهم..؟

ـ كنا نطرح في حزب الأمة منذ عامين فكرة أن النظام مأزوم, وأن الحل في السودان هو: حوار يؤدي إلى ما حدث في جنوب افريقيا عام 1992.. صيغة الكوديسا.. أي اقامة نظام جديد عن طريق الحوار.

هذا ما كنا نتبناه في حزب الأمة. وقد تبنى رئيس الجمهورية قبل ستة أشهر فكرة تتضمن مبادرة بإتجاه هذا الحوار. وقد أيدنا هذه المبادرة, في حين تحفظ عليها بعض الناس، مشككين بجدية النظام، وأنه يريد فقط أن يكسب وقتا. وقد جاء تأييدنا لهذه المبادرة بتأييد شعبي واسع لها, ومن جهات مختلفة. وكان يمكن أن تكون هذه المبادرة مخرجاً للبلاد.

والواقع أن وجهة نظرنا تغيرت الآن بعد الإعتقال. كانت فكرتنا أن نتفق مع النظام على شيىء فيه اصلاح, ثم نقنع الآخرين فيما نعتقد أنه يحقق مخرجاً للبلاد.. وهذا هو الهدف الإستراتيجي لنا جميعاً.. سلام عادل شامل يؤدي إلى تحول ديمقراطي كامل.

الآن, وبعد تجربة الإعتقال, لم أعد أرى أن حسن النية لدى النظام أمراً وارداً, لأن من أهم شروط الحوار هو أن تتوافر الحرية. فإذا كان مثلي لا توجد لديه حرية لأن يقول رأيه, فماذا عن بقية السودانيين..؟!

الإستحقاقات الجديدة للحوار, أصبح ينبغي أن تتوفر فيها:

أولاً: أن يكون الحوار شاملاً لا يستثني النظام فيه أي طرف.

ثانياً: أن ترتبط عملية الحوار والوفاق بعملية بناء السلام في دارفور وكردفان.

ثالثاً: أن تتوافر الحرية, لتتمكن اطراف الحوار من قول ما تريد أن تقوله, دون أن تسجن.

• إذا انتهى الحوار الآن..؟

ـ انتهى في صيغته السابقة, ونحن نسعى الآن في توحيد الرأي السياسي السوداني كله، ثم نذهب للنظام بموقف موحد نحاوره عليه, كمطلب شعبي, يتوحد عليه حملة السلاح والمدنيين.

عبد الرحمن وبشرى

• قيل إن اثنين من أبنائك تخليا عنك وأنت معتقل، وأن احدهما يعمل في جهاز أمن الدولة, والآخر مساعداً للرئيس البشير..

أرجو أن تقول ما تشاء في هذا الصدد..؟

ـ ابني الأصغر بشرى الصادق المهدي, هو ضابط في القوات المسلحة, وهو كضابط في القوات المسلحة أكثر حماساً في تأييد موقفنا السياسي, وهو كضابط في القوات المسلحة ليست لديه أية روابط سياسية بهذا النظام.

إبني الكبير عبد الرحمن الصادق المهدي اتخذ موقفاً مخالفاً لي, ولحزبه. وهو كان ضابطاً في القوات المسلحة. وقد سبق أن أبلغني الرئيس البشير أنه يريد أن يعين ولدي عبد الرحمن في وظيفة عسكرية, وذلك قبل سنة ونصف السنة, لأن السلطات في السودان الجنوبي تريد أن نرسل لها بعثة تدريبية, وقالوا أنهم يثقون في عبد الرحمن, وأشار إلى أنه يريد أن يرسله في هذه البعثة.

أجبت الرئيس قائلاً: عبد الرحمن ضابط في القوات المسلحة.. أي مهمة عسكرية تسند له لا دخل لي بها.. لكن أي مهمة سياسية تسند له مرفوضة.. أنا ارفضها, وحزبي يرفضها.

أجاب الرئيس قائلاً: مناسب, ولكني فوجئت أنه عين مساعداً للرئيس, وهذه وظيفة سياسية.

عندما عين ابني مساعداً للرئيس اصدرت بياناً قلت فيه أنه لا يمثلني, ولا يمثل حزب الأمة في المنصب الذي أسند له.

قلت إنه لا يمثلني سياسياً, وعبد الرحمن نفسه أكد هذا المعنى. وقال أنه دخل بصفته الشخصية, وأنه لا يمثل حزبه ولا والده.

من جهتي قلت لولدي عبد الرحمن: يا ولدي أنت تتحمل مسؤولية.. إذا استطعت أن تقنع النظام بالإستجابة لمطالب الشعب سلمياً, فالناس ستقول لك أحسنت. وإن لم تستطع, وسخرك النظام لمصلحة اهدافه فستجد الإدانة والمساءلة على ذلك.

البعض يتحدث الآن عن عبد الرحمن.. أنا لدي عشرة من البنين والبنات.. 4 بنين و6 بنات, 9 منهم موقفهم من النظام أكثر تطرفاً مني, ومن المعارضة.

ابنائي وبناتي أحرار.. لا ألقنهم ما يفعلون. وأنا مسرور من كون موقفهم الوطني صريح وواضح. أما عبد الرحمن فهو يعتقد أنه من خلال موقفه يستطيع أن يصل إلى حل سياسي يستجيب لمطالب الشعب. والتحدي أمامه: إما أن يحقق هذا فتكون مغامرته ذات معنى, أو لا يفعل ذلك, فتكون مغامرته إدانة تاريخية له.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة