القاهرة تواجه التصعيد الإسرائيلي بمفاوضات سرية

القاهرة تواجه التصعيد الإسرائيلي بمفاوضات سرية

المصدر: القاهرة- من محمد بركة وشوقي عصام

يرى مراقبون أن التصعيد الإسرائيلي ضد قطاع غزة شكّل ضغطاً مفاجئاً على القيادة المنتخبة في مصر، بعد فوز الرئيس عبد الفتاح السيسي، حيث لا يزال النظام الجديد يخطو أولى خطواته، في وقت تميل فيه القاهرة إلى انتهاج سياسة ”الغرف المغلقة“ في التعامل مع الملفات الساخنة والأزمات الطارئة.

ويؤكد هؤلاء أن القاهرة لا تستطيع الاكتفاء بموقع المتفرج، وهي تلاحظ التدهور الأمني الذي يتزايد بشدة على حدودها الشرقية، مع استمرار شنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي لسلسلة من الغارات الجوية على بعض المواقع في غزة، وفرض طوق أمني على الضفة الغربية، واعتقال 120 فلسطينيا رداً على اختطاف ثلاثة جنود إسرائيليين، تتهم تل أبيب حماس بالضلوع في اختطافهم وتحمّل الرئيس الفلسطيني محمود عباس مسؤولية سلامتهم.

وفي أول رد فعل رسمي، طالب المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية السفير بدر عبد العاطي الجانب الإسرائيلي بالتزام أقصى درجات ضبط النفس وعدم مواصلة تصعيد الموقف، حتى احتواء التوتر المتزايد والحيلولة دون تفاقم الأوضاع ”بصورة يصعب السيطرة عليها لاحقاً“.

وبحسب مصادر مطلعة، اكتفت القاهرة بهذا الموقف ”الهادئ المبدئي“ رغبةً منها في تجنب أية تصريحات قوية قد تؤجج الأزمة، فتصبح جزءاً من المشكلة وليس من الحل.

وكشف مصدر أمني مصري عن لقاءات مباشرة دائمة بين الطرفين، مشيراً في تصريحات خاصة لـ ”إرم“ إلى أن الجانب الإسرائيلي قدم لمصر ما وصف بالبؤر الخطرة داخل القطاع التي تهدد أمن المستعمرات، عبر مواد مصورة ومعلومات تم رصدها من من أطراف داخلية تعمل لصالح إسرائيل.

وأردف المصدر: ”خلال الـ 12 ساعة الماضية، دخل أول وفد مخابراتي مصري إلى قطاع غزة، بعد تولي السيسي سدة الحكم، حيث دخل آخر وفد في هذا السياق، وقت التجهيز للمصالحة وتشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة من داخل القطاع، التي كانت برعاية مصرية، لبحث المواجهة مع الدلائل المقدمة من جانب تل أبيب، حول بؤر المخاطر في غزة“.

وتشير مصادر أخرى أن القاهرة تنتهج سياسةً تتمثل في إجراء مفاوضات سرية مباشرة وفتح قنوات تواصل خلفية بحثاً عن حلول سريعة، وهي السياسة التي نزعت فتيل أزمة سد النهضة مع إثيوبيا وأجهضت محاولات عزل البلاد عن محيطها الإفريقي، على سبيل المثال.

وكشفت أن القاهرة أكدت لتل أبيب جديتها في التعاون معها لاستعادة الجنود المختطفين، من خلال توظيف خبراتها الاستخباراتية بملف المقاومة الفلسطينية، فضلاً عن توظيف نفوذها الواسع لدى الرئيس الفلسطيني الذي يعد أحد أهم حلفاء الحكم مصر بالمنطقة بعد ثورة 30 يونيو، غير إن الجانب المصري اشترط وقف التصعيد والكف عن سياسة ”العقاب الجماعي“ لأهالي غزة، حتى لا يُستثار الرأي العام، وتتراجع قدرة المصريين على الحل.

وتمتلك القاهرة أدوات ومعطيات بحكم عمل السيسي الأسبق، كرئيس للمخابرات العسكرية حتى أغسطس/ آب 2012، ما يجعله على دراية كاملة بالمسؤوليات الموضوعة على عاتق مصر تجاه أهل غزة من ناحية، وثوابت الأمن القومي في التعاطي مع إسرائيل من ناحية ثانية.

ويضع السيسي عدة اعتبارات في التعامل مع الملف الفلسطيني، ويقدم نفسه على أنه الحاكم الذي سيعيد دور مصر العربي ومسؤولياتها عن القضية الفلسطينية، مع قطع أي طريق على أي طرف في المنطقة، يسعى إلى أخذ الدور المصري داخل القطاع، مثلما حدث من قطر في حرب غزة 2008، عندما تم إحراج الدولة المصرية بعدة وسائل، وحلت الدوحة محل القاهرة، وهو ما لم يقبله السيسي، الذي يحرص جيداً في خطواته، على عدم الوقوع في مستنقعات وقع فيها الرئيس الأسبق، حسني مبارك، بالترويج لفكرة أن اليد الإسرائيلية التي تضرب القطاع، تكون بمباركة مصرية، كما كان ذلك في 2008.

وتضع الإدارة المصرية الجديدة في اعتبارها مدى صعوبة الاختبار الحالي، وخاصةً أن التعامل مع غزة وإسرائيل سيكون عنواناً رئيساً في اتجاهات النظام الجديد، ومدى التعاطي مع القضية الفلسطينية، والعودة بمنطلق أن القاهرة هي المدافع الأول عن حقوق الشعب الفلسطيني، وتعضيد فكرة أن وجود اتفاقية السلام مع الجانب الإسرائيلي وتحمل مصر لها، يأتي في المقام الأول، حتى يكون مبرر السلام مع إسرائيل مقبولاً أمام المحيط العربي.

وتتوقع المصادر أن تبدي حركة حماس تجاوباً مع المساعي المصرية في هذا الصدد، رغم الجفاء بين الطرفين حتى لو لم تكن ضالعة في عملية الاختطاف، فالقاهرة التي تتبع سياسة ”الأيدي المدودة“ مع خصومها الإقليميين لا تزال تأمل أن تتوقف الحركة الإسلامية عن سياساتها ”شبه العدائية“ تجاه الإدارة المصرية، بعد الإطاحة بحكم الإخوان و تراهن على نفوذ ”المعتدلين“.

وفي غضون ذلك، لا تتوقف الأجهزة الأمنية في مصر عن التواصل مع غزة وحماس، حتى لو كانت الدولة المصرية تتخذ موقفاً رافضاً لسياسات حماس تجاهها، فهذا الفصل موضوع من جانب الدولة المصرية، نظراً لمسؤوليات القاهرة تجاه القطاع يتعلق بمقتضيات الأمن القومي المصري.

وتتوقع المصادر أن تبدي حركة حماس تجاوباً مع المساعي المصرية في هذا الصدد، رغم الجفاء بين الطرفين حتى لو لم تكن ضالعة في عملية الاختطاف، فالقاهرة التي تتبع سياسة ”الأيدي المدودة“ مع خصومها الإقليميين لا تزال تأمل أن تتوقف الحركة الإسلامية عن سياساتها ”شبه العدائية“ تجاه الإدارة المصرية، بعد الإطاحة بحكم الإخوان و تراهن على نفوذ ”المعتدلين“ داخل الحركة الذين يرون أن معاداة القاهرة في المرحلة المقبلة يضر بحماس أكثر ما يضر بالأمن القومي المصري، وعلي رأس هؤلاء المعتدلين القيادي موسي أبو مرزوق.

وفي العودة إلى العلاقة بين المصريين والفلسطينيين على المستوى الشعبي، والنظر بعين تحمل الرغبة في المساعدة والدعم لأهالي القطاع من جانب قطاعات بالشعب المصري، تعتبر ورقة ضغط سيلعب بها النظام المصري في التواصل مع إسرائيل، ولاسيما لإعادة صياغة وضع المعابر وعدم الاعتماد على معبر رفح فقط، وإعادة النظر في اتفاقية المعابر، ورغبة النظام الجديد في عدم التعرض لإحراج يُستغل من جانب الإخوان المسلمين في الداخل، وعمل مقارنات بين نظام مرسي والسيسي.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com