مصر.. بين الاحتباس الجغرافي والانسداد التاريخي

مصر.. بين الاحتباس الجغرافي والانسداد التاريخي

إرم من إميل أمين

هل قدمت الأقدار لمصر فرصة ذهبية في الأعوام الثلاثة المنصرمة للحاق بعالم ما بعد النظام العالمي الجديد؟

يبدو ظاهر الأمر حافل بالتضاد، لكن نظرة أعمق لحركة التاريخ ربما تبين لنا أنّ ما جرى كان ولابد منه حتى تقفز مصر إلى الأمام.

أفضل من يشرح لنا ما الذي جرى في بر مصر المحروسة رغم أنه توفي قبل نحو مائتي عام، هو الفيلسوف الألماني ”هيجل“ الذي حدثنا عن مكر التاريخ ودهاءه، وكيف أنه ربما يتحتم عليه في بعض الأحايين أن يعود إلى الوراء حتى يستعيد قدرته على القفز إلى الأمام، يعود للوراء ليتخلص هناك من أعباء الماضي وتركاته الانغلاقية، ويلقي عنه انسداداته التاريخية، بما فيها من جدب فكري، وفقر أدبي، وجهل روحي، وتخلف علمي، ليخلق لاحقا حالة من التنوير العقلاني تبدد ظلمات الواقع الأليم.

ولعله من حسن طالع مصر أنها تسعى لتأسيس دولة قوية محقة عادلة سالمة آمنة مزدهرة تنعم بالرخاء وتؤمن بالعلم، في وقت يعاد فيه تشكيل العالم، ذلك أنّ ما اعتبر من قبل الولايات المتحدة الأمريكية بعد انفراط عقد الاتحاد السوفيتي نظام عالمي جديد لم يقدر له أن يدوم لأكثر من عقدين من الزمن، وها هو يتهاوى، فيما يتكون نظام جديد، لم تظهر ملامحه بعد، لكنه بكل تأكيد عالم متعدد الأقطاب، وفي هذا فرصة تاريخية لمصر، لأن تطرح رؤيتها وتختار اتجاهاتها دون إرغام من أحد أو تبعية لقطب ما أو معسكر سياسي بعينه.

الذين استمعوا إلى خطاب الرئيس الأمريكي باراك اوباما في ”ويست بوينت“ أدركوا أنّ فكرة أمريكا الأمة التي لا غنى لأحد عنها indispensable nation، قد اضمحلت، وأنّ واشنطن لم تعد روما العصر مالئة الدنيا وشاغلة الناس.

وفي ذات الوقت، فإنّ الرهان على تجمعات إقليمية تدبر أحوال الكون أمر لم تثبت صدقيته بعد، فكل دولة ولو متقدمة في سياقها الإقليمي والجغرافي لديها كعب أخيل، فأمريكا كما يذهب ”روبرت كابلان“ المحلل الرفيع الشأن للجغرافيا السياسية في مؤسسة ستراتفور الأمريكية، مؤسسة استخبارات الظل، ”لديها مشكلات عميقة، ما بين دين خارجي يتجاوز السبعة عشر تريليون دولار، وقطاع رعاية صحية مفلس، وجمود حزبي قاتل، وتفاوت متصاعد بين الأغنياء والفقراء، والأكثر خطورة انكسار الحلم الأمريكي في عيون شعوب العالم“.

روسيا وبدورها وعلى الرغم من صحوتها يخشى عليها من الفوضى بعد بوتين، والصين تجلس على فقاعة ائتمانية هائلة، وألمانيا عالقة في مشكلات أوروبا وأزماتها المالية… ربما نكون بالفعل في مواجهة ثأر الجغرافيا وطفرة التاريخ، تلك التي لابدّ منها للكائنات الحية ولاشك كل حقبة زمنية.

ما يهمنا في المبتدأ والخبر وفي بداية عهد مصري جديد هو إعادة اكتشاف مصر لذاتها وقدراتها وتوجهاتها في عالم يتغير بسرعة وغير مستقر على شكل ما حتى الساعة.

في رؤيته وبرنامجه لمصر المستقبل، تحدث الرئيس السيسي عن انطلاقة مصرية من حالة الاحتباس الجغرافي والمضي قدما نحو آفاق أوسع وأرحب تجاه شواطئ البحر الأحمر شرقاً والصحراء الغربية غرباً.

وربما وفرت تداعيات السياسة العالمية الانطلاقة الثانية لمصر عبر الخروج من دائرة الانحسار التاريخي السياسي والتبعية التي رأينا كم أنّ ثمنها مكلف من الكرامة والعزة الوطنية.

في اللغة الصينية تأخذ الكلمات أشكالا معينة، فكلمة أزمة تعني الخطر أو الفرصة، فهل كانت السنوات الثلاث العجاف المنصرمة أزمة لمصر أم فرصة؟

نأمل أن تكون فرصة تاريخية ذهبية لمصر التي تعيد قراءة أوراقها من مينا إلى السيسي.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com