سيناريوهات ما بعد استقالة الحريري وانعكاساتها على الأوضاع في لبنان

سيناريوهات ما بعد استقالة الحريري وانعكاساتها على الأوضاع في لبنان

المصدر: محمد المصري - إرم نيوز

كشفت دراسة صادرة عن مركز أبحاث، يتخذ من العاصمة أبوظبي مقراً له، أن استقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري بمثابة إنذار أخير لحماية الاستقرار الداخلي في لبنان التي تقوم بدور ”الدولة الحاجز“ عبر الفصل بين مصادر التهديد الإقليمية والمنطقة العربية.

وذكرت الدراسة الصادرة عن مركز ”المستقبل“ للأبحاث والدراسات، أن الاستقالة تؤكد أن التصدي للسياسات العدوانية لإيران وحلفائها لا يزال في صدارة أولويات الأمن الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط.

أسباب الاستقالة

وقالت الدراسة :“إن استقالة الحريري تحمل رسائل ضمنية من بينها الاحتجاج على سياسات الأمر الواقع التي اتّبعها حزب الله اللبناني داخليًا، ورفض اتجاهات توريط لبنان في الصراعات الأهلية في سوريا والعراق، وتصدع تسوية الحريري – عون ، بالإضافة إلى محاولة تجنب تحميل لبنان تكلفة قيام حزب الله بدور الوكيل في تطبيق السياسات الإيرانية التوسعية في منطقة الشرق الأوسط“.

وشددت الدراسة ، على أنها لا تفصل استقالة الحريري عن تجدد التوترات المكتومة بين حزب الله وإسرائيل، وتصاعد التهديدات الإسرائيلية بتوجيه ضربات عسكرية إلى لبنان نتيجة تعزيز حزب الله لقوته العسكرية وتطويره ترسانته الصاروخية، وسعيه للحصول على سلاح كاسر للتوازن، على حد تعبير قياداته، وهو ما يزيد المخاوف من احتمالات تورط لبنان في مواجهة عسكرية غير محسوبة.

وأوضحت الدراسة أن الاستقالة بمثابة احتجاج ضمني على محاولات حزب الله وحلفائه توريط لبنان في الصراع السوري، وهو ما كشفت عنه صفقات حزب الله مع تنظيم داعش المتشدد وجبهة فتح الشام ”النصرة سابقًا“ في آب/ أغسطس 2017 والتي أثارت احتجاجات واسعة النطاق في الداخل اللبناني لتعديها على دور الجيش اللبناني في حماية أمن الحدود الوطنية، وجددت المطالبات بضرورة إنهاء الازدواجية العسكرية في لبنان.

وذكرت الدراسة، أن الاستقالة ترتبط بجهود حزب الله وحلفائه لتعزيز العلاقات الرسمية مع النظام السوري، والتي كان من بينها لقاء وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل مع وزير خارجية النظام السوري وليد المعلم في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في 21 سبتمبر/أيلول  2017.

وتابعت أن العديد من المؤشرات تؤكد وجود توافق إقليمي ودولي على تحجيم دور حزب الله، حيث دعا تقرير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، الصادر في أكتوبر/ تشرين الأول  المنصرم، إلى نزع سلاح حزب الله، لأن تورطه في المنطقة يهدد الاستقرار، كما أقر الكونغرس الأمريكي حزمة عقوبات جديدة على الحزب في 25 أكتوبر/ تشرين الأول  2017 تضمنت حظرًا على إمداده بالسلاح.

وعلى المستوى الإقليمي، عبرت تدوينات وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج العربي ثامر السبهان عبر حسابه على موقع ”تويتر“ في سبتمبر/أيلول الماضي عن الرفض السعودي لتصرفات حزب الله، حيث هاجم السبهان ارتباط حزب الله بالتنظيمات المتشددة ، وقيامه بجرائم ضد الإنسانية في سوريا بدعم من إيران، ولا ينفصل ذلك عن تورط حزب الله وإيران في قضية خلية العبدلي في الكويت.

عودة أوضاع 2005 واغتيال والده

وركز خطاب الاستقالة الذي ألقاه سعد الحريري عبر قناة العربية وفق الدراسة، على الدور الذي قام به حزب الله في تفجير التوترات والانقسامات في الداخل اللبناني، حيث أكد أن الحزب خلال العقود الماضية استطاع فرض أمر واقع في لبنان بقوة سلاحه الذي يزعم أنه سلاح مقاومة، وهو الموجَّه إلى صدور السوريين واليمنيين، فضلًا عن اللبنانيين، وأنشأ دولة داخل الدولة، وسيطر على جميع مفاصلها.

واعتبر الحريري أن الحزب لا يعدو كونه ”الذراع الإيراني، ليس في لبنان فحسب، بل في البلدان العربية“.

وركزت انتقادات الحريري على التدخلات الإيرانية في لبنان والدول العربية، حيث أشار إلى سياسات إيران العدوانية في المنطقة العربية، واتهم حزب الله بتوريط لبنان في الصراعات الإقليمية، وتفجير عداوات لا طائل منها مع الدول العربية، ومحاولة خطف لبنان من محيطه العربي والدولي.

وأشارت الدراسة إلى أن الأمر اللافت في خطاب الحريري تمثَل في المقاربة بين الأوضاع الحالية في لبنان والفترة التي سبقت اغتيال والده رفيق الحريري عام 2005، والإشارات المتتالية إلى وجود محاولات خفية لاستهداف حياته، وتهديد أمنه الشخصي.

ولفتت إلى أنه تم الكشف لاحقًا عن تعطيل أبراج المراقبة في موكب سعد الحريري أثناء التنقل داخل لبنان، وهو ما يؤكد تزايد احتمالات تجدد الاغتيالات السياسية التي ارتبطت بتفاقم الانقسامات الداخلية والاستقطاب الإقليمي حول لبنان، وهو ما دفع الحريري إلى تأمين خروجه من لبنان لتفويت الفرصة على محاولات إعادة لبنان إلى مرحلة عدم الاستقرار السياسي والأمني التي أعقبت اغتيال والده رفيق الحريري في عام 2005، والتي كادت أن تؤدي إلى تفجر مواجهات داخلية غير محسوبة بين التيارات اللبنانية.

سيناريوهات محتملة

وكشفت الدراسة أن استقالة الحريري ستؤدي إلى تزايد تعقيدات الأوضاع في الداخل اللبناني، ومن المرجَّح أن يحكم خيارات القوى الداخلية والإقليمية سيناريوهين رئيسين، الأول يتمثل في إعادة إنتاج التسوية.

وأفادت بأن هذا السيناريو يتوقف على عقلانية وواقعية قيادة حزب الله والتحالف الذي يقوده، بالإضافة للحسابات الإيرانية، وتقوم هذه المقاربة على تقديم الحزب تنازلات متعددة لبناء الثقة، على غرار التنازلات التي قبلها الحريري سابقًا في اتفاق العام الماضي، وقد يكون في صدارة هذه التنازلات القبول بحكومة جديدة لا يكون الحزب ممثلًا فيها، وإعادة الاعتبار لمبدأ النأي بالنفس من خلال الانسحاب من سوريا، والكف عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية.

أما السيناريو الثاني، يتمثل في تفجر الأزمات الداخلية، وبحسب الدراسة، فإن هذا السيناريو هو الأكثر سوءًا بالنسبة للدولة اللبنانية، حيث سيؤدي تعنت حزب الله واتجاهه للتصعيد إلى تفجر عدة أزمات دستورية وعسكرية.

وعلى الصعيد الدستوري، ألمحت الدراسة إلى أن هناك احتمالاً بتشكيل حكومة أمر واقع محسوبة على حزب الله تتسبب في تفجر عدم الاستقرار في لبنان ومنطقة الشرق الأوسط، وتؤدي إلى تعطيل إجراء الانتخابات التشريعية المقبلة في مايو /آيار 2018، ما يتسبب في عرقلة عملية انتقال السلطة.

وعلى المستوى العسكري، كشفت الدراسة  أن حزب الله قد يتسبب في توريط لبنان في مواجهات عسكرية جديدة مع إسرائيل بسبب إصرار قيادة الحزب على تطوير ترسانتها العسكرية لبناء معادلة للردع في مواجهة تل أبيب، في مقابل سعي الأخيرة لاستباق هذه الاحتمالية وتوجيه ضربات استباقية لتدمير ترسانة الحزب، بالإضافة إلى تصاعد الضغوط الإقليمية والدولية على لبنان بسبب تدخلات حزب الله العسكرية في سوريا ولبنان واليمن وتهديداته لأمن الدول العربية.