فلسطينيون يروون لـشبكة ”إرم“ قصصا من النكسة

فلسطينيون يروون لـشبكة ”إرم“ قصصا من النكسة

المصدر: رام الله- (خاص) من زهران معالي

بعد 47 عاما من الهزيمة العربية في 5 حزيران/ يونيو 1967، لا تزال تبعات ”النكسة“ تجثم على صدر المناطق العربية التي احتلتها إسرائيل في هذه الحرب باستثناء سيناء، فما زالت الجولان السورية محتلة، والضفة الغربية تلتهمها المستوطنات الإسرائيلية وغزة تحت الحصار.

144 ساعة هي إجمالي زمن المعارك العسكرية التي غيرت الخريطة العربية ورسمت السياسة في المنطقة إلى اليوم.

يروي الحاج ”أبو إسلام“ (78 عاماً) كيف سقطت القدس الشرقية في 6 حزيران/ يونيو 1967، في أيدي القوات الإسرائيلية فيما كان السكان ينصتون إلى الإذاعات العربية التي تتحدث عن النصر.

واتهم أبو سلام الأنظمة العربية بـ ”التآمر على القضية الفلسطينية وتسليم الأراضي الفلسطينية إلى إسرائيل“، موضحاً أن ”الإذاعات العربية كانت تشير إلى أن عبد الناصر سيغلق مضائق تيران وقناة السويس، وأنه في حالة انتظار واستنفار“.

ويقول أبو إسلام في حديث خاص لـ“إرم“: ”اندلعت الحرب فجأة الإثنين 5 حزيران/ يونيو، انتظرنا التعليمات ولم تصل، ولم نكن على أهبة الاستعداد العسكري كما يجب، لم ندر إلى أين نذهب، كنا نتجول عند أسوار البلدة القديمة ولم نشتبك مع أي عدو“.

وأضاف: ”في الوقت نفسه كانت إسرائيل تتقدم من منطقة بيسان، شمال فلسطين، وتحتل أريحا وتدخل القدس، وتتمركز في جبل الطور المطل على المدينة داخل الأسوار وخارجها، كما بدأ الجنود يصطادون كل من يتحرك، مسلحا أو غير مسلح، كانت المعارك تدور في الشيخ جراح حيث فقدنا الكثير من الضحايا“.

وفوجىء أبو سلام الأربعاء 7 حزيران/ يونيو، بدخول المحتلين من بابي الأسباط (شرق) وباب المغاربة (جنوب شرق) إلى القدس القديمة، مؤكدا أنهم ”كانوا يقتلون كل من يرونه في الطريق“.

وانسحب الجيش الأردني من القدس ومن الضفة الغربية عموما، التي كان يسيطر عليها منذ عام 1948.

ثلاثة أيام فقط

بدوره، يقول المواطن الفلسطيني محمد أبو غليون (54 عاماً) من سكان مخيم جنين، شمال الضفة الغربية: ”كان يوم إثنين وكنت في الصف الثاني الابتدائي، كان في معسكر للجيش الأردني بالجبل في مخيم جنين، بدأت القوات الإسرائيليه الهجوم من المستوطنات في مرج ابن عامر، كما بدأت الدبابات في قصف المنطقه وردت عليها الدبابات الأردنية بالمثل، كنا نشاهد القذائف تسقط بجانب الدبابة الإسرائيلية دون أن تصيبها“.

وتابع أبو غليون في حديث خاص لـ“إرم“: أحد الجنود الأردنيين حضر إلى بيتنا وطلب ملابس لتغيير ملابسه العسكريه بملابس مدنيه وخرج ولم نعرف عنه شيئا، وبعد العصر تحركنا من مخيم جنين وسلكنا طريق الجبال باتجاه قرية (مسلية) وكانت الطائرات الإسرائيليه تقصف بعض المواقع ووصلنا إلى وجهتنا واختبأنا في مغاره لمدة ثلاثة أيام، عدنا بعدها إلى مخيم جنين بعد أن انتهى الأمر، ورأينا الجيش الإسرائيلي على طول طريق العودة إلى المخيم“.

وأضاف: ”من يسمي حرب حزيران بالأيام الستة مخطئ، لأن احتلال الضفة لم يتحمل أكثر من ثلاثة أيام“.

من جانبه، أوضح الحاج نزيه مصطفى (65 عاماً) من قرية عجة، جنوب جنين، أن الحرب بدأت في فترة حصاد المزراعين، حيث كانت عائلته في سهول البلدة، مؤكدا على أنه سمع خبرا من الإذاعات مفاده أن الجيوش العربية أسقطت 42 طائرة إسرائيلية“.

ويضيف مصطفى: ”في اليوم التالي تفاجأنا بأربع طائرات تقصف معسكر ”ترسله“ التابع للجيش الأردني، وبدأنا بترك منازلنا والاختباء تحت الأشجار والمغر“، لافتا إلى أن الجيش الأردني ”جاء للقرية وخبأ أسلحته وارتدى الزي المدني“.

ويتابع: ”في اليوم الثالث للحرب وصلت الدبابات الإسرائيلية للقرية وطلب والدي من الناس في القرية رفع البيارق البيضاء خوفاً من التعرض لقصف الدبابات الإسرائيلية“.

شاهدة على المجزرة

سلوى شهيل خضيري (51 عاماً) من مدينة طوباس، إحدى الناجيات من مجزرة نفذتها الطائرات الإسرائيلية في ظهيرة أول يوم لاحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة. أعادت خضيري بناء اللحظات المرعبة التي أعقبت قصف شاحنة كانت محملة بعشرات الفلسطينيين الفارين إلى الأردن.

وتقول خضيري: ”استشهد أخي هشام (عامان ونصف)، وهو في حضن أمي (فاطمة يوسف عوض) التي أصيبت بشظايا، وخسرنا أختي أسماء (سبعة أعوام)، وأصيب أخي جلال في قدمه، واحترق شعر شقيقي جمال وأنقذه ابن عمي غالب فهيد من الموت، بعد أن حمله وأبعده عن الشاحنة قبل أن تنفجر، أما أنا فبترت ساقي اليمنى.

وتضيف: ”بالفعل كانت مجزرة، ولحظات مرعبة لا زالت تعيش في صدورنا إلى اليوم، ونتألم من رصاصها، ومنذ وقت قريب أخرجنا شظايا القذائف من جسد أمي، التي تتجنب الحديث عن المجزرة؛ لحزنها على أخوتي“.

وتوضح أنها ”شاهدت طائرة إسرائيلية ترش على الحافلة مادة بيضاء تشبه (البودرة)، قبل أن تفرغ حمولتها من القنابل، بعد أن اجتازت نهر الأردن، ووصلت الضفة الشرقية منه، بجانب إحدى بيارات البرتقال في الشونة الجنوبية، داخل أراضي المملكة“.

وتستذكر: ”كلما أمر من العوجا، خلال سفري لعمان، تعود إليّ اللحظات القاسية التي عشناها، حين تعطلت السيارة، وكيف احتمينا في العبّارة، وكلما أسمع عن حادث أو قصف وشهداء، تعود إلى ذاكرتي المشاهد الفظيعة التي ألمت بنا في أول يوم من احتلال الضفة الغربية وغزة“.

وتقول: ”بسبب المجزرة، عشت مع ثلاثة أطراف صناعية خلال 48 عاما، وانقطعت عن دراستي“.

جيل ما بعد النكسة

يقول غازي الدلة (45 عاما) من بلدة كفرراعي جنوب جنين، الذي ولد بعد النكسة بعامين: ”صحيح أننا لم نعايش بدايات النكسة وحالتها، لككنا عشنا ونعيش اليوم تداعياتها رغم مرور 47 عاما كانت مليئة بشتى ألوان المخاض المر“.

ويضيف الدلة: ”إذا كانت النكسة حصلت بفعل التضامن العربي المفكك والارتهان العربي الرسمي لإرادة الغير الصديق والعدو وحالة الوهن والضعف، تأتي الذكرى اليوم أكثر مرارة وأكثر حرقة وتعقيدا في المشهد، وإذا كنا سابقا نتحدث عن الوحدة والتضامن بين الدول العربية فإننا اليوم نتحدث عن التضامن والوحدة بين أبناء القطر الواحد“.

ويتابع: إذا سال وسفك الدم العربي سابقا بأيدي أعدائه فإنه اليوم يسيل ويتلون بفعل قادته، وإذا كان التشرد واللجوء عنوان شعبنا الفلسطيني وسمته فقط فإنه اليوم بات ناقوسا يدق الكثير من شعوبنا العربية“، موضحا ”نعيش اليوم نكسات متجددة ومواقف دولية لا زالت تجانب الحق العربي بشكل عام“.

ووصف الشاب يوسف شلبي (24 عاماً) من طولكرم النكسة بـ ”اليوم الكئيب على الشعب الفلسطيني والدول العربية بسبب سقوط ما تبقى من الأراضي الفلسطينية بعد حرب 1948 في يد الاحتلال الإسرائيلي، وبسبب خيبة كبيرة للجيوش العربية، إذ لم تستطع رد عدوان استمر ستة أيام فقط من قبل جيش الاحتلال البغيض الذي ارتكب مجازر بشعة في ذلك الوقت“.

ويضيف شلبي أنه ”يتخيل أحداث النكسة من خلال القراءة وسماع القصص من الأشخاص الذين عاصروا تلك المرحلة“.

وأشار إلى أن النكسة كانت رسالة واضحة للشعب الفلسطيني بضرورة اعتماده على نفسه في التخلص من الاحتلال.

روايات حرب الأيام الستة أو حرب حزيران، رغم مرور 47 عاماً عليها، إلا أنها ما زالت تنتقل بين الأجيال المتعاقبة، لتحفر مكانها في الذاكرة.

وفي هذه الحرب واجه نحو 260 ألف جندي إسرائيلي ما يقدر بـ 450 ألف جندي عربي من مصر وسوريا والأردن والعراق والجزائر والكويت، قتل خلالها 777 جنديا إسرائيلياً، في حين قتل 15 ألف جندي مصري و 6100 جندي أردني وما يتراوح بين ألف إلى 2500 جندي سوري.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة