مصر ما بين الرئيس الثامن والجمهورية الثالثة

مصر ما بين الرئيس الثامن والجمهورية الثالثة

المصدر: القاهرة- (خاص) من شوقي عصام

يقف المصريون على أعتاب تغير سياسي تاريخي، بانتظار تسلم الرئيس المنتخب منصبه، ليكون الرئيس الثامن للبلاد ورأس الجمهورية الثالثة.

دخول الرئيس الجديد إلى قصر الاتحادية يصاحبه الكثير من الصور الواقعية، أهمها أنه سيكون من أكثر الرؤساء اصطداما بتحديات يصنفها البعض على أنها تحتاج إلى معجزات، ما بين اقتصاد مدمر، وجهاز إداري مترهل، وشعب يواجه نسباً عالية من الفقر والجوع والمرض والبطالة، وحالة أمنية هي الأسوأ في تاريخ مصر خلال الأعوام الثلاثة الماضية، وقضايا أخرى تحتاج إلى مجهودات جبارة تتطلب تكاتف الحاكم والشعب.

مع استلام الرئيس“السيسي“ للسلطة، هناك أيضا مسميات واضحة ستصوب نحو الدولة والحاكم، تربط بعقود زمنية قريبة مع إقامة النظام الجمهوري في مصر، وسط أنظمة اختلفت من رئيس إلى آخر حول الاتجاه السياسي والفكر الاقتصادي والرؤية الإدارية، ووضع المؤسسة العسكرية، والتعاطي مع الشعب.

مع إعلان اللجنة العليا للانتخابات لأسم الرئيس بشكل رسمي، يكون ذلك بمثابة التدشين للجمهورية الثالثة، والرئيس الثامن، وهما وضعان جديدان، جرت صياغتهما برحيل رؤساء ما بين المنفي والمسموم والمقتول والمتنحي والمعزول، وثورات شعبية كان الجيش فيها الطرف الحاسم، لتبديل جمهورية بأخرى، وفق آليات انتقالية دائما ما توجد تقسيما بين أبناء الشعب الواحد.

فكرة الدولة والنظام الحاكم في مصر ليست جديدة، إذ أنها قائمة منذ ما يزيد على خمسة آلاف عام، حكام يصلون إلى سدة الحكم ما بين التوريث والصراعات، وإسقاط العائلات الملكية والدولة قائمة، لكن دائماً ما يتغير النظام.

طوال تلك القرون، لم تقم الجمهورية الوليدة إلا في 60 عاماً فقط، وذلك في عام 1954، حيث كانت الجمهورية الأولى، بعد عام ونصف العام من ثورة 23 يوليو 1952، التي انطلقت كتمرد عسكري على الملك فاروق، ثم انقلاب تحول إلى ثورة بمباركة الشعب، وعلى الرغم من أن المهندس الحقيقي لهذه العملية كان جمال عبد الناصر، إلا أن الرئيس الأول كان اللواء محمد نجيب، الذي أصبح متداولاً بين الشعب في الأعوام الأخيرة على أنه كان صاحب هذا اللقب، حيث كان مسمى الرئيس الأول، أمراً مسلماً به للرئيس الثاني جمال عبد الناصر.

جمهوريات ورؤساء يأتون ويغادرون، لكن فكرة المبادئ الاستراتيجية الثابتة لم تدم أبداً في النظام الجمهوري، فمع كل رئيس جديد كان هناك اختلافا على الاتجاه السياسي والاقتصادي لسلفه.

عندما تولى محمد نجيب السلطة، كان هناك صداما بين رجاله، فهو الرئيس الذي حكم من حزيران/ يونيو 1953 حتى تشرين الثاني/ نوفمبر 1954، أراد أن يكمل دوره كحاكم من خلال نظام ديمقراطي، يعمل على تداول السلطة، وإرساء الديمقراطية والحريات قبل كل شيء، عبر ما يسمى بدستور 1954.

كان نجيب يقود فريقاً يتبنى مطالب بناء نظام سياسي حزبي جديد، يعيد الجيش إلى ثكناته، وإرساء الديمقراطية، في حين كان هناك فريقا آخر، بقيادة نائبه جمال عبد الناصر، الذي حشد لفكرة أن الديمقراطية خطر على مجتمع عبث فيه الفساد، وأنها ستستغل من جانب الأحزاب التي كان يصفها بالمخربة، على رأسها جماعة ”الإخوان المسلمين“، فتم التخلص من ”نجيب“ ونفيه في استراحة متواضعة في منطقة ”المرج“ النائية، ليظل محبوساً لأكثر من 30 عاماً، ليجد سوء معاملة من طاقم الحراسة، وصلت إلى الضرب والإهانة في بعض الأحيان.

الرئيس الثاني، جمال عبد الناصر، استلم السلطة، بعد التخلص من خصومه، الذين اعتبرهم خطراً على مشروعه القومي، الذي لا يقف داخل حدود بلده، بل خرج إلى جميع أنحاء العالم في الشرق والغرب وأقصى الجنوب، لتكون حالة خاصة، أوجدت نظاماً سياسياً قائماً على القومية العربية وعدم الانحياز، فعمل بجيشه في اليمن والجزائر، وبقوته الناعمة في سوريا ولبنان والعراق، معادياً أنظمة تختلف عن نظامه، تقوم على الحكم الملكي، في السعودية والمغرب وليبيا.

فكر سياسي واقتصادي مختلف تماماً عن سابقه، كان أساس عمل عبد الناصر، فهو من أسقط نظام الأحزاب السياسية، للتخلص من خصومه، سواء كانوا الباشاوات أو الإقطاعيين، ليكون الاتحاد الاشتراكي هو الحزب الواحد المعني بالسياسة والسلطة، وتكون الاشتراكية هي النظام الاقتصادي أيضاً، وهو ما وضح منه التحالف التاريخي مع الاتحاد السوفيتي، ليقوم ذلك النظام القوي الذي استطاع تصدير تجربته في الخارج، وارتبط بها الكثير من الشعوب، إلا أن السقوط الفعلي لهذا الرجل الذي كون أسطورة كحاكم وصل إلى درجة الزعامة، هي نكسة حزيران/ يونيو 1967.

الرئيس الثالث، كان محمد أنور السادات، الذي استلم السلطة في بداية أكتوبر 1970، كنائب للرئيس، محملاً بكاهل غسل عار الهزيمة، وسط تحديات داخلية، منها سياسية متعلقة بورثة عبد الناصر، سواء كانوا قيادات في السلطة أو كوادر في الشارع، وتحديات خارجية تتصدر مشهد العبور.

وعمل السادات على تجفيف منابع المعارضة الداخلية بما أسماه ”ثورة التصحيح“، التي أزاحت رجال عبد الناصر من مسلسل الصراع على السلطة، ثم نزل إلى الشارع لمواجهة كوادر المتمركزين في الجامعات، عبر صفقة مع من أقصاهم سلفه، وهم جماعة الإخوان المسلمين، ليعودوا إلى الشارع لممارسة السياسة، على حساب الاشتراكيين واليساريين والناصريين.

ساعد إنجاز السادات في العبور وإلحاق الهزيمة بإسرائيل في تشرين الأول/ أكتوبر 1973، على هدم سياسات عبد الناصر في الداخل والخارج، حيث دخل في عداء مع السوفييت، حلفاء الأمس، ليتحد مع أعداء الأمس، وهم الأمريكان في رغبة لاسترجاع الأرض وإحلال السلام، حيث كان يرى أن 99% من أوراق اللعبة في يد أمريكا، وهو ما أحدث تصدعا مع الدول العربية، لتكون جبهة ”الممانعة“، وفي إطار الصديق الجديد.

اتجه السادات نحو الرأسمالية عن طريق ”الانفتاح“، لتعويض الفقر الذي حل بالبلاد بفعل الحروب، ثم أسقط نظام الحزب الواحد، ليكون ثلاثة منابر سياسية تحولت إلى أحزاب، لتكون النهاية في تشرين الأول/ أكتوبر 1981، حين تعرض للاغتيال في عرض عسكري انتهت معه حقبة رئيس بسياساته.

الرئيس الرابع لم يكن محمد حسني مبارك، كما يتصور البعض، بل هو رئيس مجلس الشعب، الدكتور صوفي أبو طالب، الذي كان رئيساً مؤقتاً لمدة ثمانية أيام، بعد اغتيال السادات، حيث أن الدستور المصري الصادر في 1971، يقرر أن يتولى رئيس مجلس الشعب المنصب الرئاسي حال خلو منصب رئيس الجمهورية بالوفاة، ليتم الاستفتاء الشعبي على النائب حسني مبارك، الذي نصب رئيسا في 14 تشرين الأول/ أكتوبر 1981.

الرئيس الخامس، حسني مبارك، هو صاحب أطول نظام حكم في مصر منذ أيام مؤسس الدولة الحديثة، محمد علي باشا، حيث وصل إلى سدة الحكم في تشرين الأول/ أكتوبر 1981، وتنحى عن السلطة في 11 شباط/ فبراير 2011، عقب ثورة شعبية اندلعت شرارتها في 25 كانون الثاني/ يناير 2011، لينتهي مع حكمه الجمهورية الأولى التي ضمت أربعة رؤساء حكموا لمدة 57 عاماً.

على الرغم من أن بداية عهد ”مبارك“ كانت مبشرة، عندما دعا إلى إذابة أي توترات مع القوى السياسية والدينية التي أوجدها السادات في نهاية عهده، وذلك بالإفراج عن حوالي 1500 شخصية سياسية ودينية وعامة، وعمل في الخارج على إذابة الخلافات مع دول ”الممانعة“، خصوصا الجزائر وسوريا، في ظل عمله على استعادة بقية الأرض المصرية المحتلة في نيسان/ أبريل 1982، ثم معركة إعادة طابا، بمواجهات التحكيم الدولي.

”مبارك“، لم يكن له اتجاه سياسي واقتصادي واضح بحكم المتابعين، حيث عمل على استكمال مسيرة ”السادات“ بشكل أكبر من جانب الدولة الرأسمالية، بتعظيم دور رجال الأعمال، وواصل العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وواجه مشكلة الديون الخارجية وفوائدها، حيث استغل حرب تحرير الكويت، ليعود بمصر إلى الحضن العربي بعد الخصام من جهة، ويحصل على منح من السعودية والكويت، تقديراً لدور مصر في هذه الحرب، مما ساعد على تقليل أجزاء من أصل الديون، كما أسقط نادي باريس الدولي، الذي يدار من جانب الغرب، جزءا من فوائد الديون.

عمل ”مبارك“ على اتساع الفجوة بين الطبقات الاجتماعية، وإخفاء الطبقة الوسطى لإعادة البنية التحتية والاقتصادية للدولة، وعلى المستوى الخارجي، تسبب ”مبارك“ في خسارة مصر للمحيط الإفريقي، وبعض الارتباكات مع دول عربية كبرى، مثل الجزائر وسوريا.

توجه مبارك إلى تغذية الحريات والديمقراطية والأحزاب السياسية، كانت حركة ”كارتونية“ جففت التربة الحزبية والسياسية، مما عاد بالإيجاب على جماعة ”الإخوان المسلمين“، التي تعمقت في جذور الدولة، وكان مخطط التوريث هو العامل الأساسي في القضاء على نظامه -الذي جاء بطبيعة بعيدة عن المصريين- وفي العمل لصالح فكرة ”الجماعة“، على الرغم من الظهير الذي جاء به كأول رئيس منتخب، وكحاكم وصل إلى السلطة بثورة شعبية نتيجة انتخابات تنافسية، إلا أن مخطط ”الأخونة“، الذي انشغل بإقامته للقضاء على كل الرؤساء والأنظمة التي سبقته.

الجمهورية الثانية حلت مع الرئيس السادس، محمد مرسي، الذي جاء نتيجة أول انتخابات رئاسية حقيقية في مصر في حزيران/ يونيو 2012، على أثر ما أحدثته ثورة 25 يناير، ليظل في الحكم 365 يوماً فقط، سقط بعدها إثر ثورة شعبية قدرت بأكبر تجمع في التاريخ.

ضرب نظام ”مرسي“ بمصرية الدولة، وكان الصدام الأول الحقيقي مع الشعب، في احتفالات 6 تشرين الأول/ أكتوبر 2012، عندما دعا قتلة الرئيس أنور السادات إلى الحفل ليجلسوا في الصفوف الأولى، وهو ما اعتبره الشعب، إهانة للجيش الذي يرتبط به في علاقة خاصة قوية.

ثم جاء التمييز بمخاطبة جماعته الذين أسماهم ”أهله وعشيرته“، دون النظر إلى بقية أفراد الشعب، ثم تكوين مجموعة مقربة منه لإقامة دستور لم يشهد وفاقاً شعبياً أو سياسياً، ثم الانقلاب على الشرعية، بإصدار إعلان دستوري في تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، نصب من خلاله نفسه فوق السلطات وجعل قراراته نافذة على أحكام القضاء، ويستكمل الأمر بخروج أنصاره من الجماعة، منكلين بالمعارضين، فيما يسمى بـ ”مذبحة الاتحادية“.

خلل آخر أوجده ”مرسي“ بالمساس بالأمن القومي، بخروج أحاديث قوية عن استقطاع جزء من سيناء، بالاتفاق مع الولايات المتحدة، لترحيل أهالي ”غزة“ فيها، وهو ما هدد القضية الفلسطينية، إضافة إلى أحاديث لم يجر نفيها، خلال زيارته إلى السودان، بإخراج القوات المصرية من مثلث حلايب وشلاتين، الذي يشهد نزاعاً بين الدولتين.

الرئيس السابع هو الرئيس المؤقت، المستشار عدلي منصور، الذي يغادر السلطة بعد أيام، مسلما إياها إلى الرئيس الجديد الذي اختاره الشعب المصري قبل أيام، وهو من استلم السلطة بعد عزل ”مرسي“، بحسب خطة القوى الوطنية في 3 تموز/ يوليو الماضي، التي تلاها وزير الدفاع السابق، المشير عبد الفتاح السيسي، بإدارة المرحلة الانتقالية من جانب رئيس المحكمة الدستورية، الذي أنجز إقامة دستور جديد للبلاد وانتخاب رئيس للجمهورية.

استلام الرئيس ”السيسي“ للسلطة، هو إعلان لنهاية الجمهورية الثانية، وبداية الثالثة التي يأمل من خلالها الشعب المصري، بإنهاء حقب من الظلم والفقر من جهة، وانتظار ترسيخ الحرية والديمقراطية والعيش الكريم والنهضة لبلادهم من جهة أخرى.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com