“التشكيلة الدبلوماسية” الجديدة في لبنان.. محاصصة تثير غضبًا بالخارج واعتراضات بالداخل

“التشكيلة الدبلوماسية” الجديدة في لبنان.. محاصصة تثير غضبًا بالخارج واعتراضات بالداخل

رغم انقضاء 80 يوماً على إقرار الحكومة اللبنانية لسلسلة من التعيينات الدبلوماسية، شملت 74 سفارة في العالم، إلا أنها لم تُعتمد نهائياً حتى الآن، بسبب ما اعتراها من إساءة توظيف لمبدأ المحاصصة بين السياسيين وزعماء الطوائف.

هذه التعيينات وصفتها صحيفتا “المردة” و”الأخبار”، بـ”الفضيحة المتجددة”، بينما اعتبرت صحيفة النهار أنها “مصدراً للتأزيم الناعم بين لبنان وحوالي 7 عواصم عالمية وعربية”.

صفقة محاصصة.

وجاءت التغييرات في التشكيلة الدبلوماسية، ولعلها الأكبر من نوعها في السياسة اللبنانية الحديثة، تجسيدًا لصفقة محاصصة حزبية، وطائفية، وانتخابية، أثارت غضب عواصم عالمية وعربية، بمثل ما أثارته من اعتراضات محلية.

فمنذ 3 سنوات تقريباً والماكينة الدبلوماسية اللبنانية شبه معطلة، بسبب الشغور في السفارات، نتيجة الفراغ الذي أصاب منصبي رئيس الجمهورية والحكومة.

وحتى بعد انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، وتشكيل الحكومة الجديدة، إلا أن التشكيلات الدبلوماسية، ظلت تتأجل طوال 6 أشهر، إلى حين استكمال لعبة المحاصصة والترضيات، في “صفقة” خرقت بديهيات العمل السياسي، وأساسات العلاقات الخارجية المفترضة، بحسب ما تتفق عليه توصيفات المحترفين في الدبلوماسية اللبنانية.

قائمة الدول الغاضبة.

قائمة الدول التي يتردد أنها لم تكن راضية عن ترشيحات السفراء اللبنانيين، شملت الولايات المتحدة الأمريكية، والفاتيكان، وفرنسا، و3 دول عربية، بالإضافة إلى بضع دول أوروبية، ولكل من هذه العواصم سببها الذي تفترض أنه معروف وبديهي للسياسيين، والقيادات اللبنانية، “لو أنها وضعت المصلحة الوطنية قبل المصالح الشخصية والفئوية، وهي توزع الحصص والغنائم فيما بينها”، بحسب وصف قيادات من حزب القوات اللبنانية.

وباب الإغراء المادي بمنصب السفير في لبنان، هو أن راتبه يصل أحياناً إلى 17 ألف دولار شهرياً، وذلك في مقابل 2000 دولار فقط لمنصب مدير عام وزارة الخارجية، لذلك فإن الطمع به كبير وحجم الترضيات فيه مؤثر سواء لمصالح شخصية وعائلية، أو انتخابية.

لأول مرة سفراء حزبيون.

لكن الجديد الأكثر “فجاجة” في التشكيلات الدبلوماسية، كما يرى مراقبون، هو ما أشارت له قناة “أل بي سي” من أنها المرة الأولى التي يتم فيها تعيين عدد كبير من السفراء الحزبيين في بعثات العواصم الأساسية، والتي من بينها عواصم عربية.

 وما حصل في هذا الخصوص هو الذي أثار السخط الخارجي والتراشق الداخلي على شُبهة أن “هؤلاء السفراء يمثلون أحزابهم وطوائفهم أكثر ما يمثلون الحكومة والدولة اللبنانية”.

سفير بجنسيتين.

أول العواصم المعترضة على السفير اللبناني المقترح لديها، كانت واشنطن، لكون هذا السفير، غابي سعيد، يحوز الجنسيتين الأمريكية واللبنانية.

وهذا الأمر كانت الخارجية والحكومة اللبنانية تعرف سلفاً أنه لا يجوز في القانون الأمريكي، ومع ذلك جرى إقراره من طرف الحكومة، لكن صدور مرسوم التعيين ما زال عالقاً حتى اليوم بسبب الرفض الأمريكي.

ويحاول زير الخارجية اللبنانية الآن أن يجد الحل في تخلي سفيره عن الجنسية الأمريكية، لكن عامل الوقت يضع الحكومة اللبنانية في مشكلة.

 سفير ماسوني في الفاتيكان.

السفير الثاني الذي أثار مشكلة أشد حدة، كان المقترح لدى الفاتيكان، جوني إبراهيم،  وهو الذي تحفظ عليه “الكرسي الرسولي” لكونه ماسونياً، حيث يُفترض بالحكومة اللبنانية أن تعرف سلفاً أن الفاتيكان يشهر محاربته للماسونية.

وردت الخارجية اللبنانية بالقول إن السفير إبراهيم تخلى عن الماسونية قبل 3 سنوات، فرد عليهم السفير البابوي بإظهار صورة توثيقية حديثة جداً للسفير تؤكد أنه مستمر في المحفل الأمريكي.

سفير حزبي في الكويت.

الاعتراض الثالث الجوهري والذي كان متوقعاً أن تعرفه سلفاً حكومة الرئيس الحريري ولا تحرج نفسها به، هو اختيار سفير لبناني للكويت من الذين وصفتهم “أل بي سي” بأنهم حزبيون يضعون مصلحة الطائفة قبل مصلحة الدولة.

وزاد في حرج الحكومة اللبنانية، واضطرار رئيس الجمهورية للتدخل وطلب زيارة الكويت، أن ترشيح السفير ريان سعيد (الذي ينتمي للطائفة الشيعية وتصدّر مؤخراً حفل ذكرى الإمام موسى الصدر في سويسرا)، جاء بعد أيام من صدور الحكم الكويتي بحق أفراد “خليّة العبدلي” بشواهد من ارتباط تلك الخلية بحزب الله، وهي مسألة كانت محور رسالة وجهتها الخارجية الكويتية إلى نظيرتها اللبنانية.

وما حصل مع الكويت هو أن بيروت لم تبعث لها حتى الآن طلب اعتماد السفير الجديد، وهو ما كشفه نائب وزير الخارجية الكويتي خالد الجارالله.

وكان لافتًا للأوساط السياسية والدبلوماسية أن أياً من الخارجية أو الحكومة اللبنانية لم تأخذا هذه القضايا الأمنية في اعتبارهما وهما تتحاصصان في توزيعات السفراء الذين يفترض أن يتحدثوا باسمهما ويمثلانهما في عواصم ومجتمعات عربية لا تُخفي أنها مستهدفة بالإرهاب الذي يتستر بالطائفية.

مقايضة سفراء الطوائف.

وقالت مجلة “الأفكار” اللبنانية إن حكومة الرئيس الحريري “تلقت إشارة دبلوماسية هادئة بأن دولة الإمارات العربية لا تفضّل أن يكون السفير اللبناني من السفراء الذين يضعون مصلحة الطائفة فوق المصلحة اللبنانية”.

وبحسب المصدر “تفهم مدير مكتب رئيس الحكومة، نادر الحريري، هذا الاعتبار ونقله إلى وزير الخارجية باسيل الذي قام باقتراح سفير سنّي في الإمارات مقابل سفير شيعي في الكويت” وكان بذلك “يعميها وهو يكحّلها” (بحسب المثل اللبناني)، واضعاً تحالف التيار الوطني مع حزب الله، فوق أي اعتبار آخر.

 السفير المقترح لباريس.

إحدى القصص البارزة هي التي حصلت مع السفير المقترح لباريس، رامي عدوان، الذي سبق وشغل مدير مكتب جبران باسيل، وزير الخارجية، قبل أن يستقيل عشية التشكيلات الدبلوماسية التي حصلت في الـ 20 من تموز/أيلول الماضي.

وتكشف قبل أيام أن عدوان استقال من منصبه ليجري تعيينه على كوتة السفراء الجدد المثيرين للجدل.

وتم اكتشاف ذلك بالصدفة عندما لاحظ أحد الدبلوماسيين أن اسم “عدوان” أُدرج ضمن ملف الترفيعات من الفئة الثالثة إلى الفئة الثانية الذي أرسلته الخارجية إلى مجلس الخدمة المدنية بعد تقديم استقالته، وتمت الموافقة على ترقيته وهو خارج الوظيفة.

أما  الحجة التي  استخدمتها الخارجية اللبنانية لتبرير هذا الأمر، فهي قولها إن “عدوان” صديق للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.