بين واشنطن وطهران.. هكذا انهار التعليم وارتفعت الأمية بالعراق

بين واشنطن وطهران.. هكذا انهار التعليم وارتفعت الأمية بالعراق

منذ الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، وما رافقه من تغول للمليشيات المدعومة من إيران، بدأ النظام التعليمي ينهار، متأثرا بموجة الاغتيالات الطائفية، التي شهدتها البلاد.

وسلط تقرير نشرته صحيفة “المونيتور” الضوء على “دخول الجامعات الإيرانية إلى العراق في أعقاب الغزو، حيث انهار النظام التعليمي في البلاد، وتفجرت معدلات الأمية، وتحولت الجامعات إلى ساحات قتال طائفية، وطرد العنف المنظم الطلاب وأعضاء هيئة التدريس إلى خارج الحرم الجامعي”.

ويشير التقرير إلى أنه “مع تراجع الدولة في التعليم العالي أنشأ المانحون من القطاع الخاص مؤسسات بديلة ذات توجه طائفي وديني، كما تدخلت الجهات الفاعلة الأجنبية أيضا لملء الفراغ”.

انهيار نظام التعليم 

وكان انهيار النظام البعثي في العام 2003 واستبدال أمريكا لحكومة البلاد، سببًا في دمار النظام التعليمي في العراق، حيث تم تعيين الضباط الأمريكيين عديمي الخبرة، والذين لم يفهموا تعقيدات الوضع، مسؤولين عن التعليم العالي.

 وقد أدى قانون اجتثاث البعث عام 2003 إلى طرد الآلاف من المعلمين وأساتذة الجامعات الذين كانوا أعضاء في حزب البعث، كما عمل مقتل رئيس جامعة بغداد بعد أيام من الموافقة على هذا القانون كعلامة واضحة على الخراب القادم.

وعلى مدى السنوات التالية، تم استخدام قانون اجتثاث البعث من قِبل الميليشيات المدعومة من طهران المتنافسة والفصائل السياسية من أجل فرض السيطرة على التعليم بعنف.

وازدادت الأمور سوءًا في العام 2014 مع التقدم السريع لداعش الذي استولى على العديد من جامعات الدولة الكبرى بما في ذلك جامعة الموصل ثاني أكبر جامعة في البلاد، وشرع في حرق الآلاف من الكتب وإلغاء الدورات وحرق المباني.

وعلى الرغم من عدم وجود أرقام قاطعة، يقدر عدد موظفي الجامعة وأعضاء هيئة التدريس العراقيين المغتالين خلال العقد الماضي بالمئات.

وأجبرت الميليشيات التي تسيطر على حرم الجامعات، الطالبات والأكاديميين على ارتداء الحجاب، كما طالبت العصابات المسلحة المؤسسات بالموافقة على درجاتهم مهما كانت، وفقد نظام الاعتماد الكثير من أهميته المتبقية.

وقد أدى الانهيار الحكومي في التعليم إلى صناعة جامعية خاصة مترامية الأطراف، وطرأت ظاهرة جديدة تمثلت في بناء الكليات الخاصة الشيعية، مثل جامعة “أهل البيت” في النجف، والتي تدرس العلوم الإسلامية والقانون الذي منعه النظام البعثي سابقًا.

وهذه الجامعات الدينية لا تمولها إيران فحسب، بل تُمول من قِبل شبكات شيعية عابرة للحدود غالبًا ما تتخذ من العراق والكويت ولبنان وبريطانيا مقرًا لها.

 أمريكا والجامعات 

وإلى جانب رجال الأعمال المحليين، شاركت القوى الأجنبية أيضًا في الموجة الجديدة، وكانت الولايات المتحدة أول قوة أجنبية تقوم بدور مباشر في توفير التعليم مع افتتاح الجامعة الأمريكية في العراق العام 2007، والتي يبلغ عدد الطلاب المسجلين بها حاليًا 1600 طالب من جميع أنحاء العراق ليدرسوا مجموعة متنوعة من العلوم الاجتماعية والتجارة وإدارة الأعمال وغيرها من العلوم.

وتم تصميم الجامعة الأمريكية بالعراق لتدريب النخبة المستقبلية في البلاد مثلها مثل الجامعات الأمريكية في القاهرة وبيروت.

 لم يتم بناء الجامعة في بغداد بل على مشارف السليمانية، وهي مدينة آمنة ومزدهرة نسبيا في إقليم كردستان، لتوحد الجامعة بين مصالح واشنطن وبين مصالح شريحة من النخبة الكردية ذات التوجه الغربي.

الجامعات الإيرانية تتنافس 

وبعد الكثير من التأخير، تم وضع حجر الأساس في 14 أغسطس الماضي لجامعة المصطفى الأمين، والتي تديرها وتمولها جامعة “آزاد” الإسلامية في إيران، ومن المتوقع أن تتألف من ثلاث كليات تركز على العلوم الإسلامية والقانون والأدب، وأن تقبل 450 طالبًا في السنة الأولى، من أصل سعتها الاجمالية البالغة 1350 طالبًا.

وفي 27 يوليو الماضي توصلت جامعة طهران للعلوم الطبية إلى اتفاق لبناء أول جامعة طبية في العراق.

وبحسب الصحيفة تعتبر جامعة المصطفى الأمين انتصارًا واضحًا لآزاد الإسلامية وطموحات إيران الناعمة في المنطقة. فعلى الرغم من كونهما جارتين، وبعد توقيع طهران لأكثر من 50 مذكرة تعاون علمي وأكاديمي مع الحكومة في بغداد، إلا أن هناك حوالي 3000 طالب عراقي فقط مسجلين في الجامعات الإيرانية.

ولدى “آزاد” العديد من الفروع الأجنبية التي أقيمت أولها عندما كان مؤسسها الراحل هاشمي أكبر رفسنجاني رئيسًا لإيران (1989-1997).

وفي عام 1990 افتتح أول حرم جامعي لآزاد خارج إيران في بيروت، وبعد أن خسر رفسنجاني الرئاسة في عام 1997 وجدت جامعة آزاد صعوبة ملحوظة في متابعة توسعها بالخارج.

وفي العام 2004 أنشأت الجامعة مركزًا في أكسفورد، وتمكنت في العام 2010 من إقناع الحكومة الأفغانية بالموافقة على بناء فرع في كابول. وهي لا تزال تأمل التوسع إلى روسيا والنمسا.

ووفقًا للصحيفة باستثناء لبنان حيث تنشط أزاد الإسلامية في عدة مدن، فإن هذه الفروع الأجنبية صغيرة والأهم من ذلك لم يتمكن أي من فروع أزاد الإسلامية في الخارج من احتلال المكانة الاجتماعية اللازمة لجذب ألمع الطلاب والنخب المحلية، وهذا هو ما يميز الجامعة الامريكية عن أزاد في السليمانية.

في حين ينزعج بعض العراقيين من الوجود الإيراني، بحجة أنه يهدد بتصاعد التوترات الطائفية أكثر، يعتقد الإيرانيون أنهم جزء من محاولة لإعادة بناء التعليم العالي في البلاد، وتوفير أسس لتبادل المعرفة والأفكار.

قبل الغزو

وقبل الغزو الذي قادته الولايات المتحدة، تحسنت مؤشرات التعليم في العراق الغني بالنفط، وتحسنت الأراضي التي يسيطر عليها البعث بمعدل يساوي متوسط الدخل في معظم الدول الأخرى، بل  وأكثر في بعض النواحي.

وفتحت الجامعة الأولى في البلاد “جامعة بغداد” أبوابها في العام 1957، وفي العام 1968، جعلت الحكومة التعليم مجانًا وإلزاميًا على جميع المستويات.

وفي العام 1977، أصبح محو الأمية إلزاميًا بموجب القانون، وبدأت الدفعة التنموية، وبحلول العام 1980 التحق كل أطفال العراق بالمدارس الابتدائية.

وأشارت الصحيفة إلى أن الحرب العراقية الإيرانية التي دامت 8 سنوات في الثمانينيات من القرن الماضي والعقوبات التي فرضها الغرب بعد غزو الكويت في التسعينيات أدت إلى تباطؤ هذه المكاسب.

وبحلول العام 2000، بلغ معدل الإلمام بالقراءة والكتابة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاما 84.8%، وهو معدل أعلى من معدل الجيران الإقليميين.

 كما أن الفجوة بين الجنسين أخذت في التضاؤل: فبلغت معدلات الإلمام بالقراءة والكتابة بين الإناث 80.5 % في العام 2000، وهو رقم لم تصل إليه مصر إلا في العام 2006.